المقالة الثانية: في أخبار النحويين واللغويين وأسماء كتبهم
الفن الأول: في ابتداء الكلام في النحو وأخبار النحويين واللغويين من البصريين وفصحاء الاعراب وأسماء كتبهم
قال محمد بن إسحاق زعم أكثر العلماء أن النحو أخذ عن أبي الأسود الدؤلي وان أبا الأسود أخذ ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وقال آخرون رسم النحو نصر بن عاصم الدؤلي ويقال الليثي قرأت بخط أبي عبد الله بن مقلة
عن ثعلب انه قال روى بن لهيعة عن أبي النضر قال كان عبد الرحمن بن هرمز أول من وضع العربية وكان أعلم الناس بانساب قريش وأخبارها وأحد القراء وكذا حدثني الشيخ أبو سعيد رضي الله عنه وحدثني أيضا قال كان نصر بن عاصم الليثي أحد
القراء والفصحاء وأخذ عنه أبو عمرو بن العلاء والناس.
قال أبو جعفر بن رستم الطبري انما سمي النحو نحوا لأن أبا الأسود الدؤلي قال لعلي عليه السلام وقد ألقى عليه شيئا من أصول النحو قال أبو الأسود واستأذنته أن أصنع نحو ما صنع فسمى ذلك نحوا وقد اختلف الناس في السبب الذي دعا أبا
الأسود إلى ما رسمه من النحو فقال أبو عبيدة أخذ النحو عن علي بن أبي طالب أبو الأسود وكان لا يخرج شيئا أخذه عن علي كرم الله وجهه إلى أحد حتى بعث اليه زياد أن أعمل شيئا يكون للناس إماما ويعرف به كتاب الله فاستعفاه
من ذلك حتى سمع أبو الأسود قارئا يقرأ {أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} بالكسر فقال ما ظننت ان أمر الناس آل إلى هذا فرجع إلى زياد فقال افعل ما أمر به الأمير فليبغني كاتبا لقنا يفعل ما أقول فأتى بكاتب من عبد القيس فلم
يرضه فأتى بآخر قال أبو العباس المبرد أحسبه منهم فقال أبو الأسود إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه على أعلاه وان ضممت فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف وان كسرت فاجعل النقطة من تحت الحرف فهذا نفط أبي الأسود. قال أبو سعيد
رضي الله عنه ويقال ان السبب في ذلك أيضا انه مر بأبي الأسود سعد وكان رجلا فارسيا من أهل زندخان كان قدم البصرة مع جماعة أهله فدنوا من قدامة بن مظعون وادعوا إنهم أسلموا على يديه وانهم بدلك من مواليه فمر سعد هذا بأبي الأسود
وهو يقود فرسه فقال مالك يا سعد لم لا تركب قال ان فرسي ضالع أراد ظالعا قال فضحك به بعض من حضره فقال أبو الأسود هؤلاء الموالي قد رغبوا في الإسلام ودخلوا فيه فصاروا لنا اخوة فلو عملنا لهم الكلام فوضع باب الفاعل والمفعول.
سبب يدل على أن من وضع في النحو كلاما أبو الأسود الدؤلي
قال محمد بن إسحاق كان بمدينة الحديثة رجل يقال له محمد بن الحسين ويعرف بابن أبي بعرة جماعة للكتب له خزانة لم أر لاحد مثلها كثرة تحتوي على قطعة من الكتب العربية في النحو واللغة والأدب والكتب القديمة فلقيت هذا الرجل دفعات فأنس بي وكان
نفورا ضنينا بما عنده خائفا من بني حمدان فأخرج لي قمطرا كبيرا فيه نحو ثلاثمائة رطل جلود فلجان وصكاك وقرطاس مصر وورق صيني وورق تهامي وجلود آدم وورق خراساني فيها تعليقات عن العرب وقصائد مفردات من أشعارهم وشيء من النحو والحكايات والاخبار والأسماء والأنساب وغير
ذلك من علوم العرب وغيرهم وذكر أن رجلا من أهل الكوفة ذهب عنى اسمه كان مستهترا بجمع الخطوط القديمة وأنه لما حضرته الوفاة خصه بذلك لصداقة كانت بينهما وأفضال من محمد بن الحسين عليه ومجانسة المذهب فإنه كان شيعيا فرأيتها وقلبتها فرأيت عجبا إلا أن
الزمان قد أخلقها وعمل فيها عملا أدرسها وأحرفها وكان على كل جزء أو ورقة أو مدرج توقيع بخطوط العلماء واحدا أثر واحد فذكر فيه خط من هو وتحت كل توقيع توقيع آخر خمسة وستة من شهادات العلماء على خطوط بعض لبعض ورأيت في جملتها مصحفا
بخط خالد بن أبي الهياج صاحب علي رضي الله عنه ثم وصل هذا المصحف إلى أبي عبد الله بن حاني رحمه الله ورأيت فيها بخطوط الامامين الحسن والحسين ورأيت عنده أمانات وعهودا بخط أمير المؤمنين علي عليه السلام وبخط غيره من كتاب النبي ﷺ ومن
خطوط العلماء في النحو واللغة مثل أبي عمرو بن العلاء وأبي عمر والشيباني والأصمعي وابن الأعرابي وسيبويه والفراء والكسائي ومن خطوط أصحاب الحديث مثل سفيان بن عيينة وسفيان الثوري والأوزاعي وغيرهم ورأيت ما يدل على أن النحو عن أبي الأسود ما هذه حكايته وهي أربعة
أوراق أحسبها من ورق الصين ترجمتها هذه فيها كلام في الفاعل والمفعول من أبي الأسود رحمة الله عليه بخط يحيى بن يعمر وتحت هذا الخط بخط عتيق هذا خط علان النحوي وتحته هذا خط النضر بن شميل ثم لما مات هذا الرجل فقدنا القمطر وما
كان فيه فما سمعنا له خبرا ولا رأيت منه غير المصحف هذا على كثرة بحثي عنه.
تسمية من أخذ النحو عن أبي الأسود الدؤلي
أخذ عن أبي الأسود جماعة منهم يحيى بن يعمر وعنبسة بن معدان وهو عنبسة الفيل وميمون بن الاقرن وقال بعض العلماء أن نصر بن عاصم أخذ عن أبي الأسود فأما يحيى بن يعمر فهو رجل من عدوان بن قيس بن غيلان بن مضر وكان عدده
في بني ليث بن كنانة وكان مأمونا عالما قد روى عنه الحديث ولقيى بن عباس وابن عمر وغيرهما وروى عنه قتادة وغيره وأما عنبسة بن معدان الفهري فرجل من أهل ميسان قدم البصرة وأقام بها وانما سمي بالفيل لان معدان أباه مقبل بنفقة فيل زياد
فسمي به وكان بعد عنبسة عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي مولى لحضرموت وهجاه الفرزدق فقال:
فلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكن عبد الله مولى مواليا
وممن برع في أيامه عيسى بن عمر الثقفي حدثني أبو سعيد رحمه الله قال حدثنا أبو مزاحم قال حدثنا بن أبي سعيد قال حدثنا أبو عثمان المازني قال حدثنا الأصمعي عن عيسى بن عمر قال كنا نمشي مع الحسن ومعنا عبد الله بن أبي إسحاق
قال فقال الحسن جاذبوا هذه النفوس فانها طلعة فاخرج عبد الله بن أبي إسحاق ألواحه فكتبها وقال استفدنا منك يا أبا سعيد طلعة وأبو عمرو بن العلاء.