ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 53 من 126

العقد الفريد — الجزء الثاني

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 53 من 1261,761 كلمة في هذا الجزء

يوماً بعَيشِهِ نَفَعَهْ قد يَجْمع المال غيرُ آكله وَيأكلُ المالَ غيرُ مَنْ جَمَعه وقال مُسلم بن الوليد: لن يبطئ الأمرُ ما أمَلْتَ أوبتَه إذا أعَانَك فيه رِفْقُ مُتَّئِدِ والدَهْرُ آخِذُ ما أعطى مًكَدِّرُ ما أصْفي وَمُفْسِدُ ما أهْوَى له بيَد فلا يَغُرَّنْك من دهرٍ عَطيَّتُهُ

فليس يترُكُ ما أعطى على أحد رَأتْ حولها النسوانَ يرفُلْنَ في الكُسَا مقَلَّدَةً أجيادُها بالقلائد يَسُرَكِ أني نِلْتُ ما نال جَعْفرٌ وما نال يحيى في الحياة ابن خالد وأنّ أمير المؤمنين أعضّني مُعَضهما بالمُرهفات الحدائد ذَرِيني تَجِئْني ميتتي مُطمَئنَّه ولم أتجشم هول تلك الموارد فإنّ

الذي يَسْمو إلى الرتب العُلا سَيُرْمَى بألوان الدُّهى والمكايد وَجَدْتُ لَذَاذات الحياة مَشوبَةً بمُسْتودعات في بطون الأسَاوِد وقال: حتّى متى أنا في حِلّ وتَرْحال وطُول شُغلٍ بإدْبار وإِقْبَال ونازح الدار ما ينفكُّ مُغتَرباً عن الأحَبِّة ما يَدْرُون ما حالي بِمَشْرق الأرض طوْراً ثم مَغْرِبَها لا

يَخْطُر الموت من حِرْص على بالي ولوَ قَنعْتُ أتاني الرِّزْقُ في دَعَةٍ إنّ القُنُوع الغِنَى لا كثرةُ المال وقال عبدُ الله بن عباس: القَناعة مال لا نَفَاد له. وقال عليُّ بنُ أبي طالب رضي الله عنه: الرِّزق رِزْقان: فرِزْقٌ تطلبه ورِزْقٌ يطلبك فإن لم تأته

أتاك. وفي كتاب للهند: لا ينبغي للمُلتمس أن يَلْتمس من العيش إلا الكفَافَ الذي به يَدْفع الحاجة عن نَفْسه وما سِوىَ ذلك إنما هو زيادة في تَعَبه وغَمِّه. ومن هذا قالت الحكماء: أقلُّ الدنيا يَكْفي وأكثرُها لا يَكفي. وقال أبو ذُؤَيب: والنَّفْسُ راغبة إذَا رغبتها

وإذا تُرَدُّ إلى قليل تَقْنَعُ وقال المسيح عليه السلام: عجباً منكم إنكم تعملون للدُّنيا وأنتم تُرزَقُون فيها بلا عمل ولا تَعْملون للآخرة و " أنتم " لا تُرْزَقون فيها إلا بالعمل. وقال الحسن: عَيَرَت اليهود عيسى عليه السلام بالفَقْر فقالت: مِن الغِنَى أتيتم. أخذ هذا

المعنى محمودٌ الورَّاق فقال: يا عائبَ الفَقْرِ ألاَ تَزْدَجِر عَيْبُ الغِنَى أكثَرُ لو تَعْتَبِرْ من شرًف الفَقْر ومن فَضْله عَلَى الغِنَى إن صَحَ منك النظر أنك تَعْصى كي تنالَ الغِنَى وليس تَعصى الله كي تَفْتقِر سُفيان عن مُغيرة عن إبراهيم قال: كانوا يَكرِهون الطلب في

أطارف الأرض. وقال الأعمش: أعطاني البُنَانيُّ مَضَارِبه أخرُج بها إلى ماهٍ فسألتُ إبراهيم فقال لي: ما كان يَطْلبون الدنَيا هذا الطلب. وبين ماهٍ وبن الكوِفة عشرةُ أيام. الأصمعيُّ عن يُونس بن حَبيب قال: ليس دون الإيمان غِنًىِ ولا بعده فقْر. قيل لخالد بن صَفْوان: ما

أصْبرَك عَلَى هذا الثَوْب " الخَلَق قال: رُبَ وكتب حكيم إلى حكيم يشكو إليه دهرَه: إنه ليس من أحد أنْصَفه زمانُه فتصرفت به الحالُ حسب استحقاقه وإنك لا تَرَى الناسَ إلا أحدَ رجلين: إمَا مُقدَّم أخّره حظه أو متأخِّر قدَّمَه جَدُّه فارضَ بالحال التِي أنت

عليها وإن كانت دون أملك واستحقاقك اختياراً وإلا رضيت بها اضطراراَ. وقيل للأحْنف بن قيس: ما أصبرك على هذا الثوب " فقال: أحقِ ما صُبِر عليه ما ليس إلى مُفارقته سَبيل. " قال الأصمعيُّ: رأيت أعرابيةَ ذات جمال تسأل بمنى فقلت لها: يا أمَة اللهّ

تسألين ولك هذا الجمال قالت: قدَرً الله فما أصنع قلت: فمن أين معاشكم قالت: هذا الحاج نَسْقيهم ونغسل ثيابهم قلت: فإذا ذهب الحال فمن أين فنظرت إليّ وقالت: يا صَلْت الجبين لو كنّا نعيش من حيث نعلم ما عِشْنا ". وقيل لرجلٍ من أهل المدينة:

ما أصْبرَك على الخُبْز والتَّمْر قال: ليتَهما صبرَا عليّ. الرضا بقضاء الله قالت الحُكماء: أصلُ الزُهد الرِّضا عن الله. وقال الفُضَيل بن عِياض: استَخيروا الله ولا تتخيروا عليه فرُبما اختار العبدُ أمرًا هلاَكُه فيه. وقالت الحكماء: رُبَّ مَحْسود على رَخاء هو قد ينعِم الله بالبَلْوَى

وإن عَظُمَت وَيبْتَلِى الله بَعْضَ القوم بالنِّعَم " وقال بعضُهم: خاطَبني أخٌ من إخواني وعاتبني في طلب الرُتب فأنشدته: كم افتقرتُ فلم أَقْعُد على كَمَدِ وكم غَنِيتُ فلم أكبر على أحدِ إنَي آمرؤ هانت الدنيا عليّ فما أشتاق فيها إلى مال ولا وَلَدِ وقالوا: من

طَلب فوق الكفاية رجع من الدَّهر إلى أبعد غاية ". من قتر على نفسه وترك المال لوارثه زِياد عن مالك قال: مَن لم يَكًنْ فيه خَيْرٌ لنفسه لم يَكُنْ فيه خيرٌ لغيره لأنّ نفسَه أولَى الأَنْفُس كُلَها فإذا ضَيعها فهو لما سِوَاها أضْيَعِ ومن أحبَّ

نفسَه حاطَها وأبقى عليها وتَجنَّب كل ما يَعيها أو يَنْقُصها فَجَنَّبها السَّرِقة مَخافةَ القَطْع والزِّنا مخافة الحَدّ والقَتْل خوفَ القِصاص. علي بن داود الكاتِب قال: لما افتتح هارون الرشيدُ هِرَقْلة وأباحها ثلاثة أيّام وكان بِطْرِيقها الخارج عليه بَسِيل الرُّوميّ فنظر إليه الرَّشيدُ مُقْبِلاً على جِدَار

فيه كتابة باليُونانية وهو يُطِيل النظَر فيه فدَعا به وقال له: ِ لمَ تركتَ النظرَ إلى الانتهاب والغَنيمة وأقبلت على هذا الجدار تنظر فيه فقال: يا أمير المؤمنين قرأتُ في هذا الجدار كتابًا هو أحبُّ إليّ من هِرَقْلة وما فيها قال له الرَّشِيد: ما هو

قال: بسم اللهّ المَلِكَ الحقِّ المُبين. ابن آدم غافِص الفُرْصة عند إسكانها وكِل الأمور إلى وَليِّها ولا تَحْمِل على قلبك هَمَّ يوم لم يأتِ بعدُ إِنْ يَكُن من أجَلِكَ يأْتِك الله بِرزْقك فيه ولا تَجعَلْ سَعْيَك في طلب المال أسوة بالمَغْرُورين فرُبَّ جامع لِبَعْل حَليلته

واعلم أنّ تَقْتير المرء على نَفْسه هو تَوْفيرٌ منه على غيره فالسعيدُ من اتعظ بهذه الكلمات ولم يُضَيِّعها. قال له الرَّشيد: أَعِدْ عليَّ يابَسِيل فأعادَها عليه حتى حَفِظها. وقال الحسن: ابن آدم أنتَ أسيرٌ في الدنيا رَضيتَ من لذّتها بما يَنْقضي ومن نَعِيمها بما يَمْضي

ومن مُلْكها بما يَنْفد فلا تَجمْع الأوزار لِنَفْسك ولأهلك الأمْوال فإذا مِتّ حملتَ الأوزار إلى قَبْرك وتركتَ أموالَك لأهلك. أخذ أبو العتاهية هذا المعنى فقال: أبْقَيْتَ مالَك مِيراثاً لوارِثه فليتَ شِعْرِيَ ما أبقى لك المالُ القومُ بَعدك في حالٍ تَسرُّهم فكيفَ بَعدهم دارت بك الحال

مَلُّوا البُكاء فما يَبْكيك من أحد واستَحْكَم القِيلُ في الميراث والقَال وفي الحديث المرفوع: أشدّ الناس حَسْرَةً يوم القيامة رجلٌ كَسب مالاً من غير حِلِّه فدخلَ به النارَ وورَّثه مَن عَمِل فيه بطاعة اللهّ فَدَخل به الجنة. وقيل لعبد الله بن عُمر: تُوُفي زَيدُ بن

حارثة وترك مائة ألف قال: لكنّها لا تتركه. ودَخل الحسن على عبد الله بن الأهتم يَعوده في مَرضه فرآه يُصَعِّد بصرَه في صُندوق في بَيْته ويُصَوَبه ثم التفت إلى الحسن فقال: أبا سَعيد ما تقول في مائة ألف في هذا الصُّندوق لم أؤَدً منها زكاة

ولم أصِل بها رحماً فقال له: ثَكِلَتْك أمك! ولمن كنت تجمعها قال: لِرَوْعة الزمان وجَفْوة السلطان ومُكاثرة العشيرة. ثم مات فشَهِد الحسنُ جِنازَته فلما فرَغ من دَفنه ضرَب بيده القَبْر ثم قال: انظرُوا إلى هذا أتاه شيطانُه فحَذّره رَوْعة زمانه وجفوة سُلطانه ومُكاثرة عشيرته عما

استودعه الله واستعمره فيه انظُروا إليه يَخْرُج منها مَذْمُوماً مَدْحُوراً. ثم قال: أيها الوارث لا تُخْدَعَن كما خدِعَ صُوَيْحبك بالأمس أتاك هذا المالُ حَلالاً فلا يكونُ عليك وَبالا أتاك عَفْوًا صَفْوًا ممن كان له جَمُوعا مَنوعا من باطلٍ جَمَعه ومن حقٍّ مَنَعه قطع فيه لُجَج

البِحار ومَفاوِز القِفار لم تَكْدَح فيه بَيمين ولم يَعْرِق لك فيه جَبِين إن يوم القيامة يومُ حَسْرَة وندامة وإن منِ أعظم الحَسَرَات غداً أن تَرى مالَك في ميزان غيرك فيالها حسرةً لا تُقال وتوبةَ لا تُنال. لما حَضَرَتْ هِشامَ بن عبد الملك الوفاةُ نَظر إلى

أهله يَبْكون عليه فقال: جاد لكم هشام بالدًّنيا وجُدْتم له بالبُكاء وترك لكم ما جَمع وتركْتُمْ له ما عَمل ما أعظمَ مُنْقَلب هشام إن لم يَغْفر الله له! نقصان الخير وزيادة الشر عاصم بن حُميد عن مُعاذ بن جَبَل قال: إنكم لن تَرَوْا من الدنيا