عِظامُك والأسىَ يتجَدَد والصبْر يَنْفَد والبُكا لا يَنْفَدُ يا غائباً لا يُرْتَجَىِ لِإيَابه ولقائه دونَ القِيامة مَوْعد ومن قولي فيه أيضاً: واكَبِدَا قد قُطعت كَبِدي وحَرَّقتها لواعجُ الكَمدِ ما مات حَيٌ لميِّتٍ أسَفآَ أعذر من والدِ على وَلد يا رَحْمةَ الله جاوِرِي جَدَثاً دفَنْتُ فيه
حُشَاشتي بِيَدي ونَوِّري ظًلْمة القُبور على مَن لم يَصِلْ ظُلْمُه إلى أحد من كان خِلْواً من كل بائقِةِ وطَيِّبَ الرُّوح طاهرَ الجَسَد يا موت يَحيى لقد ذهبتَ له ليس بُزمَّيْلَةٍ ولا نَكِد يا مَوْتَه لو أقلتَ عَثْرته يا يومَه لو تركتَه لِغَدِ يا موتُ لو
لم تَكُن تعاجله لكان لا شكّ بَيْضَة البَلد أو كنتَ راخيتَ في العِنان حاز العُلا واحتَوَى على الأمد أي حسام سلبت رَوْنَقه وأيَّ رُوح سًللت من جَسد وأيَ ساقٍ قطعت من قَدَم وأيَ كَفٍّ أزلْت من عَضدُ لو لم أَمُتْ عند مَوْته كمَداً لَحُقّ لي
أن أموت من كَمَدي يا لَوْعةً ما يزال لاعِجُها يَقْدح نارَ الأسى على كَبِدي وقلت فيه أيضاً: قَصَد المَنُون له فمات فَقِيدَا ومَضى على صَرْف الخطُوب حَمِيدا بأبي وأمِّي هالِكاً أفْرِدتُه قد كان في كلِّ العُلوم فَرِيدا سُود المقَابر أصبحتْ بِيضاً به وغَدت له بيضُ
الضمائر سُودا لم نُرْزَه لما رزِينا وَحْدَه وإن استقلّ به المنون وَحِيدا لكنْ رُزِينا القاسمَ بنَ محمّد في فَضْله والأسْودَ بنَ يَزيدا وابن المُبارك في الرقائق مُخْبِراً وابن المُسيِّب في الحديث سَعِيدا والأخفَشيَنْ فَصاحةً وبلاغةً والأعْشَيَيْن رِوايةً ونشيدا كان الوَصيَّ إذا أردتُ وصيّةً والمُستفادَ إذا
طلبتُ مفِيدا وَلَّى حَفيظاً في الأذمّة حافظا ومَضى ودودا في الوَرَى مَوْدُودا تأبَى القُلوب المسْتَكِينة للأسى مِن أن تَكون حجارةً وحَدَيدا إن الذي باد السُّرورُ بِموْته ما كان حُزني بعده لِيَبِيدا الآنَ لما أن حَوَيتَ مآثرِاً أعْيَت عَدُوّا في الوَرَى وحَسُودا ورأيتُ فيك من الصلاح
شمائلاً ومن السَّماح دلائلاً وشُهودا أبْكِي عليك إذا الحمامة طَرَّبت وَجْهَ الصَّباح وَغَرِّدت تَغْريدا لولا الحَياء وأنْ أزَنّ بِبِدْعة مما يُعدِّده الوَرى تعْدِيدا لجعلتُ يومَك في المَنائح مَأتما وجعلتُ يومَك في الموالد عِيدا وقلت فيه أيضاً: لا بَيْتَ يُسْكن إلا فارَق السكَنَا ولا امتلا فَرَحاً
إلا امتلا حَزَنَا لَهْفِي على مَيِّت مات السُّرور به لو كَان حَيًّا لأحْيَا الدينَ والسُّنَنا واهاً عليك أبا بَكْرٍ مُرَدَّدةً لو سَكَّنتْ ولَهاً أو فَتَرت شَجَنا إذَا ذكرتُك يوماً قُلت واحَزَنا وما يَرُد عليّ القَوْلُ: واحَزَنا لو كنتُ أعطَي به الدنيا مُعاوَضةً منه لما كانت
الدُنيا له ثَمنا وقال أبو ذُؤيب الهُذلي وكان له أولادٌ سبعة فماتوا كلّهم إلا طفلا فقال يرثيهم: أمِنَ المَنون وَرَيْبه نَتَوجع والدَهر ليس بمًعْتِب من يَجْزَعُ قالت أمَيمة ما لجسْمك شاحباً منذ ابتُذِلْت ومثلُ مالك يَنْفع أم ما لجسمك لا يُلائِم مَضْجَعاً إلا أقَضَّ عليك
ذاك المَضْجع فأجبتُها أن ما لجسْمي أنّه أوْدىَ بنَي من البِلاَد فودَعوا أودى بَنيّ وأعقَبُوني حَسْرةً بعد الرُّقاد وعَبْرةً ما تُقلِع سَبَقُوا هًوىّ وأعْنَقُوا لهواهمُ فَتُخرِّموا ولكلِّ جَنْبٍ مَصرَع فَبقِيت بعدهُم بعَيْشٍ ناصِبٍ وإخَال أنِّي لاحقٌ مسْتتبِع ولقد حَرَصْت بأن أدافع عنهم وإذا المَنيّة أقبلتْ
لا تُدْفَع وإذا المنيَّة أنْشَبت أظفارَها ألفيتَ كلَّ تَمِيمة لا تَنْفع فالعين بَعدهُم كأنّ حِدَاقها سُمِلت بشَوْك فهي عُورٌ تَدْمَع والنفسُ راغبةٌ إذا رَغَّبْتَها وإذا تُردُّ إلى قليلٍ تَقنَعُ وقال الأصمعي: هذا أبْدَع بَيْت قالته العرب. وقال أعرابيٌّ يَرْثى بَنِيه: أسُكّان بَطْن الأرْض لو يُقْبَلُ
الفِدَا فَدَينا وأعْطينا بكم ساكِني الظَّهْرِ فيا ليتَ مَن فيها عليها وليتَ مَن عليها ثَوَى فيها مُقِيماً إلى الحَشْر وقاسَمني دهرِي بَنيّ بِشَطْره فلما تَقَصىَّ شَطْرُه مالَ في شَطْري فصارُوا دُيوناً للمَنايا ولم يَكُن عليهم لها دَيْن قَضَوْه على عُسْر كأنهمُ لم يَعْرف الموتُ غيرَهم
فثُكْلٌ على ثُكلِ وقبر إلى قَبْر وقد كنتُ حَيَّ الخَوْفِ قبل وَفاتهم فلما تُوفّوا مات خوْفي من الدَّهر فلله ما أعْطى وللّه ما حَوَى وليس لأيّام الرزَّية كالصَّبر وقيل لأعرابية مات ابنها: ما أحسنَ عزاءَك قالت: إن فَقْدي إياه امنَني كل فَقْدٍ سواه وإن مُصيبتي
به هونت عليّ المصائب بعده. ثم أنشأت تقول: مَن شاء بعدك فَلْيَمُتْ فَعَليك كنت أحاذِرُ إنِّي وَغَيري لا محا لةَ حيثُ صِرْتَ لصائر أخذ الحسنُ بن هانئ معنى هذا البيت الأول فقال في الأمين: طَوَى الموت ما بَيْني وبين محمد وليس لمَا تَطْوِي المِنيّة ناشر
وكنتُ عليه أحذر الموتَ وحدَه فلم يَبْق لي شيءٌ عليه أحاذير لئن عَمَرت دُورٌ بمن لا أحبّه لقد عَمَرت ممّن أحبّ المقابر وقال عبدُ الله بن الأهتم يَرْثي ابنا له: دَعوتُك يا بُنيِّ فلم تجِبْني فَرُدّت دَعْوِتي يأساً عليِّ بموتك ماتت اللّذات منّي وكانت حَيَّةَ
ما دُمتَ حياً فيا أسفَا عليك وطُولَ شَوْقي إليك لو ان ذلك رَدّ شَيّا وأصيب أبو العتاهية بابن له فلما دَفنه وقَف على قبره وقال: كَفي حَزَناً بَدَفْنك ثم أنِّي نَفَضْتُ تُراب قَبْرك مِن يَدَيّا وكانت في حياتك لي عِظاتٌ فأنت اليومَ أوْعظُ منك حَيّا
ومات ابن لأعرابيّ فاشتد حُزْنه عليه وكان الأعرابيّ يُكْنى به فقيل له: لو صَبرتَ لكان أعظمَ كيف السُّلوّ وكيف أنسى ذِكْره وإذا دُعِيت فإنما أدْعَي به خرج عمرُ بن الخطّاب رضي اللهّ عنه يوماً إلى بقيع الغَرْقد فإذا أعرابي بين يديه فقال: يا أعرابيّ ما
أدخلك دارَ الحق قال: وَدِيعة لي ها هنا منذُ ثلاث سنين قال: وما وَديعتك قال: ابنٌ لي حين تَرَعْرع فقدتُه فأنا أنْدُبه قال عمر: أسْمِعني ما قلتَ فيه فقال: يا غائباً ما يؤوب من سَفَره عاجَله موتُه على صِغَره يا قُرّة العَين كُنْتَ لي سَكَناً
في طُول لَيْلى نَعم وفي قِصرَه شَرِبْتَ كأساً أبوكَ شاربُها لا بدُ يوماً له على كِبرَه أشربُها والأنامِ كلهم مَن كان في بَدْوِه وفي حَضَره فالحَمْد لله لا شريك له الموتُ في حُكمه وفي قَدَره قد قَسَّم الموتَ في الأنام فما يَقْدِر خَلْقٌ يَزِيد في
عُمرُه قال عمر: صدقتَ يا أعرابي غَير أن الله خيرٌ لك منه. الشَيباني قال: لما مات جَعفر بن أبي جعفر اْلمَنصور اشتدّ عليه حزنه فلما فَرغ من دَفْنه التفت إلى الرَّبيع فقال: يا ربيع كيف قال مُطيع بن إياس في يحيى بن زياد فأنشد: يا
هل دواء لِقَلْبيَ القَرِح وللدُّموع الذوارِفِ السُّفُح يا خير من يَحسُن البُكاءُ به الْيومَ ومَن كان أمس للمِدَح قد ظَفِر الحُزنُ بالسُّرِور وقد أديل مَكْروهُه مِنَ الفَرح وقالت أعرابيةً تَنْدُب ابناً لها: ابنيّ غَيّبك المَحلّ المُلْحَدُ إمّا بَعُدت فأين من لا يَبْعُدُ أنت الذي في
كل مُمْسىَ لَيْلةٍ تَبْلى وحُزْنك في الحَشىَ يتجدَّد وقالت فيه: لئن كنتَ لهواً للعُيون وقُوَّةً لقد صِرْت سُقْماً للقُلوب الصَّحائح وهَوَّن حُزْني أنّ يومَك مُدْرِكي وأني غداً من أهل تلك الضَّرائح وقال أبو الخطّار يَرْثي ابنه الخَطّار: ألا خَبِّراني بارك الله فِيكماِ مَتى العَهْدُ بالخَطّار