أحمد فلئن عزّت حَياتُك فلقد هَدَّت وفاتُك ولَنِعْم الرُّوح روح ضَمّه بدَنك ولَنِعْمَ البدن بَدَنُ ضَمَّه كَفَنُك وكيف لا يكون كذلك وأنت بقيّة ولد الأنبياء وسليل الهُدى وخامِس أصحاب الكِساء غَذَتْك أكُفّ الحقّ ورُبيت في حِجْر الإسلام فطِبْت حيّا وطِبْت مَيِّتاً وإن كانت أنفسنا غيرَ
طيِّبة بفراقك ولا شاكة في الخِيار لك. ووقَفت عائشة على قبر أبي بَكْر فقالت: نَضَّر الله وَجْهَك وشكرَ لك صالح سَعْيك فقد كًنت للدنيا مُذِّلاً بإدبارك عنها وكنت للآخرة مُعِزاً بإقبالك عليها ولئن كان أجلَّ الحوادث بعد رسول الله ﷺ رُزْؤُك وأعظم المصائِب بعده فقْدُك
إنَّ كتاب الله لَيعِد بحُسْن الصبر فيك وحُسن العِوَض منك فأنا أنتجز موعد الله بحسن العزاء عليك وأستعيضه منك بالاستغفار لك فعليك السلامُ ورحمة اللهّ توديع غير قاليةٍ لك ولا زارية على القضاء فيك ثم انصرفت. لما قُبض أبو بكر " رضي الله عنه "
سُجِّي بثَوب فارتَجَّت المدينة بالبُكاء عليه ودهش القوم كيوم قُبِض رسول الله ﷺ وجاء عليٌّ ابن أبي طالب باكياً مُسرعاً مسترجعاً حتى وَقف بالباب وهو يقول: رَحمك الله أبا بكر كنت واللهّ أولَ القوم إسلاماً وأخلصهم إيماناً وأشدهم يقيناً وأعظمهم عناء وأحفظهم على رسول الله
ﷺ وأحربَهم كل الإسلام وأحناهم على أهله وأشبههم برسول الله ﷺ خُلُقاً وَفَضْلاً وَهَدْياً وصمتاً فجزاك الله عن الإسلام وعن رسول اللهّ وعن المُسلمين خيراً صدّقت رسول الله " ﷺ " حين كَذًبه الناس وواسيتَه حين بَخِلوا وقمت معه حين قعدوا سمّاك اللهّ في كتابه
صِدِّيقاً فقال: " والَّذي جَاءَ بالصَدق وصَدق به " يريد محمداً ويُريدك. كنت واللهّ للإسلام حِصْناً وعلى الكافرين عَذاباً لم تُفْلَل حُجَّتك ولم تَضْعُف بصيرتُك ولم تَجْبُن نفسك. كنت كالجبلِ لا تُحَرِّكه العواصف ولا تُزيله القَواصف كنت كما قال رسول الله " ﷺ ": ضعيفاَ
في بدنك قويًّا في أمر الله متواضعاً في نَفْسك عَظيماً عند اللهّ قليلاً في الأرض كثيراً عند المؤمنين لم يَكن لأحد عِنْدك مَطْمَع ولا لأحدٍ عندك هَوَادة فالقويُّ عندك ضعيف حتى تأخذَ الحقّ منه والضعيفُ عندك قويُّ حتى تأخذ الحقّ له فلا حَرَمنا الله أجرَك
ولا أضَلنا بعدك. وَقف عبد الملك بن مَرْوان على قبر معاوية فقال: تالله إن كنت إلا كما علمت يُنْطقك العِلم وما الدَّهر والأيام إلاّ كما ترى رَزِيّة مالٍ أو فِراقُ حَبِيب الهيْثم بن عدى قال: لما هَلَك زياد استعمل مُعاوية الضحّاك على الكُوفة فلما دخلها
سأل عن قبر زياد فدُلَ عليه فأتاه حتى وَقف به ثم قال: أبا المُغِيرة والدنيا مُفجِّعة وإنّ من غرَّت الدُّنيا لَمَغْرُورُ قد كان عِنْدك لَلْمَعْروف مَعْرفةٌ وكان عِنْدك للنَّكْرَاء تَنْكير لو خَلَّدَ الخِيرُ والإسلامُ ذا قَدَم إذًا لَخَلِّدَك الإسلامُ والخير والأبيات لحارثة بنَ بَدْر يَرْثى
زياداً. المدائنيّ قال: لما دَفن عليُّ بن أبي طالب كرَّم اللهّ وجهه فاطمة عليهما السلام تَمثّل عند قبرها فقال: لكًلّ اجْتماع من خَلِيلَين فًرْقَةٌ وكل الذي دون الممات قَلِيلُ وإنّ آفتقادى واحداً بعد واحدٍ دليل على أن لا يَدُومَ خَليل لما مات الحسنُ بن عليّ
عليهما السلامُ ضرَبت آمرأته فُسْطاطا على قبره وأقامت حَوْلاً ثم انصرفتْ إلى بَيتِّها فسمعَتْ قائلاً يقَول: أدرَكوا ما طَلبوا. فأجابه مُجيب: بل مَلُّوا فانصرفوا. ابن الكَلْبي قال: وقفت نائلة بنتُ الفُرافِصَة الكَلْبية عَلى قبر عثمان فتَرحمت عليه ثم قالت: ثم انصرفتْ إلى منزلها فقالت: إني
رأيتُ الحُزْنَ يَبْلى كما يَبْلى الثوبُ وقد خِفْت أن يَبْلى حُزْنُ عثمان في قلبي. فَدَعَتْ بفِهْر فهشَمت فاها وقالت: والله لا قَعد منّي رجل مَقعد عثمان أبدا. لما هلك الإسْكندر قامت الخُطباء على رأسه فكان من قولهم: الإسكندر كان أمس أنطقَ منه اليوم وهو اليوم
أوعظُ منه أمس. أخذ هذا المعنى أبو العتاهية فقال عند دَفْنه ولداً له: كَفي حَزَناً بِدَفْنِك ثم أني نفضتُ تُرَاب قَبْرك من يَديا وكنتَ وفي حًياتك لي عِظاتٌ فأنتَ اليومَ أوعظُ منك حيّا وَقف أبو ذرّ الهَمْداني على قبر ابنه ذرّ فقال: يا ذَرّ شغلني
الحزن لك عن الحزْن عليك فليت شِعْري ما قُلتَ وما قيل لك. ثم قال: اللهم إنّي قد وهبتُ لك إساءته إلي فَهَبْ له إساءته إليك. فلما انصرف عنه التفتَ إلى قبره فقال: يا ذرّ قد انصرفنا وتَرَكْناك ولو أقمنا ما نَفعناك. وقف محمد بن سُليمان
على قبر ابنه فقال: اللهم إني أرجوك له وأخافك عليه فحقق رجائي وآمِنْ خوفي. وَقفت أعرابيّة على قبر أبيها فقالت: يا أبتِ إنَّ في اللهّ تبارك وتعالى من فَقْدِك عِوَضاً وفي رسول الله ﷺ من مُصيبتك أسْوة ثم قالت: اللهمٍ نَزل بك عبدُك مُقْفِراً من
الزاد مخشَوْشِن المِهاد غَنِيًّا عما في أيدي العباد فقيراً إلى ما في يَدَيك يا جواد وأنت أي ربّ خيرُ من نزل به المؤًمِّلون واْسْتَغْنى بفَضْلِهِ المقِلًّون وولَجَ في سَعة رَحْمَته المُذْنبون. اللهم فَليكن قِرَى عبدك منك رحمتَك ومِهادُه جنّتك ثم انصرفت. قال عبد الرحمن بن
عمر: دخلْتُ على امرأة من نجد بأعلى على الأرض في خِباءٍ لها وبين يَدَيْها بُنَيّ لها قد نزلَ به الموتُ فقامتْ إليه فأَغْمضَته وعَصَبته وَسَجَّته وقالت: يابن أخي قلتُ: ما تشائين قالت: ما أَحَقَّ من ألبس النِّعمة وأطِيلَت به النَظِرة أن لا يدع التوثّق من
نَفْسه قبل حِل عُقْدته والحُلول بعَقْوَته والمحالة بينه وبين نَفْسه. قال: وما يَقطر من عينها دمعة صبراً وآحتسابأ. ثم نظرت إليه فقالت: واللهّ ما كان " مالُه " لبَطنه ولا أمره لعِرْسه ثم أنشدت: رَحِيبُ ذِرَاعُ بالتي لا تشينه وإن كانت الفَحْشاء ضاق بها ذَرْعا
وَقفَ عمرُ بن عبد العزيزِ على قبر ابنه عبد الملك فقال: رَحمك الله يا بُنيّ فلقد كنت سارًّا مولوداً بارًّا ناشئاَ وما أَحْسِب أنّي لو دعوتُك أَجبْتني. تُوفي رجل كان مُسْرِفاً على نفسه بالذُّنوب فتحامَى الناسُ جِنَازَته فبلغ عمرَ بن ذرّ خبره فأوصى إلى أهله
أن خذوا في جهازه فإذا فرغتم فآذنوني ففعلوا وشهده عمر بن ذر وشهده الناسُ معه فلما فَرَغ من دفنِه وقفَ عمر بن ذر على قبره فقال: يَرْحمك الله أبا فلان فلقد صَحِبت عُمرَك بالتَّوحيد وعَفَرْت لله سمع الحسنُ جارية واقفة على قبر أبيِها وهي تقول:
يا أبتِ مثلَ يومك لم أَرَه. قال الذي والله لم يرَ مثلَ يومه أبوك. وسمع عمر بن عبد العزيز خَصِيًّا للوليد بن عبد الملك واقفاً على قبر الوليد وهو يقول: يا مولاي ماذا لَقِينا بعدك فقال له عمر: أما والله لو أُذِن له في الكلام
لأخبر أنه لَقي بعدكم أكثرَ مما لَقيتم بعده. وقف مُعاوية على قَبْر أخيه عُتْبة فدعا له وِتَرَحّم عليه ثمِ التفت إلى مَن معه فقال: لو أن الدُنيا بُنِيت على نِسْيان الأحِبة ما نسِيت عُتبة أبداَ.
العقد الفريد - الجزء الثاني
لابن عبد ربه
العقد الفريد/الجزء الثاني/1
|
العقد الفريد/الجزء الثاني/2
|
العقد الفريد/الجزء الثاني/3
|
العقد الفريد/الجزء الثاني/4
|
العقد الفريد/الجزء الثاني/5
|
العقد الفريد/الجزء الثاني/6
|
العقد الفريد/الجزء الثاني/7
|
العقد الفريد/الجزء الثاني/8
|
العقد الفريد/الجزء الثاني/9
|
العقد الفريد/الجزء الثاني/10
|
العقد الفريد/الجزء الثاني/11
|
العقد الفريد/الجزء الثاني/12
|
العقد الفريد/الجزء الثاني/13
|
العقد الفريد/الجزء الثاني/14
|
العقد الفريد/الجزء الثاني/15
|
العقد الفريد/الجزء الثاني/16
|
العقد الفريد/الجزء الثاني/17
|
العقد الفريد/الجزء الثاني/18
|
العقد الفريد/الجزء الثاني/19
|
العقد الفريد/الجزء الثاني/20
|
العقد الفريد/الجزء الثاني/21
|
العقد الفريد/الجزء الثاني/22
|
العقد الفريد/الجزء الثاني/23
|
العقد الفريد/الجزء الثاني/24
|
العقد الفريد/الجزء الثاني/25
|
العقد الفريد/الجزء الثاني/26
|
العقد الفريد/الجزء الثاني/27
|
العقد الفريد/الجزء الثاني/28
|
العقد الفريد/الجزء الثاني/29
|
العقد الفريد/الجزء الثاني/30
|
العقد الفريد/الجزء الثاني/31
NewPP limit report Parsed by mw‐web.codfw.main‐7d598785b5‐9xcfn Cached time: 20260922213314 Cache expiry: 2592000 Reduced expiry: false Complications: [] CPU time usage: 0.017 seconds Real time usage: 0.034 seconds Preprocessor visited node count: 23/1000000 Revision size: 22631/2097152 bytes Post‐expand include size: 3928/2097152 bytes Template argument size: 0/2097152
bytes Highest expansion depth: 2/100 Expensive parser function count: 0/500 Unstrip recursion depth: 0/20 Unstrip post‐expand size: 0/5000000 bytes Number of Wikibase entities loaded: 0/500
Transclusion expansion time report (%,ms,calls,template) 100.00% 15.436 1 -total 53.06% 8.191 18 قالب:صل 41.54% 6.412 1 قالب:العقد_الفريد/الجزء_الثاني
Render ID 37728d85-b6cd-11f1-ac72-11ab104f1e38
Saved in parser cache with key arwikisource:pcache:17835:|#|:idhash:canonical and timestamp 20260922213314 and revision id 278094. Rendering was triggered because: page_view