ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 15 من 126

العقد الفريد — الجزء الثاني

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 15 من 1261,341 كلمة في هذا الجزء

باب في الغريب والتقعيب

دخل أبو عَلْقمة على أَعْينَ الطبيب فقال: أصلحك الله أَكلتُ من لحوم هذه الجَوازل وطَسِئْت طَسْأَة فأصابني وَجَعٌ بين الوابلة ودأية العُنق فلم يزل يَنْمو ويَرْبُو حتى خالَطَ الخِلْب والشَّراسيف فهل عندك دواء قال: نعم خذ خَرْبَقاً وسلفقاً وشِبْرقاً فزَهْزِقه " وزَقْزقه " و اغسله

بماء ذَوْب واشربه فقال له أبو عَلقمة: لم أفهمكَ فقال: ما أفهمتُك إلاَّ كما أَفهمتني. وقال له مرّة أُخرى: إني أجد مَعْمعة وقَرْقرة فقال: أمّا معمعة فلا أعرفها وأما القرقرة: فضُراط لم يَنْضَج. وقال أبو الأسوَد الدّؤلي لأبي عَلْقمة: ما حال ابنك قال: أخذته الحمَّى

فطَبَختْه طبخاً ورَضَخته رَضْخاً " وفَتَخته فَتْخاً " فتركته فَرْخاً قال: فما فعلت زوجتُه التي كانت تُشارّه وتُهارّه وُتمارّه وتزارّه قال: طَلَّقها. فتزوَّجت بعده فَحَظِيت وبظَيت فقال له: قد عَرفنا " حَظِيت " فما " بظَيت " قال: حرف من الغريب لم يَبْلغك فقال: يابن

أخي كل حَرْف لا يعرفه عمُّك فاستره كما تَستر السِّنور خُرْأها. ودعا أبو عَلْقمة بحَجَّام يَحْجِمهُ فقال له: أنْقِ غَسْلَ المحاجم واشدُد قصب المَلازم وأرْهف ظُبات المشَارِط وأسْرع الوضْع وَعجِّل النَّزع ولْيكُن شَرْطُكم وَخْزا ومَصَّك نَهْزا ولا تَرُدَّن آتياَ ولا تُكْرِهن آبياً. فوضع الحجّام مَحاجمه

في جُونته ومضى عنه. وسَمِع أعرابيّ أبا المَكْنون النَّحوي " في حَلْقته " وهو يقول في دعاء الاستسقاء: اللهم ربنا وإلهنا ومولانا فصلِّ على محمد نبيّنا " اللهم " ومن أراد بنا سُوءا فأحِطْ ذلك السوء به كإِحاطة القلائد بأعناق الولائد ثم أَرْسخه على هامَتِه

كرسُوخ السِّجِّيل على هام أصحاب الفيل اللهم اسقنا غَيْثاً مُغيثا " مَرِيئا " مَرِيعا مُجلْجلا مُسْحَنفرا " هَزِجا " سَحَّا سفُوحا طَبَقا غَدقا مُثْعَنْجرا ناقعا لعامَّتنا وغيرَ ضار لخاصَّتنا. فقال الأعرابيّ: يا خليفة نوح هذا الطًّوفان وربِّ الكعبة دعني حتى آوي إلى جَبَل يَعْصمني من

الماء. وسَمعه مرة أخرى يقول في يوم برد: إن هذا يوم بلّة عَصبْصب بارد هِلَّوْف فارتعد الأعرابي وقال: والله هذا مما يَزيدني بردا. وخطب أبو بكر المَنْكور فأغرب في خُطبته وتقَعَّر في كلامه وعند أصل المِنبر رجلٌ من أهل الكوفة يقال له حَنش فقال لرجل

إلى جَنبه: إني لأبغض الخطيب يكون فَصيحاً بليغاً مًتَقعِّراً. وسمعه أبو بكر المنكور الخطيبُ. فقال له: ما أحوجك يا حنش إلى مُدَحْرج مَفْتول لي الجلاز لَدْن المَهزّة عظيم الثّمرة تُؤخذ به من مَغْرِز العنق إلى عَجْب الذًنب " فتُعلَى به " فتَكْثُر له وقال حبيب

الطائي: فما لك بالغريب يدٌ ولكن تَعاطيكَ الغَرِيبَ من الغَرِيبِ أمَا لو أن جهلك عاد عِلْما إذاً لرسختَ في عِلْم الغُيوب ومن قولنا نَمدح رجلا باستسهال اللفظ وحُسن الكلام: قَولٌ كأن فَرِيدَه لسِحْر على ذهن الَّلبيب لا يَشمئز على اللّسا نِ ولا يَشِذّ عن القُلوب

لم يَغْلُ في شَنِع الًّلغا تِ ولا توَحّش بالغريب سَيف تَقَلّد مثْلَهُ عَطْفَ القَضيب على القَضيب هذا تُجَذّ بهِ الرِّقَا بُ وَذا تُجَذّ به الخُطُوب

باب في تكليف الرجل ما ليس من طبعه

قالوا: ليس الفِقْه بالتفقُه ولا الفَصاحة بالتفصُّح لأنه لا يَزيد مُتَزيّد في كلامه إلا لنَقْص يَجده في نَفْسه. ومما اتفقت عليه العربُ والعجمُ قولهم: الطَّبع أمْلك. وقال حَفْص بنُ النُّعمان: المَرْء يَصْنع نَفْسه فمتى ما تَبْلًهُ يَنْزع إلى العِرْق. يأيها المُتحلَي غيرَ شيمته ومِن شَمَائله

التَّبديلُ والمَلَقُ ارْجع إلى خِيمك المَعروف دَيْدَنُة إنَّ التخلّق يأتي دُونه الخُلُق وقال آخر: وَمَن يَبتدع ما ليس مِن خِيم نَفْسه يَدَعْه ويَغْلِبه على النَّفس خِيمُها وقال آخر: كلُّ امرىءٍ راجِعٌ يوماً لِشِيمَته وإنْ تَخَلًقَ أخلاقاً إلى حِين وقال الخرَيمي: يُلاَم أبو الفَضل في جُوده

وهَلْ يَمْلِك البَحرُ أَلاّ يَفِيضَا وقال أبو الأسود الدُّؤلي: ولائمةٍ لامَتكَ يا فَيْضُ في النَّدَى فقُلْتُ لها هل يَقْدَح اللَّوْمُ في البَحْرِ أَرَادَتْ لتَثْني الفَيْضَ عن عادة النَّدَى ومَن ذا الذي يَثْنى السحابَ عن القَطْرِ وقالَ حَبيب: تَعَوَّد بَسْط الكفِّ حتى لَوَ انه ثَناها لِقَبْضٍ

لم تُجبْه أَنامِلُه وقال آخر: وقالوا: إن مَلِكاً من ملوك فارس كان له وزير حازم مُجرِّب فكان يُصْدِر عن رأيه ويَتعرف اليُمْن في مَشُورته ثم إنّه هَلَكَ ذلك الملكُ وقام بعده ولدٌ له مُعجَب بنفسه مًستبدٌّ برأيه " فلم يُنزل ذلك الوزيرَ منزلته ولا آهْتَبل

رأيَه " ومَشورته فَقيل له: إن أباك كان لا يَقِطع أمراً دونه فقال: كان يَغْلَط فيه وسأمتحنه بنَفْسي. فأرسل إليه فقال له: أيّهما أغْلبُ على الرجل: الأدبُ أو الطبيعة فقال له الوزير: الطبيعةً أغلبُ لأنها أصلٌ والأدب فَرْعٌ وكلّ فَرْع يَرْجع إلى أصله. فدعا "

الملكُ " بسُفرته فلما وُضعت أقبلت سَنانيرُ بأَيديها الشَّمعُ فوقفت حول السُّفرة فقال للوزير: اعتبر خَطَأَكَ وضَعْفَ مَذْهبك متى كان أبو هذه السنانير شَمَّاعاً. فسكت عنه الوزير وقال: أَمْهلني في الجواب إلى الليلة المُقبلة فقال: ذلك لك. فخَرج الوزيرُ فدعا بغُلام له فقال: التمسْ لي

فأْراً واربطه في خَيط وجئْني به فأتاه به الغلامُ فعقده في سَبَنِيَّة وطرحه في كُمّه ثم راح من الغد إلى الملك فلما حضرت سُفرته أقبلت السنانير بالشَّمع حتى حَفّت بها فحلّ الوزيرُ الفأرَ من سَبنيَّته ثم ألقاه إليها فاستبقت السنانيرُ إليه ورَمت الشمعَ حتى كاد

البيتُ يضطرم عليهم ناراً. فقال الوزيرُ: كيف رأيتَ غَلَبة الطَّبيعة على الأدب ورُجوعَ الفَرْع إلى أصله قال: صدقت ورجع إلى ما كان أبوه عليه معه فإنما مَدار كل شيء على طبعه والتكلُّف مَذْموم من كل وجه. قال الله " تبارك وتعالى " لنبيّه ﷺ :

قل يا محمد: " ومَا أَنَا مِنَ المُتَكلِّفين ". وقالوا: من تَطبّعِ بغير طبعه نَزَعَتْه العادةُ حتى تردَّه إلى طَبْعه كما أنّ الماءَ إذا أَسْخَنته ثم تركته " ساعة " عاد إلى طَبعه من البرودة والشجرةَ المُرّة لو طليتها بالعسل لا تُثمر إلا مُرًّا.