من ليس من أوْليائه فَلَستُ لبيَّاع التُّميرات مُغْضِياً على الضيم إن واقفتُ بعد عَشائه ولقد قلنا له: يا أبا الزَّهراء هل قرأتَ من كتاب الله شيئاً قال: أي وأبيك آيات مُفَصلات أرَدِّدهن في الصَلوات أباء وأمهات وعمات وخالات ثم أنشأ يقول: قرأتُ قَوْلَ الله في
الكتاب ما أنزل الرحمنُ في الأحزاب لعُظم ما فيها من الثوَابِ الكُفْر والغِلْظة في الأعراب وأنا فاعلم من ذوي الألباب أومن بالله بلا ارتياب وجاحِم يَلْفح بالتهاب أوْجُه أهل الكُفْرو والتَّباب ودَفْع رَحْل الطارق المنتاب في ليلة ساكنة الكِلاب ولما أحضرناه ذات يومٍ جِنازة قلنا
له: يا أبا الزهراء كيف رأيت الكوفة فقال: يا بن أخي حَضَراً حاضراً ومَحلاً أهلاً أنكرتُ من أفعالكم الأكيال والأوزان وشَكْل النِّسوان ثم نظر إلى الجبَّانة فقال: ما هذه التِّلال يا بن أخي قلت له: أجداثُ الموتى: فقال: أماتوا أم قُتلوا فقلت: قد ماتوا بآجالهم
مِيتات مخُتلفات قال: فماذا نَنْتظر نحن يا بن أخي قلت: مثل الذي صاروا إليه فاستعبر وبَكى وجعل يقول: يا لَهفَ نَفسي أنْ أموتَ في بَلَد قد غابَ عنِّي الأهْلُ فيه والوَلدْ وكل ذي رحْم شفيق مُعْتَقدْ يكون ما كنتُ سقيماً كالرمد يا ربّ يا ذا
العرْش وَفِّق للرشدْ وَيسرِ الخيرَ لشيخ مُنْحَصِدْ ثم لم يَلْبث إلا يسيراً حتى أخذتْه الحُمَّى والبِرْسام فكنًا لا نُبارحه عائدين متفقدين فبينا نحن عنده ذات يوم وقد اشتد كَرْبه وأيقنى بالموت جعل يقول: أبْلِغ بناتي اليومَ أبلغ بالصُّوَى قد كُنَّ يأمُلْنَ إيَابي بالغِنَى وقر تَمنَّينَ
وما تُفْنى المنى بأنّ نَفْسي وردت حَوْض الرَّدى ومن صلاتي في صباح ومِسَا فَعُدْ على شيخ كبير ذي انحِنا كفاه ما لاقاه في الدُنيا كَفى قلنا له: يا أبا الزَهراء ما تأمرنا في القَوْس والأتان وفيما قَسَم الله لك عندنا من رزق فقال: يا بن
أخي أما ما قَسم الله لي عندكم فمردود إليكم وأما القَوْس والأتان فَبِيعوها وتَصدَقوا بثمنهما في فقراء صَلِبَة بني تميم وما بَقي ففي مَوَاليهم ثم جعل يقول: اللهم اسمع دُعاء عَبدك إليك وتضرعه بين يديك وأعرف له حَقَّ إيمانه بك وتَصْديقه برُسلك الذين صَليت عليهم
وسلمْت اللهم إني جانٍ مُقْترف وهائبٌ مُعْترف لا أدَعي بَراءة ولا أرجو نجاة إلا برحمتك إياي وتجاوزك عنَي اللهم إنك كتبت علي في الدنيا التّعب والنَّصب وكان في قَضَائك وسابق علمك قبضُ روحي في غير أهلي وولدي اللهم فبدِّل لي التَّعب والنَّصب رَوْحاً وريحانا وجنة
نعيم فْضل كريم. ثم صار يتكلم بما لا نَفْقَهه ولا نَفْهمه حتىِ مات رحمه الله. فما سمعتُ دُعاء أبلغ من دُعائه ولا شهدتُ جنازة أكثرَ باكياَ وداعياً من جنازته رحمه الله.
عودة إلى كلام الأعراب
َن كان ذابتً فهذا بَتِّي مقيِّظٌ مُصَيِّف مُشَتي َسَجْتُه من نَعجاتٍ سِت وقال أعرابي: قالت سُلَيْمى ليت ليَ بَعْلاً بِمَنّ يَغْسِلُ أسي ويسلبني الحَزَنْ حاجة ليس لها عِنْدي ثَمَنْ مشهورة قضاؤُها منه وَهَن قالت جواري الحي يا سلمى وإنْ كان فقيراً معدماً قلت وإن قال
الإعرابي: جاريتان حَلَفتْ أماهما وأن ليس مغبوناً من أشتراهما والله لا أخْبركم أسماهما إلا بقولي هكذا هُما هُما ما اللِّتان صادَني سهماهما حيا وحيا الله من حياهما أمَاتَ رَبِّي عاجلاً أباهما حتى تُلاقي مُنْيتي مناهما وقال أعرابي: إِن لنا لَكَنَه مِعَنَة مِفَنَه السٌمْعنة النَظْرنة: المرأة
التي إذا سَمِعت أو نَظرت فلم تَرَ شيئاً تَظنَت تَظنياً. وأنشد أبو عبد الله بن لُبانة لأعرابي: كَرِيمةً يُحبُّها أبُوها مَلِيحةَ العَيْنَينْ عَذْباً فُوها لا تُحْسِنُ السَّبَّ وإنْ سَبُّوها قال الأصمعي: دخلتُ على هارون الرَّشيد وبين يديه بَدْرَة فقال: يا أصمعي إن حدثتني بحديث العَجْز
فأضْحَكتني وهَبتك هذه البدرة قلت: نعم يا أمير المؤمنين بينا أنا في صَحارَى الأعراب في يوم شديد البرد والريح إذا أنا بأعرابي قاعد إلى أجمة قد احتملت الرّيح كِساءَه فألقته على الأجمة وهو عُريان فقلت له: يا أعرابي ما أجلسك ها هنا على هذه الحال
فقال: جارية واعدتُها يقال لها سَلمى أنا مُنتظر لها فقلت وما يَمنعك من أخذ كِسائك قال: العَجز يُوقفني عن أخذه قلت له: فهل قلتَ في سَلْمى شيئاً قال: نعم: قلتُ له: أسمعني لله أبوك قال: لا أسمعك حتى تأخذ كِسائي وتلقيه عليّ. قال: فأخذتُه فألقيته
عليه فأنشأ يقول: لعل الله أن يأتي بسَلْمى فَيَبْطَحَها ويُلْقيني عليها ويأتي بعد ذاك سحابُ مُزْن يُطَهِّرُنا ولا نَسعى إليها أذكروا أنّ أعرابياً أتى عَيْناً من ماءٍ صافٍ في شهر رمضان فشرَب حتى رَوِيَ ثم أومأ بيده إلى السماء فقال: إنْ كُنْتَ قدَرْتَ الصِّيا مَ
فأعْفِنا من شَهْر آب أوْلا فإنّا مُفْطِرُو ن وصابرون على العَذابَ خَلا أعرابيّ بامرأة ليفسُق بها فلم يَنْتَشر له. فقالت له: قُم خائباً فقال: الخائبُ من فَتَحَ فم الجراب ولم يُكَل له دقيق. فخَجِلت ولم تَرُد جَواباً.