يا فَتَيان فتى لا يَرى نَومَ العِشاء غَنِيمةً ولا يَنْثَني من صَوْلة الحَدَثَان وقال جرير يرْثي ولده سَوَادَة: قالوا نَصِيبَك من أجر فقلتُ لهم كيف العزَاء وقد فارقتُ أشْبالي وقال أبو الشَّغْب يَرْثي ابنه شَغْباً: قد كان شَغْبُ لو آن الله عَمّره عِزًّا تُزاد به
في عِزّها مُضَرُ ليتَ الجبالَ تَدَاعت قبل مَصرعه دَكَّا فلم يَبْقَ من أحجارها حَجَر فارقتُ شَغْبا وقد قُوِّسْت من كِبَرٍ بِئْس الخلِيطان طولُ الحُزْن والكِبَر ولما تُوفي أيوبُ بن سُليمان بن عبد الملك في حياة سُليمان وكانَ ولِيّ عهده وأَكبر ولده رثاه ابن عبد الأعلى
وكان من خاصّته فقال فيه: ولقد أقولُ لذي الشَّماتة إذ رَأَى جَزَعي ومن يَذُق الحوادثَ يَجْزَع أَبْشِر فقد قَرَع الحوادِثُ مَرْوَتي وآفرحْ بِمَرْوَتك التي لم تُقْرَع إنْ عِشْتَ تُفجَع بالأحِبّة كلِّهم أو يُفْجَعوا بك إن بهم لم تُفْجَع أَيًّوبُ من يَشْمَت بِموْتك لم يُطِقْ عن
نَفْسه دَفْعاً وهل مِن مَدْفع الأصمعيّ عن رجلِ من الأعراب قال: كُنّا عشرةَ إخْوة وكان لنا أخ يقال له حسن فَنُعِي إلى أبينا فبقي سَنَتين يَبْكي عليه حتى كُفَّ بَصَرُه وقال فيه: أَفلحتُ إن كان لم يَمُت حَسَنُ وكُفّ عنّي البُكاءُ والحَزَنُ بل أَكْذَب الله
مَن نَعى حَسَناً ليس لتَكْذِيب قَوْله ثَمَن بُدِّلْتُهم منك ليتَ أنهمُ كانُوا وبَيْني وبَيْنهم مُدُن قد عَلِموا عند ما أنافرهم ما في قَناتي صَدْع ولا أُبَن قد جَرَّبوني فما ألاوِمُهم ما زال بَيني وبَينهم إحَن قد بُرى الجسمُ مذ نُعيتَ لنا كما بَرى فَرْع نَبْعة
سَفَن فإن نَعِشِ فالمُنى حَياتُكَ وال خُلْد وأنت الحديثُ والوَسَن إن تَحْيَ نحْيَ بخير عَيْشٍ وإن تَمْض فتِلْك السَّبيلُ والسَّنن بَريدُك الحمدُ والسَّلامُ مَعاً فكُلّ حَيٍّ بالموت مُرْتَهَن يا ويح نَفْسي أن كنتَ في جَدَثٍ دونَك فيه الترابُ والكَفن علي لله إن لقيتك من قَبْل
الممات الصَيامُ والبُدُن أسوقُها حافياً مُجلَّلةً أدْما هِجَاناً قد كظَّها السِّمَن فلا نُبالي إذا بَقيتَ لنا من مات أو مَن أوْدى به الزَمن كُنتَ خليلَي وكنتَ خالِصتي لِكل حيٍّ من أهلْهِ سَكَن فإِن يَنْقَطع منك الرَّجاء فإنه سَيَبْقى عليك الحُزْن ما بَقِيَ الدَّهر وقال أعرِابِيّ
يرثي ابنه: بُنَيّ لئن ضنَّت جُفونٌ بمائها لقد قَرِحَتْ منّي عليك جُفُونُ دَفنتُ بكفّي بَعْضَ نفسي فأصبحتْ وللنفس منها دافِنٌ ودَفِين وهذا نظير قوِلِي في طِفل أصبْت به: على مِثْلها من فجْعة خانني الصَّبْر فِراق حبيب دون أوْبته الحَشْرُ ولي كَبِدٌ مَشْطُورة في يَدِ الأسى
فَتَحْتَ الثّرى شَطرٌ وفوق الثّرى شَطر يَقولون لي صَبِّر فُؤادَك بعدَه فقلتُ لهم مالي فؤادٌ ولا صَبر فُرَيخ من الحُمْر الحواصل ما اكْتَسى من الرِّيش حتى ضَمّه الموتُ والقَبْر إذا قلتُ أسْلو عنه هاجت بلابلٌ يُجدِّدها فِكْر يُجدِّده ذِكْر وأنظر حَوْلي لا أرى غير قَبْرِه
كأنّ جَمِيعِ الأرْض عندي له قَبر أفَرْخ جِنَان الخُلْد طِرْتَ بمُهْجتي وليس سِوى قَعْرِ الضَّريح له وَكْر وقالت أعرابيّة تَرْثي ولدها: أيقنتُ بعدكَ أنِّي غيرُ باقيةٍ وكيف يَبْقى ذراعٌ زال عن عَضُد تُوفي ابنٌ لأعرابيّ فَبكى عليه حينا فلما هَمّ أن يَسْلُو عنه تُوفيِّ له
ابن آخر فقال في ذلك: إنْ أُفِقْ مِن حَزَنٍ هاج حَزَنْ فَفُؤادي ما له اليومَ سَكَنْ وكما تَبْلَى وُجوهٌ في الثَّرى فَكذا يَبْلَى عليهنّ الحَزَن وقال في ذلك: عُيون قد بَكَيْنَك مُوجَعاتٍ أضرَّ بها البُكاء وما يَنِينَا إذا أنْفَذْن دَمْعاً بعد دمْعٍ يُرَاجِعْن الشُؤونَ فيستقينا
أبو عبد الله البَجَلي قال: وقفتْ أعرابيةٌ على قبر ابن لها يقال له عامر فقالت: أقمتُ أَبْكِيه على قَبْرِه مَنْ ليَ مِن بَعْدك يا عامرُ تَرَكْتَني في الدّار لي وَحْشَةٌ قد ذلَّ مَن ليس له ناصِر وقالت فيه: هو الصَّبْرُ والتَسْلِيم للِهّ والرضّا إِذ نَزلتْ
بي خُطَّة لا أَشاؤُهَا إذا نحنُ أُبْنا سالمِينَ بأنْفُسٍ كِرَام رَجَتْ أمْراً فَخاب رجاؤُها هو ابنىَ أَمْسى أجره " لي " وعَزَّني على نَفْسِه رَبُّ إليه وَلاَؤُها فإنْ احْتَسِب أوجَر وإن أبكِه أكنْ كباكيةٍ لم يُحْي مَيّتَاً بُكاؤُها الشَيبانيّ قال: كانت امرأة من هُذَيل لها
عَشرة إخْوة وعَشْرَة أعمام فَهَلكوا جمعياً في الطاعون وكانت بِكْراً لم تَتزوّج فَخَطبها ابن عمّ لها فتزوّجها فلم تَلْبث أنْ اشتملت على غُلام فولدتْه فنَبت نباتاً كأنما يُمد بناصِيَته وبلغ فزوّجتْه وأخذتْ في جَهازه حتى إذا لم يَبْق إلا البِنَاء " بأهْله " أتاه أجلُه
فلم تَشُقِّ لها جَيْباً ولم تَدْمَع لها عَين فلما فَرغوا من جَهازه دُعِيت لتوديعه فأكبَّت عليه ساعةَ ثم رَفعت رأسَها ونظرت إليه وقالت: ألا تلك المَسَرَّة لا تَدُوم ولا يَبْقَى على الدَّهر النَّعيمُ ولا يبقى على الحَدَثان غُفْر بشَاهِقَةٍ له أمٌّ رءُوم ثم اكبَّتْ عليه
أخرى فلم تقطع نَحيبها حتى فاضت نَفسُها فَدُفِنا جميعاً. خَليفة بن خَيّاط قال: ما رأيت أشدَّ كَمَداً من آمرأة من بني شَيبان قُتِل ابنها وأبوها وزَوجُها وأمّها وعَمَّتها وخالتُها معِ الضَّحّاك الحَرُورِيّ فما رأيتُها قطُّ ضاحكةً ولا مُتَبَسِّمَةَ حتى فارقت الدنيا وقالت ترثيهم: مَنْ لِقَلْبٍ
شَفَّه الحَزَنُ ولنَفْس ما لها سَكَن مَعْشر قضَوْا نُحوبهم كل ما قد قدَّموا حَسَن صَبَرُوا عند السّيُوف فلم يَنْكلُوا عنها ولا جَبُنُوا فِتْيةٌ باعُوا نًفوسَهُم لا وَرَبِّ البَيْتِ ما غُبِنُوا فأصاب القومُ ما طَلَبوا مِنَّةً ما بعدها مِنَن وقال عبدُ الله بن ثَعلبة يَرْثي ولداً
له: أأخْضِب رَأسي أم أطَيِّبُ مَفْرِقي ورَأْسُك مَرْموسٌ وأنتَ سلِيبُ نَسِيبُك من أمْسى يُناجِيك طَرْفُه وليس لمن تحت التراب نَسِيب غَرِيبٌ وأطْرافُ البُيوت تُكِنّه ألاَ كلّ مَن تحت التراب غريب قال العُتْبِيّ - محمدُ بن عُبيد الله - يرثِي ابنا له: أَضْحَتْ بخدي للدُّموع رُسُومُ
أسَفاً عليك وفي الفؤاد كُلُومُ والصَّبْر يُحمد في المَوَاطن كلِّها إلاّ عليك فإنّه مَذْمُوم خَرج أعرابيّ هارباً من الطاعون فبينما هو سائر إذْ لدغته أفعَى فمات فقال أبوه يَرْثيه: طافَ يَبْغِي نَجْوَة مِنْ هَلاَكٍ فَهَلَكْ كلُّ شيءٍ قاتِلٌ حين تَلْقى أجلَك لما قَتل عبد الله
المأمون أخاه محمدَ بنَ زبيدة أرسلت أمه زُبيدة بنت جَعْفر إلى أبي العَتاهية أن يقول أبياتاً على لسانها للمأمون فقال: ألا إن رَيْبَ الدّهر يُدْنىِ ويًبْعِد وللدَّهْرِ أيَّام تُذَمّ وتُحْمَدُ أَقول لرَحيب الدَّهر إن ذَهبتْ يدٌ فقد بَقِيتْ والحمدُ للهّ لِي يَد إذا بَقِيَ المأمونُ
لِي فالرَّشِيدُ لِي وليِ جَعْفَرٌ لم يَهْلِكَا ومحمّد وكَتبت إليه من قوله: لخير إمام مِن خَير مَعْشَر وأكرم بَسَّام على عُودِ مِنْبَرِ كَتبتُ وَعينىِ تستهلُّ دُموعُها إليْك ابن يَعْلي من دمُوعي ومحْجري فُجِعْنا بأدنىَ الناس مِنك قَرَابةً ومَن زلَّ عن كِبْدي فقَلّ تَصبُّري أتىَ طاهرٌ