ولقريش الكرامٍ البَررة لا يَنْطِقون بِباطل جَهِلوه ولا يَكْتًمون حقّاً عَلِموه وهم أعظمُ الناس أحْلاما وأرفع الناس أَعْلاما. دخلتَ في قُريش ولستَ منها فأنت الساقطُ بين فِراشين لا في بني هاشم رَحْلُك ولا في بني عَبد شمس راحلتُك فأنت الأثيم الزنيم الضَّالّ المُضِلّ حَمَلَك مُعاوية
على رِقاب الناس فأنت تَسْطو بحِلْمه وتَسْمو بكَرَمه. فقال عمرو: أما والله إني لَمَسْرور بك فهل يَنفعني عندك قال ابنُ عباس: حيث مال الحقُّ مِلْنا وحيثُ سَلَكَ قصَدْنا. المدائني قال: قام عمرو بن العاص في مَوْسم من مَواسم العرب فأطْرى مُعاوية بنَ أبي سفيان وبني
أُمية وتناول بني هاشم وذكر مَشاهده بصِفِّين واجتمعت قُريش فأقبل عبدُ الله بن عبَّاس على عَمْروِ فقال: يا عمرو إنك بِعْت دِينَك من مُعاوية وأعطيتَه ما بيَدك ومَنَّاك ما بيد غيْرك وكان الذي أخذ منك أكثرَ من الذي أعطاك والذي أخذتَ منه دون الذي أعطيتَه
حتى لو كانت نفسُك في يدك ألقيتَها وكُلًّ راضٍ بما أخذ وأعطى فلما صارت مصرُ في يدك كَدَّرها عليك بالعَذْل والتنقُّص وذكرتَ مشاهدَك بصِفِّين فوالله ما ثَقُلتْ علينا يومئذ وَطْأَتك ولقد كًشِفت فيها عَوْرتُك وإنْ كنتَ فيها لطويلَ اللِّسان قصيرَ السِّنان آخرً الخَيْل إذا أقبلتْ
وأولها إذا أدبرت لك يَدان: يَدٌ لا تَبْسُطها إلى خَير وأخري لا تَقبضها عن شَرّ ولسانٌ غادر ذو وَجْهين وجهان وَجْهٌ مُوحش وَوَجْه مُؤْنس ولعمري إنّ من باع دينَه بدُنْيا غيره لحريّ أن يطول عليها نَدمُه. لك بيانُ وفيك خطَل ولك رَأي وفيك نَكَد ولك
قدر وفيك حَسد وأصغر عَيْب فيك أعظم عَيْب في غَيْرك. فأجابه عمرو بن العاص: والله ما في قُريش أثقلُ عليّ مسئلةً ولا أمرُّ جواباً منك ولو استطعتُ ألا أجيبك لفعلتُ غيرَ أني لم أَبع دِيني من مُعاوية ولكن بِعْتُ الله نفْسي ولم أنس نَصِيبي من
الدُّنيا وأما ما أخذتُ من مُعاوية وأَعطيتُه فإنه لا تُعلَّم العَوان الخِمْرة وأمّا ما أتى إليّ معاويةُ في مِصْر فإنّ ذلك لم يُغيِّرني له وأمًا خِفّة وَطْأتي عليكم بصفِّين فلِم اسْتَثْقلتم حَياتي واستبطأتم وَفاتي وأما الجُبن فقد علمتْ قريش أنّي أولُ من يُبارز وأمرّ من
يُنازل وأما طُول لساني فإني كما قال هِشام بن الوليد لعُثمان بن عفّان رضي الله عنه: لسانِي طويلٌ فاحْتَرس من شَذاته عليك وَسَيْفي مِن لسانيَ أَطْولُ وأما وَجْهاي ولسَاناي فإن ألْقى كلَّ ذِي قَدْر بِقَدْره وأرمي كَلّ نابح بحَجَره فمن عَرف قَدْرَه كَفاني نَفسه ومَن
جَهِل قَدْرَه كَفيتُه نَفْسي. ولَعَمْري ما لأحدٍ من قُريش مثلُ قَدْرك ما خلا معاويةَ فما يَنفعني ذلك عندك وأَنشأ عمرو يقول: بَني هاشم مالِي أراكم كأنَّكم بِيَ اليومَ جُهّالٌ وليس بكم جَهْلُ ألم تَعلموا أنّي جَسورٌ على الوغَى سريع إلى الداعي إذا كثُر القَتْل وأوّل
مَن يَدْعو نَزال طَبِيعةِّ جُبِلْتُ عليها والطباع هو الجَبْل وأني فَصَلتُ الأَمرَ بعد اشتباهه بدُومةَ إذ أعيا على الحَكَم الفَصْل وأنيِّ لا أَعْيا بأمْرٍ أريدُه وأنّي إذا عَجَّت بِكَارُكم فَحْل محمد بن سَعيد عن إبراهيم بن حُوَيْطب قال: قال عمرُو بن العاص لعبد الله ابن
عبّاس بعد قَتْل عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: إنّ هذا الأمرَ الذي نَحن فيه وأنتم ليس بأوّل أمر قادَه البَلاءُ وقد بَلَغ الأمرُ بنا وبكم إلى ما تَرى وما أبْقت لنا هذه الحربُ حَياءً ولا صَبْراً ولسنا نقول!: ليتَ الحربَ عادتْ لكنّا نقول:
ليتَها لم تَكُن كانت فانظُر فيما بَقِي بغير ما مَضى فإنك رأسُ هذا الأمر بعد عليّ فإنّك أميرٌ مًطاع ومأمور مطيع ومشاور مأمون وأنت هو. مجاوبة بني هاشم وبني عبد شمس لابن الزبير الشَّعبيّ قال: قال ابنُ الزّبير لعبد الله بن عبّاس: قاتلتَ أمّ المُؤمنين
وحَواريَّ رسول الله ﷺ وأَفتيتَ بزواج المُتعة. فقال: أمّا أُمّ المُؤمنين فأنت أخرجتَها وأبوك وخالًك وبنا سُمِّيت أُمَّ المؤمنين وكُنّاها خَيرَ بَنين فتجاوز الله عنها. وقاتلتَ أنت وأبوك عليًّا فإن كان عليّ مُؤْمناً فقد ضَلَلْتم بقتالكم المُؤمنين هان كان عليّ كافراً فقد بؤْتم بسُخْط مِن
الله بفِراركم من الزَّحف وأما المُتعة فإنّ عليّا رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ اللهّ ﷺ رَخَّص فيها فأفتيتُ بها ثم سمعتُه يَنهي عنها فنهيتُ عنها وأولُ مجْمر سَطَع في المُتعة مِجْمر آل الزُّبير. دخل الحسنُ بن عليّ على مُعاوية وعنده ابنُ الزُّبير وأبو سَعيد
بن عَقيل ابن أبي طالب فلما جَلس الحسنُ قال مُعاوية: يا أبا محمد أيهما كانَ أكبرَ: عليّ أم الزبير قال: ما أَقربَ ما بينهما! عليّ كَان أسنَّ من الزُّبير رحم الله عليًّا. فقال ابن الزبير: ورحم اللهّ الزبير. فتَبسّم الحسن. فقال أبو سَعيد بن عَقِيلِ
بن أبي طالب: دَعْ عنك عليّا والزُّبير إنّ عليّا دعا إلى أمر فاتّبع وكان فيه رأساَ ودعا الزبير إلى أمر كان فيه الرأسُ امرأةً فلما تراءت الفِئتان والتقى الجمعان نَكَص الزُبير على عَقِيبه وأدبر مُنهزماً قبل أن يَظهر الحقُّ فيأخذَه أو يَدْحض الباطلُ فيتركه فأدركه
رجل لو قِيس ببعض أعضائه لكان أصغر فضرب عنقه وأخذ سَلَبه وجاء برأسه ومَضى علي قُدُما كعادته من ابن عمّه ونبيه ﷺ فَرَحم الله علياً ولا رَحم الزُّبير. فقال ابنُ الزُّبير: أما والله لو أنّ غيرك تكلَم بهذا يا أبا سَعيد لَعَلِم قال: إن الذي
تُعرّض به يَرْغب عنك. وأخبرت عائشةُ بمقالتهما فمرّ أبو سعيد بفنائها فنادتْه: يا أَحول يا خَبيث! أنت القائل لابن أختي كذا وكذا فالتفت أبو سَعيد فلم يَعر شيئاً فقال: إن الشيطان ليَرَاك من حيث لا تراه. فَضَحِكت عائشةُ وقالت: لله أبوك! ما أخبث لسانك! الشَّعبي
قال: دخل الحُسين بن عليّ يوماً على مُعاوية ومعه مَوْلى له يقال له ذَكْوان وعند مُعاوية جماعةٌ من قُريش فيهم ابنُ الزُّبير فَرَحّب مُعاوية بالحُسين وأجلسه على سَريره وقال: ترى هذا القاعدَ - يعني ابنَ الزُّبير - فإنه ليدْركه الحسدُ لبني عبد مناف. فقال ابنُ
الزُّبير لمعاوية: قد عَرفنا فضلَ الحسين وقَرابته من رسول الله ﷺ لكنْ إن شِئتَ أن أعْلمك فضلَ الزُّبير على أبيك أبي سُفيان فَعلتُ. فتكلّم ذكوانُ مولى الحُسين ابن عليّ فقال: يا بن الزًّبير إنّ مولاي ما يمنعه من الكلام أن لا يكون طَلْق اللِّسان رابطَ
الجَنان فإن نَطق نَطق بعِلْم وإن صَمَت صَمَت بحِلْم غيرَ أنه كَفَّ الكلام وسَبق إلى السِّنان فأقرَّت بفَضْله الكرام وأنا الذي أ قول: إنّ الذي يجْرِي لِيُدْرِك شَأْوَه يُنمَى بغير مُسوَّد ومُسدَّد بل كيف يُدْرَك نُورُ بدر ساطع خيرِ الأنام وفَرْع آل محمد فقال مُعاوية:
صَدَق قولُك يا ذَكْوان أكْثر الله في موالي الكِرام مِثْلَك. فقال ابنُ الزُّبير: إنّ أبا عبد اللهّ سَكَت وتكلّم مولاه ولو تكلّم لأجَبْناه أو لكَفَفْنا عن جوابه إجلالاً له ولا جوابَ لهذا العبد. قال ذَكْوان: هذا العبدُ خيرٌ. منك قال رسولُ الله ﷺ " مولَى
القوم منهم ". فأنا مولَى رسول الله ﷺ وأنت ابنُ الزبير بن العوام بن خُويلد فنحن أكرمُ ولاءً وأحسن فِعْلا. قال ابنُ الزًّبير: إني لستُ أجيب هذا فهاتِ ما عندك يا معاوية. فقال مُعاوية: قاتلك الله يا بنَ الزًّبير! ما أعياك وأبغاك! أتفخر بين يدي
أَمير المُؤمنين وأبي عبد الله! إنّك أنت المُتعدّي لِطَوْرك الذي لا تَعرف قَدْرَك فَقِسْ شِبْرك بفِتْرك ثم تعرّف كيف تَقع بين عَرانِين بني عَبْد مَناف. أما والله لئن دُفِعْتَ في بُحور بني هاشم وبني عبد شمس لقطعَتْك باع مواجها ثم لترمين بك في لُججها. فما
بقاؤك في البحور إذا غَمرتك وفي الأمواج إذا بَهَزَتْك هنالك تعرف نفسَك وتَنْدم على ما كان من جُرأتك وتَمنّى ما أصبحتَ فيه من أمان وقد حِيل بين العَيْر والنَّزَوان. فأطرق ابن الزُّبير مليًّا! ثم رَفع رأسَه فالتفت إلى مَن حوله ثم قال: أسألكم بالله أَتعلمون
أنَّ أبي حواريُّ رسول الله ﷺ وأن أباه أبا سُفيان حاربَ رسولَ الله ﷺ وأن أمّي أَسماءُ بنت أبي بَكْر الصدَيق وأمه هِنْد الأَكباد وجَدّي الصّدّيق وجدَه المَشْدوخ ببدر ورَأسُ الكُفر وعَمَّتي خديجة ذات الخَطر والحَسب وعَمَّته أمّ جَميل حمالةُ الحَطَب وجدَّتِي صفيّة وجدَّته حَمامة