ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 2 من 126

العقد الفريد — الجزء الثاني

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 2 من 1261,760 كلمة في هذا الجزء

باب في آداب الحكماء والعلماء

فضيلة الأدب أوصى بعضُ الحكماء بنيه فقال: الأدب أكرم الجواهر طبيعةً وأنْفسها قيمةً يَرْفع الأحساب الوَضيعة ويُفيد الرَّغائب الجليله ويُعِز بلا عشيرة ويُكثر الأنصار بغَيْر رزيَّة فالبسوه حُلّة وتَزَينُوه حِلْية يُؤْنسكم في الوَحشة ويجمع لكم القُلوب المختلفة.

ومن كلام علّي عليه السلام: فيما يُروى عنه أنه قال: مَن حَلم ساد ومن ساد استفاد ومن استَحيا حُرم ومن هاب خاب ومَن طلب الرّآسة صَبر على السياسة ومَن أبصر عَيْب نفسه عَمِيَ عن عَيب غيره ومَن سلَّ سيف البَغْي قُتل به ومن احتقر لأخيه

بئراً وقَع فيها ومَن نَسى زَلَّته استعظم زلّة غيره ومن هَتَك حِجاب غيره اْنهتكت عورات بَيته ومن كابر في الأمور عَطِب ومن اقتحم اللُّجج غَرِق ومن أعجب برأْيه ضَلَّ ومن استغنى بعَقله زلَ ومن تَجَبَّر على الناس ذَلَّ ومن تَعمَّق في العَمَل مَلَّ ومَن صاحَب

الأنذال حُقِّر ومن جالس العلماء وُقَر ومن دَخل مَداخل السًوء اتُّهم ومَن حَسَنُ خُلقه سَهُلَت له طُرُقه ومن حَسَّنَ كلامَه كانت الْهَيْبة أمامَه ومَن خَشي الله فاز ومَن استقاد الجَهْل تَرك طَرِيق العَدْل ومَن عرف أجَله قَصًر أمله ثم أنشأ يقول: البَسْ أخاك على عُيوبه

واسْتُر وغَطِّ على ذُنوبه واصبر على بَهْتِ السَّفِيهِ وللزَّمان على خُطوبه ودَع الجوابَ تفضلاً وكِل الظلومَ إلى حَسِيبه وقال شَبِيب بن شَيبة: اطلُبوا الأدب فإنّه مادًة للعَقْل ودليل على المُروءة وصاحب في الغُربة ومُؤنس في الوَحشة وحِلْية في المَجْلِس " ويجمع لكم القلوب المختلفة ".

وقال عبدُ الملك بن مَروان لبَنِيه: عليكم بطلب الأدب فإنكم إن احتجتم إليه كان لكم مالاً وإن اسْتَغنيتم عنه كان لكمٍ جمالاً.

وقال بعضُ الحكماء: اعلم أن جاهاً بالمال إنما يَصْحبك ما صَحِبَكَ المال وجاهاً بالأدب غيرُ زائل عنك.

وقال ابن المقفَّع: إذا أكرمك الناسُ لمالٍ أو لسُلطانٍ فلا يُعْجِبك ذلك فإنّ الكرامة تزُول بزوالهما ولكن ليُعْجبك إذا أكرموك لدِين أو أدب.

وقال الأحْنَف بن قَيس: رأسُ الأدب المَنْطِق ولا خَيْر في قوْل إلاِّ بِفِعْل ولا في مال إلا بجُود ولا وقال مَصقلة الزُّبيريّ: لا يَستغني الأديب عن ثلاثة واثنن فأما الثلاثة: فالبلاغة والفصاحة وحُسن العِبارة وأما الاثنان فالعِلْم بالأثر والحِفْظ للخَبر.

وقالوا: الحَسَب مُحتاجِ إلى الأدب والمعرفة محتاجة إلى التَّجربة.

وقال بُزُرْجَمْهِر: ما ورَّث الآباءُ الابناءُ شيئاً خيراً من الأدب لأنّ بالأدب يَكْسِبون المال وبالجهل يُتْلفونه وقال الفُضَيل بن عِياضِ: رأسُ الأدب مَعْرِفة الرجل قَدْره.

وقالوا: حُسْن الخُلق خيْر قَرِين والأدب خير ميراث والتَوفيق خير قَائد.

وقال سُفيان الثَّوريّ: مَن عَرَف نفسَه لم يَضِرْه ما قال الناس فيه.

وقال أنو شِرْوان للموبذ وهو العالم " بالفارسيّة ": ما كان أفضلُ الأشياء قال: الطبيعة النقيّة تَكْتفي من الأدب بالرائحة ومن العِلْم بالإشارة وكلما يَموت البَذْر في السِّباخ كذلك تموت الحِكْمة بمَوْت الطبيعة قال له: صدقت ونحن لهذا قَلّدناك ما قلّدناك.

وقيل لارْدَشِير: الأدبُ أغلبُ أم الطَّبيعة فقال: الأدب زِيادة في العَقل ومَنْبهة للرأيٍ ومِكْسبة للصواب والطَّبيعة أملك لأن بها الاعتقاد ونَماء الغِراسة وتَمام الغِذاء.

وقيل لبعض الحُكماء: أي أعون للعقل بعد الطٌبيعة المَولودة قال: أدب مُكْتسب.

وقالوا: الأدب أدَبان: أدبُ الغَريزة وهو الأصل وأدب الرِّواية وهو الفرع ولا يتفرَّع شيء إلا عن أصله ولا يَنْمى الأصل إلا باتصال المادة.

وقال الشاعر: " ولم أرَ فَرْعًا طال إلا بأصْله ولم أرَ بَدْء العِلْم إلا تعلُّما وقال حَبيب ": وما السيفُ إلا زُبْرَةٌ لو تركتَه على الحالة الأولى لما كان يَقْطعُ وقال آخر: ما وَهب اللهّ لامرىء هِبةً أفضلَ من عَقْله ومن أَدبهْ هُما حياةُ الفَتى

فإن فًقِدَا فإنّ فَقْد الحَياة أحسنُ به وقال ابن عبّاس: كَفَاك من عِلْم الدِّين أن تَعْرف مالا يَسعك جهلُه وكفاكَ من عِلْم الأدب أن تَرْوي الشاهد والمثاللَ.

قال ابن قُتيبة: إِذا أردتَ أن تكون " عالماً فاطلب فَنّا واحداً وإذ أردتَ أن " تكون أديباً فتفنَّن في العلوم.

وقالت الحُكماء: إذا كان الرجل طاهرَ الأثواب كثيرَ الآداب حسنَ المذْهب تأدَّب بأدبه رأيتُ صلاحَ الَمرْء يِصلح أهلَه ويُفسدهم ربُّ الفَساد إذا فَسَدْ يُعظَّم في الدنيا لِفَضل صَلاحه وحْفَظ بعد الموت في الأهْل والوَلد وسُئل ديُوجانِس: أي الخِصال أحمدُ عاقبة قال: الإيمانُ بالله عزّ وجلّ

وبرّ الوالدين ومحبّة العُلماء وقبولُ الأدب.

رُوي عن رسول الله ﷺ أنه قال: مَن لا أدب له لا عقل له.

وقالوا: الأدب يَزيدُ العاقلَ فضلاً ونَباهة ويُفيده رقّة وظَرفاً.

في رقة الأدب قال أبو بكر بن أبي شَيْبة: قيل للعبّاس بن عبد المطّلب: أنت أكبرُ أم رسول الله ﷺ قال: هو أكبر منّي وأنا أسنّ منه.

وقيل لأبي وائل: أيكما أكبر أنتَ أم الرَّبيع بن خُثَيم قال: أنا أكبر منه سنًا وهو أكبر منّي عقلاً.

وقال أبان بنُ عثمان لطُويس المغنّى: أنا أكبر أم أنت قال: جُعلتُ فداك لقد شَهِدْتُ زفاف أمك المُباركة " على أبيك الطيّب.

انظر إلى حِذْقه ورقّة أدبه كيف لم يَقُل أمك الطيبة إلى أبيك المبارك ".

وقيل لعُمر بن ذَرّ: كيف برّ ابنك بك قال: ما مَشَيت نهاراً قطُّ إلا مشى خَلْفي ولا ليلاً إلا مَشى أمامي ولا رَقى عِلّية وأنا تحته.

ومن حديث عائشة قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ يُبجل أحداً تبجيلَه لعمّه العباس.

وكان عمر وعثمان إذا لَقِيا العباس نَزلا إعظاماً له إذا كانا راكبَين.

الرياشيّ عن الأصمعيّ قال: قال هارون الرشيد لعبد الملك بن صالح: هذا منزلُك وقد تقدم هذا الخبر في الخبر الذي فيه مخاطبة الملوك وكذلك قول الحجَّاج للشعبيّ: كم عَطاؤك ومن قولنا في رقة الأدب: أَدبٌ كمثْل الماء لو أفرغتَه يوما لسال كما يَسيلُ الماءُ أحمد

بن بّي طاهر قال: قلتُ لعليّ بن يحيى ما رأيتُ أكملَ أدبا منك قال: كيف لو رأيتَ إسحاق بن إبراهيم فقلتُ ذلك لإسحاق بن إبراهيم قال: كيف لو رأيتَ إبراهيم بن المهديّ فقلتُ ذلك لإبراهيم فقال: كيف لو رأيت جعفر بن يحيى وقال عبدُ العزيز

بِن عُمر بن عبد العزيز: قال لي رَجاءُ بن حَيْوة: ما رأيتُ أكرمَ أدباً ولا أكرم عِشْرَةً من أبيك سَمَرتُ عنده ليلة فبينا نحن كذلك إذ عَشى المصباحُ ونام الغلام فقلتُ: يا أمير المؤمنين قد عَشى المصباح ونام الغلام فلو أذنتَ لي أصلحتُه فقال: إنه

ليس من مروءة الرجل أن يَسْتخدم ضيفَه ثم حطّ رداءه عن مَنْكِبيه وقام إلى الدَبَّة فصبَّ من الزيت في المصباح وأشْخص الفَتيلة ثم رَجع " وأخذ رداءه وقال: قمت وأنا عمر ورجعت وأنا عمر.

العتبي عن أبيه قال: صوَت رجل عند عمر بن الخطاب في المسجد فلما كانت الصلاة قال عمر: عَزَمتُ على صاحب الصوت إلا قم فتوضّأ " فلم يَقُم أحدٌ.

فقال جريرُ بن عبد اللهّ: يا أميرَ المؤمنين اعزم علينا كلِّنا أن نَقوم فنتوضأ قال: صدقتَ ولا عَلِمتُك إلا سيّدا في الجاهليّة فقيها في الإسلام قُوموا فتوضئوا.

الرياشي عن الأصمعي قال: حدَّثني عُثمان الشحَّام قال: قلتُ للحسن: يا أبا سعيد قال: لَبَّيك قلت: أتقول لي لَبّيك قال: إني أقولها لخادمي.

وقال الشاعر: يا حبذا حين تُمسى الريحُ باردةً وادي أًشيٍَ وفِتْيانٌ به هُضمُ مُخدَمون كِرامٌ في مجالسهم وفي الرّحال إذا جَربتَهم خَدم وما أصاحب من قوم فأذْكُرهم إلا يَزيدُهم حُبّا إليَ هُم وقالت الحُكماء: رأسُ الأدب كلِّه حُسنُ الفَهم والتفهّم والإِصغاء للمتكلّم.

وذكر الشّعبي قوماً فقال: ما رأيتُ مثلَهم أسدَّ تَنَاوباَ في مَجلس ولا أحسن فهما من مُحدِّث.

وقال الشعبي فيما يَصِف به عبدَ الملك بن مروان: والله ما علمتُه إلا آخذاً بثلاث تاركاً لثلاث آخذاً بحُسن الحدِيث إذا حدث وبُحسن الاستماع إذا حُدِّث وبأيسر المؤونة إذا خُولف تاركاً لمجاوبة اللئيم ومماراة السَّفيه ومُنازعة اللجُوج.

وقال بعض الحُكماء لابنه: يا بُني تعلِّم حُسن الاستماع كما تتعلّم حُسن الحديث وليعلم الناسُ أنك أحرصُ على أن تَسمع منك على أن تقول فاحذرْ أن تُسرع في القَوْل فيما تُحِبّ عنه الرجوع بالفِعْل حتى يعلم الناسُ أنك على فِعْل ما لم تَقُل منك إلى

قَوْل ما لم تَفْعل.

وقالوا: من حُسن الأدب أن لا تُغالب أحداً على كلامه وإذا سُئِل غيرُك فلا تُجب عنه وإذا حَدًث بحديث فلا تُنازعه إياه ولا تَقْتحم عليه فيه ولا تُره أنك تعَلمه وإذا كلّمت صاحبك فأخذتْه حُجّتك فحسِّن مخرج ذلك عليه ولا تُظهر الظَّفر به وتَعلَم حُسنَ

الاستماع كما تعلم حُسنَ الكلام.

وقال الحسنُ البَصريّ: حَدِّثوا الناسَ ما أقبلوا عليكم بوجُوههم.