ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 100 من 126

العقد الفريد — الجزء الثاني

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 100 من 1261,738 كلمة في هذا الجزء

قد أَطْردت اللِّصَاصُ إبلَه فَجَمعتُ له شيئاً من أهل المسجد فلمّا دفعتُ إليه الدراهم أنشأ يقول: لا والَّذي أنا عَبْد في عِبادته لولا شَماتُه أعداء ذَوِي إحَنِ ما سرًّني أنّ إبلي في مَبارِكها وأنّ أمراً قضاه اللهّ لم يَكُن أخذ هذا المعنى بعض المُحْدَثين فقال:

لولا شَمَاتَةُ أعداء ذَوِي حَسَدٍ وأنْ أنال بنَفْعِىِ مَنْ يُرَجِّينِي لما خَطَبْتُ إلى الدُّنيا مَطالَبها ولا بذلتُ لها عِرْضي ولا دِيني لكنْ مُنافسة الأكفاء تَحْمِلني على أُمور أرَاها سَوْف تُرْدِيني العُتبى قال: دخل أعرابيّ على خالد بن عبد الله القَسْرى فلمّا مَثل بين يديه أنشأ

يقول: أَصْلَحَك الله قَلّ ما بيَدي فما أُطِيق العِيَالَ إذ كَثُروا أناخ دَهْرٌ ألْقى بِكَلْكِلِه فأَرْسَلُوني إليكَ وانتظروا قال: أرسَلوك وانتظرِوا! والله لا تَجْلِس حتى تعودَ إليهم بما يَسُرهم فأَمر له بأربعة َأَبْعِرة مَوْقُورة بُرَّاً وتَمْراَ وخَلع عليه. الشّيْباني قال: أقبل أعرِابيٌّ إلى مالِك بن

طَوْق فأقام بالرَّحْبة حيناً وكان الأعرابيّ من بني أسد صُعْلوكاً في عَبَاءة صُوف وشَمْلة شَعَر فكلّما أراد الدُّخول منعه الحُجَّاب وشَتَمه العَبيد وضربه الأشْرَاط فلمّا كان في بَعض الأيام خَرج مالكُ بن طَوْق يُريد التنزّه حول الرِّحْبة فعارَضه الأعرابي فضربوه ومَنعوه فلم يَثْنِه ذلك حتى

أخذ بِعِنان فَرسه ثم قال: أيها الأمير إني عائذ بالله من أشراطك هؤلاء فقال مالك: دَعوا الأعرابي هل من حاجة يا أعرابيّ قال: نعم أصلح الله الأمير أنْ تَصْغِي إليَّ بَسَمْعك وَتَنظَر إليّ بطَرفك وتَقبَل إلي بوجهك قال: نعم فأنشأ الأعرابيّ يقول: ببابك دون الناس

أنزلتُ حاجَتي وأقبلتُ أَسْعَى حولَه وأَطُوفُ وَيمْنعني الحُجِّابُ والسِّتر مُسْبَلٌ وأنتَ بَعِيد والشًّروط صُفوف يدُورون حَوْلي في الجُلوس كأنهم ذِئابٌ جيِاعٌ بَينهَنّ خَرُوف وما لي من الدنيا سِواك ولا لمن تركتُ ورائي مَرْبَعٌ ومَصِيف وقد عَلِم الحَيَّان قيسٌ وخِنْدِفٌ ومَنْ هو فيها نازل وحَلِيف تَخَطيَّ

أَعْناقَ المُلوك ورٍحلتي إليك وقد أخنت عليَّ صرُوف فجِئْتُك أَبغي اليُسْرَ منك فمَر بي ببابك مَن ضَرْب العَبيد صُنوف فلا تجعَلنْ في نحو بابل عَوْدة فَقَلْبيِ مِن ضَرْب الشرًّوط مَحًوف فاستضحك مالك حتى كاد أن يَسْقَط عن فرَسه ثم قالت لمَن حوله: مَن يُعْطِيه دِرْهماً

بِدِرْهَمين وثَوْباً بثَوْبين فوقعت عليه الثِّياب والدَراهم من كل جانب حتى تَحَيَّر الأعرابيّ ثم قال له: هل بَقيتْ لك حاجة يا أعرابي قال: أمّا إليك فلا قال: فإلى مَن قال: إلى الله أن يُبْقِيَك للعرب فإنها لا تزال بخير ما بَقِيتَ لها. دخل أعرابي على

هِشام بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين أَتَتْ علينا ثلاثةُ أعوام: فعام أذاب الشَّحْم وعامٌ أكل اللَّحْم وعام انْتَقى العَظْم وعندكم أموال فإنْ تَكُنْ لله فَبُثُّوها في عباد اللهّ وإن تكُن للناس فلِمَ تُحْجَب عنهم وإن تكن لكم فَتَصَدَّقُوا إن الله يَجْزِي المُتَصدقين. قال

هشام: هل من حاجة غير هذه يا أعرابيّ قال: ما ضربتُ إليك أكبادَ الإبل أَدَّرع الهَجير وأخُوض الدُّجا لخاصٍّ دون عام ولا خَير في خير لا يَعُم فأمر له هِشام بأموال فُرِّقت في الناس وأمرَ للأعرابيّ بمال فَرقه في قومه. طلب أعرابيّ من رجل حاجةً

فوَعده قضاءها فقال الأعرابي: إنّ مَن وَعد قَضى الحاجةَ وإن كَثًرت والمَطْل من غير عُسر آفةُ الجود. وقال: أتي أعرابيّ رجلاً لم تَكُن بينهما حُرْمة في حاجة له فقال: إني امتطيت إليك الرَّجاء وسِرْت على الأمل وَوَفْدت بالشُّكر وتوصَّلت بحُسْن الظنّ فَحَقِّق الأمل وأَحْسنْ المَنْزلة

وأَكْرِم القَصْد وأتِمّ الوُدَّ وعَجِّل المُراد. وقف أعرابيّ على حَلْقَة يُونس النحويّ فقال: الحمد لله وأعوذ بالله أن أُذَكِّر به وأنساه إنّا أناس قَدِمْنا هذه المدينة ثلاثون رجلاً لا نَدْفن ميتاً ولا نتحوّل من مَنزل وإن كَرِهْنا فرحم اللهّ عبداً تصدَّق على ابن سبيل ونضْو

طريق وفَلّ سنة فإنه لا قليل من الأجر ولا غِنىِ عن اللهّ ولا عَمل بعد الموت. يقول الله عزّ وجلّ: مَن ذَا الَّذي يُقْرِضُ الله قَرْضاَ حسَنًا. إن الله لا يَسْتقْرض مِن عَوَز وِلكن لِيَبلو خِيَار عباده. وقف أعرابيّ في شهر رمضان على قَوْم فقال:

يا قوم لقد ختمتْ هذه الفريضةُ على أفواهنا من صُبح أمس ومَعي بِنْتان لي والله ما عَلِمْتهما تخلَّتا بِخلال فهل رجلٌ كريمٌ يَرْحَم اليوم ذلنا وَبرُد حُشاشتنا مَنعه اللهّ أن يقوم مَقامنا فإنه مَقام ذل وعار وصَغار. فافتَرق القومُ ولم يُعْطوه شيئاً فالتفت إليهم حتى

تأمَّلهم جميعاً ثم قال: أَشدُّ والله عليَّ من سوء حالي وفاقتي توهُّمي فيكم المُواساة انتعلوا الطريقَ لا صَحِبكم الله. الأصمعي قال: وَقف أعرابيّ علينا فقال: يا قومُ تتابعت علينا سنون بتغيير وإنتقاص فما تركت لنا هُبَعاً ولا رُبَعاً ولا عافطة ولا نافطة ولا ثاغِيَة ولا

راغية فأماتت الزَّرْع وقَتلت الضَّرْعَ وعندكم من مال الله فَضْلُ نِعْمة فأعينوني مِن عَطِية لله إياكم وأرحموا أبا أيتام ونضْوَ زمان فلقد خَلّفتُ أقواماً ما يمرضون مريضهم ولا يُكفِّنون مَيِّتهم ولا يَنْتقلون من منزل إلى منزل وإن كرهوه. ولقد مَشيت حتى انتعلتُ الدِّماء وجعْتُ حتى

أكلتُ النَّوَى. الأصمعي قال: وقفتْ أعرابيّة من هَوَازن على عبد الرحمنِ بن أبي بَكر الصِّدِّيق رضي اللهّ تعالى عنهما فقالت: إني أتيتُ من أرض شاسعة تهبطني هابطة وتَرْفَعني رافعة في بواد بَرَيْنَ لَحْمي وهِضْن عَظمي وتْرَكْنَني والهة قد ضاق بي البَلد بعد الَأهْل والولد وكَثْرَة

من العَدد لا قَرَابة تُؤْوِيني ولا عشيرةَ تَحْمين فسألتُ أحياء العرب: المُرْتَجى سَيْبه المأمون غَيْبه الكثير نائلُه المَكْفيّ سائلُه فَدُلِلْت عليك وأنا امرأة هَوَازن فَقَدْتُ الوَلد والوالد فاصنَع في أمري واحدةً من ثلاث: إمّا أنْ تُحْسِن صفدي وإمّا أن تُقِيمَ أوَدي وإمّا أن تَرُدِّني إلى

بلدي قال: بل أَجْمَعُهن لك. ففعل ذلك بها أجمع وقال أعرابيّ: يا عمر الخَيْر رُزِقت الجنّة اكْسُ بُنَيّاتي وأُمَّهنَّه وكُن لنا من الَرمان جُنّة وارْدُد عَلينا إنّ إنِّ إنّه أَقْسمتُ بالله لتَفْعلنّه الأصمعي قال: وقفتْ أعرابيّة بقوم فقالت: يا قوم سَنَة جَرَدت وأَيْدٍ جَمدت وحال

جَهَدَت فهل من فاعل خَيْر وآمر بِمَيْر رَحِم الله من رَحِم وأَقْرَض مَنْ يُقْرض. الأصمعي قال: أصابت الأعرابَ أعوام جَدْبة وشِدّة وجهد فدخلت طائفةٌ منهم البَصرة وبين أيديهم أعرابيّ وهو يقول: أيها الناس إخوانُكم في الدّين وشرُكاؤكم في الإسلام عابرُو سَبيل وفُلاّل بُؤْس وصَرْعى جَدْب

تَتابعت علينا سنون ثلاث غَيّرت النِّعم وأَهكت النَّعم فأَكلنا ما بَقي من جُلودها فَوق عِظَامها فلم نَزل نُعلِّل بذلك أَنْفسنا ونُمنّي بالغَيْث قُلُوبنا حتى عاد ُمخّنا عِظاماً وعاد إشراقنا ظَلاماً وِأَقبلنا إليكم يَصرعنا الوَعْر ويَنكُبنا السَّهل وهذه آثار مَصائبنا لائحة في سِمَاتنا فرَحم الله مُتصدِّقاً

مِن كَثير ومُواسياً من قَلِيل فلقد عَظُمت الحاجة وكَسَف البال وبَلَغ المجهود واللهّ يَجْزي المًتصدِّقين. الأصمعي قال: كنتُ في حَلْقة بالبَصرة إذ وَقف علينا أعرابي سائلاً فقال: أيها الناس إنّ الفَقْر يَهْتِك الحِجاب ويُبْرز الكَعاب وقد حَمَلتنا سِنُو المَصائب ونَكَبات الدهور على مَرْكبها الوَعْر فَواسُوا

أيا أيتام ونضْو زمان وطَريد فاقة وطَرِيح هَلكة رَحمكم الله. أتي أعرابيّ عُمَرَ بن عبد العزيز فقال: رجلٌ من أهل البادية سَاقَتْه إليك الحاجة وبَلغت به الغاية والله سائلك عن مَقامي هذا. فقال عمر: ما سمعتُ أبلغ مِن قائل ولا أَوْعظ لمُقول له من كلامك