مذاهب المنانية:
قال محمد بن إسحاق ماني بن قتق بابك بن أبي برزام من الحسكانية واسم أمه ميس ويقال أوتاخيم ويقال مرمريم من ولد الاشغانية وقيل ان مانى كان أسقف قنى والعربان من أهل حوحى وما يلي بادرايا وباكسايا وكان أحنف الرجل وقيل إن أصل أبيه من
همدان انتقل إلى بابل وكان ينزل المداين في الموضع الذي يسمى طيسفون وبها بيت الأصنام وكان فتق يحضر كما يحضر سائر الناس فلما كان في يوم من الأيام هتف به من هيكل بيت الأصنام هاتف يا فتق لا تأكل لحما ولا تشرب خمرا. ولا تنكح
بشرا تكرر ذلك عليه دفعات في ثلاثة أيام فلما رأى فتق ذلك لحق بقوم كانوا بنواحي دستميسان يعرفون بالمغتسلة وبتيك النواحي والبطائح بقاياهم إلى وقتنا هذا وكانوا على المذهب الذي أمر فتق بالدخول فيه وكانت امرأته حاملا بمانى فلما ولدته زعموا كانت ترى له المنامات
الحسنة وكانت ترى في اليقظة كأن آخذا يأخذه فيصعد به إلى الجو ثم يرده وربما أقام اليوم واليومين ثم يرد ثم إن أباه أنفذ فحمله إلى الموضع الذي كان فيه فربي معه وعلى ملته وكان يتكلم مانى على صغر سنه بكلام الحكمة فلما تم له
اثنتا عشرة سنة أتاه الوحي على قوله من ملك جنان النور وهو الله تعإلى عما يقوله وكان الملك الذي جاءه بالوحي يسمى التوم وهو بالنبطية ومعناه القرين فقال له اعتزل هذه الملة فلست من أهلها وعليك بالنزاهة وترك الشهوات ولم يأن لك ان تظهر لحداثة
سنك فلما تم له أربع وعشرون سنة أتاه التوم فقال قد حان لك أن تخرج فتنادي بأمرك.
الكلام الذي قاله له التوم:
عليك السلام مانى مني ومن الرب الذي أرسلني إليك واختارك لرسالته وقد أمرك أن تدعو بحقك وتبشر ببشرى الحق من قبله وتحتمل في ذلك كل جهجهدك قالت المانوية فخرج يوم ملك سابور بن اردشير ووضع التاج على رأسه وهو يوم الأحد أول يوم من نيسان
والشمس في الحمل ومعه رجلان قد تبعاه على مذهبه أحدهما يقال له شمعون والآخر زكوا ومعه أبوه ينظر ما يكون من أمره.
قال محمد بن إسحاق ظهر مانى في السنة الثانية من ملك الغالوس الرومي وظهر مرقيون قبله بنحو مائة سنة في ملك ططوس انطونيانوس في النسة الأولى من ملكه وظهر بن ديصان بعد مرقيون بنحو ثلاثين سنة وانما سمي بن ديصان لأنه ولد على نهر يقال
له ديصان وزعم مانى انه الفارقليط المبشر به عيسى عليه السلام واستخرج مانى مذهبه منلمجوسية والنصرانية وكذلك القلم الذي يكتب به كتب الديانات مستخرج من السرياني والفارسي وجول مانى البلاد قبل ان يلقى سابور نحو أربعين سنة ثم انه دعا فيروز أخا سابور بن اردشير
فأوصله فيروز إلى أخيه سابور قالت المنانية فدخل اليه وعلى كتفيه مثل السراجين من نور فلما رآه أعظمه وكبر في عينه وكان قد عزم على الفتك به وقتله فلما لقيه داخلته له هيبة وسر به وسأله عما جاء فيه فوعده أنه يعود اليه وسأله مانى
عدة حوائج منها أن يعز أصحابه في البلد وسائر بلاد مملكته وأن ينفذوا حيث شاءوا من البلاد فأجابه سابور إلى جميع ما سأل وكان مانى دعا الهند والصين وأهل خراسان وخلف في كل ناحية صاحبا له.
ذكر ما جاء به مانى وقوله في صفة القديم تبارك وتعإلى وبناء العالم والحروب التي كانت بين النور والظلمة:
قال مانى: مبدأ العالم كونين أحدهما نور والآخر ظلمة كل واحد منهما منفصل من الآخر فالنور هو العظيم الأول ليس بالعدد وهو الإله ملك جنان النور وله خمسة أعضاء الحلم والعلم والعقل والغيب والفطنة وخمسة أخر روحانية وهي الحب والايمان والوفاء والمروة والحكمة وزعم أنه
بصفاته هذه أزلي ومعه شيئان اثنان أزليان أحدهما الجو والآخر الأرض قال مانى وأعضاء الجو خمسة الحلم والعلم والعقل والغيب والفطنة وأعضاء الأرض النسيم والريح والنور والماء والنار والكون الآخر وهو الظلمة وأعضاؤها خمسة الضباب والحريق والسموم والسم والظلمة قال مانى وذلك الكون النير مجاور
للكون المظلم لا حاجز بينهما والنور يلقي الظلمة بصفحته ولا نهاية للنور من علوه ولا يمنته ولا يسرته ولا نهاية للظلمة في السفل ولا في اليمنة واليسرة قال مانى ومن تلك الأرض المظلمة كان الشيطان لا أن يكون أزليا بعينه ولكن جواهره كانت في عناصره
أزلية فاجتمعت تلك الجواهر من عناصره فتكونت شيطانا رأسه كرأس أسد وبدنه كبدن تنين وجناحه كجناح طاير وذنبه كذنب حوت وأرجله أربع كارجل الدواب فلما تكون هذا الشيطان من الظلمة وتسمى إبليس القديم ازدرد واسترط وأفسد ومر يمنة ويسرة ونزل إلى السفل في كل ذلك
يفسد ويهلك من غالبه ثم رام العلو فرأى لمحات النور فأنكرها ثم رآها متعالية فارتعد وتداخل بعضه في بعض ولحق بعناصره ثم انه رام العلو فعلمت الأرض النيرة بأمر الشيطان وما هم به من القتال والفساد فلما علمت به علم به عالم الفطنة ثم عالم
العلم ثم عالم الغيب ثم عالم العقل ثم عالم الحلم قال ثم علم به ملك جنان النور فاحتال لقهره قال وكان جنوده أولئك يقدرون على قهره ولكنه أراد أن يتولى ذلك بنفسه فاولد بروح يمنته وبخمسة عالميه وبعناصره الاثني عشر مولودا وهو الإنسان القديم وندبه
لقتال الظلمة قال فتدرع الإنسان القديم بالأجناس الخمسة وهي الآلهة الخمسة النسيم والريح والنور والماء والنار واتخذهم سلاحا فأول ما لبس النسيم وارتدى على النسيم العظيم بالنور المسبغ وتعطف على النور بالماء ذي الهباء واكتن بالريح الهابة ثم أخذ النار بيده كالمجن والسنان وانحط بسرعة
من الجنان إلى أن انتهى إلى الحد مما بلى الحربي وعمد إبليس القديم إلى أجناسه الخمسة وهي الدخان والحريق والظلمة والسموم والضباب فتدرعها وجعلها جنة له ولقي الإنسان القديم فاقتتلوا مدة طويلة واستظهر إبليس القديم على الإنسان القديم واسترط من نوره وأحاط به مع أجناسه
وعناصره وأتبعه ملك جنان النور بآلهة أخر واستنقذه واستظهر على الظلمة ويقال لهذا الذي أتبع به الإنسان حبيب الأنوار فنزل وخلص الإنسان القديم من الجهنمات مع ما أخذ وأسر من أرواح الظلمة قال ثم ان البهجة وروح الحياة ظعنا إلى الحد فنظرا إلى غور تلك
الجهنم السفلى وأبصرا الأسنان القديم والملائكة وقد أحاط بهم إبليس والزجريون العتاة والحياة المظلمة قال فدعا روح الحياة الانسبان القديم بصوت عال كالبرق في سرعة فكان إلها آخر قال مانى فلما شابك إبليس القديم بالإنسان القديم بالمحاربة اختلط من أجزاء النور الخمسة بأجزاء الظلمة الخمسة
فخالط الدخان النسيم فمها هذا النسيم ممزوج فما فيه من اللذة والترويح عن الأنفس وحياة الحيوان فمن النسيم وما فيه من الهلاك والاذاء فمن الدخان وخالط الحريق النار فمنها هذه النار فما فيها من الاحراق والهلاك والفساد فمن الحريق وما فيها من الاضاءة والانارة فمن
النار وخالط النور الظلمة فمنها هذه الأجسام الكثيفة مثل الذهب والفضة وأشابه ذلك فما فيها من الصفاء والحسن والنظافة والمنفعة فمن النور وما فيها من الدرن والكدر والغلظ والقساوة فمن الظلمة وخالط السموم الريح فمنها هذه الريح فما فيها من المنفعة واللذة فمن الريح وما
فهيا من الكرب والتعوير والضرر فمن السموم وخالط الضباب الماء فمنها هذا الماء فما فيه من الصفاء والعذوبة والملائمة للأنفس فمن الماء وما فيه من التغريق والتخنيق والاهلاك والثقل والفساد فمن الضباب قال ماني فلما اختلط الأجناس الخمسة الظلمية بالأجناس الخمسة النورية نزل الإنسان القديم
إلى غور العمق فقطع أصول الأجناس الظلمية لئلا تزيد ثم انصرف صاعدا إلى موضعه في الناحية الحربية قال ثم أمر بعض الملائكة باجتذاب ذلك المزاج إلى جانب من أرض الظلمة يلي أرض النور فعلقوهم بالعلو ثم أقام ملكا آخر فدفع اليه تلك الاجزاء الممتزجة قال
مانى وأمر ملك عالم النور بعض ملائكته بخلق هذا العالم وبنائه من تلك الاجزاء الممتزجة لتخلص تلك الاجزاء النورية من الاجزاء الظلمية فبنى عشر سماوات وثماني أرضين ووكل ملكا يحمل السماوات وآخر يرفع الأرضين وجعل لكل سماء أبوابا اثني عشر بدهاليزها عظاما واسعة كل واحد
من الأبواب بإزاء صاحبه. وقبالته على كل واحد من الدهاليز مصراعين وجعل في تلك الدهاليز في كل باب من أبوابها ست عتبات وفي كل واحدة من العتبات ثلاثين سكة وفي كل سكة اثني عشر صفا وجعل العتبات والسكك والصوف من أعاليها في علو السماوات قال
ووصل الجو بأسفل الأرضين على السماوات وجعل حول هذا العالم خندقا ليطرح فيه الظلام الذي يستصفى من النور وجعل خلف ذلك الخندق سورا لكي لا يذهب شيء من تلك الظلمة المفردة عن النور.
قال مانى: ثم خلق الشمس والقمر لاستصفاء ما في العالم من النور فالشمس يستصفي النور الذي اختلط بشياطين الحر والقمر يستصفي النور الذي اختلط بشياطين البرد في عمود السبح يتصاعد ذلك مع ما يرتفع من التسابيح والتقاديس والكلام الطيب وأعمال البر قال فيدفع ذلك إلى
الشمس ثم إن الشمس تدفع ذلك إلى نور فوقها في عالم التسبيح فيسير في ذلك العالم إلى النور الأعلى الخالص فلا يزال ذلك من فعلها حتى يبقى من النور شيء منعقد لا تقدر الشمس والقمر على استصفائه فعند ذلك يرتفع الملك الذي كان لحمل الأرضين
ويدع الملك الآخر اجتذاب السماوات فيختلط الأعلى على الاسفل وتفور نار فتضطرم في تلك الأشياء فلا تزال مضطرمة حتى يتحلل ما فيها من النور قال مانى ويكون ذلك الاضطرام مقدار ألف سنة وأربعمائة وثمان وستين سنة قال فإذا انقضى هذا التدبير ورأت الهمامة روح الظلمة
خلاص النور وارتفاع الملائكة والجنود والحفظة استكانت ورأت القتال فيزجرها الجنود من حولها فترجع إلى قبر قد أعد لها ثم يسد ذلك القبر بصخرة تكون مقدار الدنيا فيردمها فيه فيستريح النور حينئذ من الظلمة واذاها وزعمت الماسية من المانوية ان النور يبقى منه شيء في
الظلمة.