16
المراثي من رثي نفسه ووصف قبره وما يكتب على القبر
قال قال ابن قتَيْبة: بلغني أن أوّل مَنْ بكى على نفسه وذكرَ الموت في شِعْره يزيدُ بن خَذّاق فقال: هَل للفتى من بنات الدهر مِن وَاقِي أم هل له من حِمام المَوْتِ من رَاقِي قد رَجَّلوني وما بالشَّعر من شَعَثٍ وألبَسوني ثِيَاباً غيرَ أخْلاق وطَيَّبوني
وقالوِا أيما رَجُلٍ وأدرَجوني كأنّي طيّ مخْرَاق وأرسَلوا فِتْيَةً من خيْرِهِمْ حَسَباً لِيُسْنِدُوا في ضرَيح القَبْر أطباقي وقَسمُوا المال وارفضّت عوائدُهم وقال قائلُهُم مات ابن خَذّاق هَوِّن عليك ولا تُولَع بإشفاق فإنّما مالُنا للوارث الباقي وقال أبو ذُؤيب الهُذليّ يَصِفُ حُفرته: مُطأْطَأةً لم ينبطوها وإنها
لَيَرْضى بها فُرَّاطها أُمَّ واحدِ فكنتُ ذَنُوبَ البِئر لما تَبَسَّلت وأدرجتُ أكفاني ووُسَدْت ساعدي وقال عُروة بن حِزام لما نَزل به الموتُ: مَن كان مِن أخَوَاتي باكياً أبداً فاليومَ إني أُراني اليوْمَ مَقْبُوضَا يُسْمِعْنَنِيه فإنّي غيرُ سامِعِه إذا علوتُ رِقابَ القول مَعْروضا وقال الطرمِّاح بن
حَكِيم: فيا رَبّ لا تَجعل وَفاتِيَ إن أتَتْ على شَرْجَعٍ يُعْلَى بخُضْر المَطَارفِ ولكنْ شهيداً ثاوياً في عِصابة يُصابون في فَجٍّ من الأرْض خائف إذا فارَقُوا دًنْياهُم فارَقُوا الأذىَ وصارُوا إلى مَوْعُود ما في الصَّحَائف فأقْتَلَ قَعْصاً ثم يُرْمى بأعْظُمِي مُفَرقةً أوصالُها في التَنَائف ويُصْبِحَ
لَحْمِي بَطْنَ نَسْر مقيلُه بجَوَ السماءِ في نُسورعواكف وقال مالك بن الرّيْب يَرْثى نَفْسه ويصِف قَبْرَه وكان خرَج مع سَعيد بن عثمان بن عفّان لما وَليَ خُراسان فلما كان ببعض الطَّريق أراد أن يَلْبَس خُفَّه فإذا بأفعى في داخلها فلسعَتْه فلما أحسّ الموت استلقى على
قَفاه ثم أنشأ يقول: دَعاني الهَوَى من أهل أودَ وصُحْبَتي بذِي الطَّبَسينْ فآلتفتُّ ورَائِياً ألم تَرَني بِعْتُ الضلالةَ بالهدَى وأصبحتُ في جَيْش ابن عَفّان غازيا فللّه درِّى حين أَتْرُك طائعاً بَنيَّ بأعْلَى الرقْمَتين وماليا ودَرّ كبيرَىَّ اللذين كِلاهما علَيَّ شفيقٌ ناصح لو نهانيا ودرُّ الظِّبَاء
السانحات عَشيةً يُخَبَرْن أني هالكٌ من أماميا تقول ابنتي لما رأت وَشْك رِحْلتي سِفَارُك هذا تارِكي لا أباليا ألا ليتَ شِعْري هل بَكتْ أمالك كما كنتُ لو عالَوْا نَعِيك باكيا على جَدَث قد جرَّت الرِّيح فوقَه تُرَابا كسَحْق المَرْنبانيّ هابيا فيا صاحَبيْ رَحْلِي دَنا الموت
فاحفِرَا برابية إنّي مُقيم لياليا وخُطّا بأطراف الأسِنَّة مَضْجعِي ورُدَّا عَلَى عَيْني فَضْلَ رِدَائيا ولا تَحْسداني بارَك الله فيكما من الأرض ذاتِ العَرْض أن توسِعاليا خُذَاني فَجُراني بِبُرْدِي إليكما وقد كنت قبلَ اليوم صَعْباً قيَاديا تفَقَّدْت مَنْ يَبكى عليّ فلم أجد سوى السَّيف والرُّمح الردَيّنيِّ
باكيا لعمري لَئِن غالت خُراسانُ هامتي لقد كنتُ عن بابَيْ خرَاسان نائيا تَحَمَّل أصحابي عِشَاءَ وغادَرُوا أخا ثِقَةٍ في عَرْصَة الدَار ثاوِيا يَقُولون لا تَبْعَد وهم يَدْفِنُونني وأينَ مَكان البُعْدِ إلا مَكانيا وقال رجُل من بني تَغْلب يقال له أفْنُون وهو لَقبه واسمه صُرَيم بن
مَعْشر بن ذُهْل بن تَيْم بن عمرو بن مالك بن حَبيب بن عمرو بن عُثمان بن تَغْلِب ولَقِيَ كاهناً في الجاهلية فقال له: إنك تموت بمكان يقال له إلاهَة. فمكث ما شاء الله ثم سافر في رَكْب من قومه إلى الشام فأتَوْها ثم انصرفوا فضلّوا
الطَّريق فمالوا لرجل: كيف نَأخذ فقال: سِيرُوا حتى إذا كنتم بمكان كذا وكذا ظَهَر لكم الطريق ورَأيتم إلاهة - وإلاهة قارة بالسّماوة - فلما أتَوْها نزل أصحابُه وأبى أن يَنْزل فبينما ناقتُه تَرْتعى وهو راكبها إذ أخَذتْ بمشْفر ناقته حَيَّة فاحتكت الناقةُ بمشْفرِها فلدغتْ ساقه
فقال لأخيه وكان معه واسمَه مُعاوية: احفر لي فإني ميّت ثَم تغنِّى قبل أن يموت يبكى نفسه: فلستُ على شيء فُروحَنْ مُعاويا ولا المُشْفِقاتُ إذ تَبِعْنَ الحوَازيا ولا خَيْرَ فيما يَكْذِب المرْءُ نفسَه وتَقْوَالِه للشيء يا ليت ذا ليا وإن أعْجَبَتك الدهرَ حال من آمرىء
فَدَعْه ووَاكلْ حاله واللّياليا فطأ مُعْرضاً إنِّ الحُتُوف كثيرةٌ وأنَّك لا تبْقى بنَفْسِك باقيا لعَمْرك ما يَدْري آمرؤ كيف يَتَّقىِ إذا هو لم يَجْعل له الله وَاقيا كفي حَزناً أن يَرحل الرَّكب غُدْوَةَ وأنزِلَ في أعلَى إلاهة ثاويا قال: فمات فَدَفَنوه بها. وقال هُدْبة العذُرِي
لما أيْقن بالموت: ألا عَلَلاني قبل نَوْح النوائح وقبلَ آطّلاع النَّفس بين الجَوَانح وقَبل غدٍ يالَهْفَ نفْسي على غَدٍ إذا راح أصحَابي ولستُ برائح إذا راح أصحابي بِفَيض دُموعهم وغُودِرتُ في لَحْدٍ عليّ صَفَائحي يَقولون هل أصلحتمُ لأخِيكُم وما الرمْس في الأرض القِوَاء بصالح وقال
محمد بن بَشير: ويلٌ لمن لم يَرْحَم الله ومَن تكون النار مثْوَاهُ والوَيل لي من كل يوم أتى يُذَكِّرُني الموتَ وأنسَاه كأنّه قد قيل في مَجْلًس قد كنتُ آتية وأغْشاه: صار البَشيريّ إلى رَبّه يَرْحَمًنا اللهّ وإياه أذْنَ حَيّ تسمعي اسمعي ثم عِي وَعي أنا
رَهْنٌ بمَضْجَعيِ فاحنَرِي مثلَ مَصْرَعي عِشْتُ تسعين حِجّةَ ثم وافيتُ مَضجَعي لي شيءٌ سِوى التُّقَى فخذِي منه أو دَعِي وعارَضه بعضُ الشعراء في هذه الأبيات وأوْصى بأن تُكتب على قَبره أيضاً فكُتبت وهي: أَصبح القبرُ مَضْجَعي ومَحلِّي. وِمَوْضِعي صَرَعَتْني الحُتوف في التُّرْب يا ذُلَ مَصْرَعي
أين إخوانيَ الذي ن إليهم تَطلُّعي متُّّ وَحْدِي فلم يَمُتْ واحد مِنْهُمُ مَعي وُجِد على قَبْر جارية إلى جَنْب قبر أبي نُواس ثلاثةُ أبيات فقِيل إنها من قول أبي نواس وهي: أقول لِقَبْر زُرْتُه مُتَلثِّماً سَقَى اللهّ بَرْدَ العفو صاحبة القبر لقد غَيَّبُوا تحت الثَّرَى
قَمَرَ الدُّجى وشَمْس الضُحى بين الصَّفائح والعفْو إن كان لا يَرْجوك إلا مُحْسِنٌ فَبِمن يَلوذ ويستجير المُجْرِمُ أدْعُوك ربِّ كما أمرتَ تَضرُّعاً فإذا رَدَدْتَ يدِي فمن ذا يَرْحم مالي إليك وسيلةٌ إلا الرّجا وجَميلُ عَفوك ثم أني مُسْلِمُ الخُشنىّ قال: أخبرنا بعضُ أصحابنا ممن كان
يَغْشى مجلس الرِّياشي قال: رأيتُ علي قبر أبي هاشم الإياديّ بواسط: الموتُ أخْرَجَني من دار مَمْلكتِي والموتُ أضْرَعني من بَعد تَشْريفِي لله عَبْدٌ رَأى قَبري فأعْبرَه وخاف من دَهْره رَيْبَ التَصارِيف الأصمعي قال: أخذ بيدي يحيى بن خالد بن بَرْمك فوقفني على قبره بالحِيرة فإذا
عليه مكتوب: إنَّ بَنِي المُنذر لما آنقضَوْا بحب شاد البَيْعة الراهب تنفَح بالمِسْك مَحاريبهم وعنبرٍ يقطبه قاطِبُ والخُبز واللَحم لهم راهنٌ وقهْوَة راوُوقها ساكِب والقُطْنُ والكَتّان أثوابُهم لم يَجْلِب الصُوفَ لهم جالِب فأَصْبَحوا قُوتاً لدُود الثَّرى والدَهرُ لا يَبْقى له صاحِب الشَيبانيّ قال: وُجد مكتوباً
على بعض القبور: مَل الأحِبّةُ زَوْرتي فجفيت وسَكنتُ في دار البلَى فنسيتُ الحيّ يَكْذِب لا صَديقَ لِمَيِّتٍ لو كَان يَصْدُق مات حين يَمُوت يا مُؤْنِسا سَكن الثَّرى وَبَقِيتُ لو كنتُ أصدُق إذ بليتُ بَليت أو كان يعمَى للبكاء مُفَجًع من طُول ما أبكِي عليك عَمِيت
وقال محمدُ بن عبد الله: وعمّا قلَيلٍ لنْ تَرى باكياً لنا سَيَضْحك من يَبْكى وُيعْرض عن ذِكْري تَرى صاحبي يبكى قليلاً لِفًرْقتي ويَضْحك من طُول اللَيالي على قَبري ويُحْدِث إخواناً ويَنْسى مَودَتي وتَشْغله الأحباب عنّي وعن ذِكْري من رثى ولده: فمن قولى في وَلدي: بَلِيت