ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 71 من 126

العقد الفريد — الجزء الثاني

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 71 من 1261,798 كلمة في هذا الجزء

بزُهاءِ ألْفٍ ثُمَ أل ف بين ذي بَدنٍ ورَامح الضَّارِبين التَقْدُمِيَّة بالمُهنَّدَة الصفائح روى الأخفش لسَهل بن هارون: ما للحوادث عنْكَ مُنصَرِف إلاّ بنَفْس ما لهَا خَلَفُ فَكأَنّها رَامٍ عَلَى حَنقٍ وَكأنَّنى لِسَهَامِها هَدَف دهرٌ سُرِرْت به فأَعْقَبَني جَرَيانه ما عِشْتُ ألْتَقف فابْكِ الّذي وَلِّى

لمَهْلِكهَ عنك السُّرورُ خُلِّفَ الأسف إذ لا يَردّ عليك ما أخذَتْ منك الحوادثُ دَمْعةٌ تَكِف قَبْرٌ بمُخْتَلف الرِّياح به مَنْ لَسْتُ أبلغه بما أَصِف أنسَ الثرى بمحَلِّه وله قد أوحَشَ المُسْتَأْنَس الألِف فالصبر أحسن ما اعْتَصَمْتَ به إذ ليس منه لدَيّ منتصف تَجْري المَجَرّة والنِّسْرَان

بَيْنهما والشمسُ والقمرُ الساري بمقدَار لقد علمتُ وخَيرُ العِلْم أنْفعه أن السَّيَدَ الذي ينْجُو منَ النار وقال يرْثى قَوْمَه: همُ نَصَبُوا الأجْسَاد للنَبْل والقَنَا فلم يَبْق منها اليومٍ إلا رَميمُها تَظلّ عِتاقُ الطير تحجلُ حَوْلهم يُعلِّلن أجساداً قليلا نَعيمها لِطَافاً بَرَاها الصَّوْمُ حتى كأنَها سيوفٌ

إذا ما الخَيلُ تَدْمى كلومُها التعازي قال عبد الرحمن بن أبي بكر لسليمان بن عبد الملك يُعزِّيه في ابنه أيوب وكان وليّ عهده وأكبر ولده: يا أمير المؤمنين إنه من طال عمره فَقَدَ أحبَّتَهُ ومن قَصر عُمره كانت مُصيبته في نفسه. فلو لم يكن في

مِيزانك لكُنْتَ في ميزانه. وكَتَب الحسنُ بن أبي الحسن إلى عُمَر بن عبد العزيز يُعزِّيه في ابنه عبد الملك: وعوِّضْتَ أَجْرًا مِنْ فَقِيدٍ فَلاَ يَكُنْ فَقِيدُكَ لا يَأتي وأَجْركَ يَذْهَبُ العُتْبىِ قال: قال عبدُ الله بن الأهْتَم: مات لي ابن وأنا بمكة فجزِعْتُ عليه جَزَعاً

شديداَ فَدَخَل عليَّ ابن جُرَيجٍ يُعَزِّيني فقال لي: يا أبا محمد اسْلُ صَبراً واحْتِساباً قبْلَ أن تَسْلُو غفلة ونسْياناً كما تَسْلو البهائم. وهذا الكِلامُ لعليّ ابن أبي طالب كرّم الله وجهَه يُعزِّي به الأشْعَتَ بن قيْس في ابن له ومنه أخذه ابن جُرَيْج. وقد ذكَرَه

حبيب في شعره فقال: وقال عليّ في التعازي لأشْعَثٍ وخاف عليه بعضَ تلك المآثِم أتَصْبِرُ لِلْبلْوَى عَزَاءً وحِسْبَةً فَتُؤْجَرَ أَمْ تَسْلُو سًلُوَّ البهائم أتى عليُّ أبي طالب كَرَّم الله وجهه لأشْعَث يُعَزِّيه عن ابنه فقال: إن تَحْزَنْ فقد آستحقًتْ ذلك مِنك الرّحم وإن تَصْبر فإن

في الله خَلَفاً من كلِّ هالك مع أنّك إن صَبَرت جرَى عليك القَدَر وأنت مَأجُور وإن جَزِعْت جَرَى عليك القَدَر وأنت آثِم. وعزَّى ابن السمَّاك رجلاً فقال: عليك بالصَّبْر فبه يَعْمل من احتَسَب وإليه يَصير مَن جزع واعلم أنه ليست مُصيبة إلا ومعها أعظمُ منها

من طاعة الله فيها أو مَعْصيته بها. الأصمعيّ قال: عزّى صالحٌ المُرِّي رجلاً بابنه فقال له: إنْ كانت مُصيبتك لم تُحْدِث لك مَوْعظةً فمُصِيبتك بنَفْسك أعظمُ من مُصيبتك بابنك واعلم أنّ التَّهْنِئَة على آجِل الثَّوَاب أولَى من التَّعزِية على عاجل المصيبة. العُتْبىّ قال: عزَى أبي

رجلاً فقال: إنما يَسْتوجب على اللهّ وَعْده من صبر لحقه فلا تجْمَع إلى ما فُجِعت به الفَجيعةَ بالأجر فإنها أعظمُ المصيبتن عليك ولكلّ اجتماعٍ فُرْقة إلى دار الحُلولِ. عزّى عبدُ الله بن عبَّاس عمر بن الخطّاب رضى الله تعالى عنه في بُنى له صَغير فقال:

عوَّضك الله منه ما عوّضه الله منك. وكان عليُّ بن أبي طالب رضى الله عنه إذا عزَّى قوماً قال: عليكم بالصَّبر فإنّ به يأخُذ الحازم وإليه يَرْجع الجازع. وكان الحسنُ يقول في المُصيبة: الحمدُ لله الذي آجَرَنا على ما لو كلَّفنا غيرَه لعَجَزْنا عنه. أما

بعد فإنَ أحق مَن تعزَّى وأوْلى مَنْ تأسى وسلّم لأمر الله وقَبِلَ تأديبَه في الصَبر على نَكبَات الدنيا وتجرع غُصَص البَلْوى مَن تَنجَز من الله وعده وفَهِم عن كتابه أمرَه وأخْلص له نفسَه واعترف له بما هو أهلُه. وفي كتاب الله سَلوَة من فَقْدَ كل

حَبيب وإن لم تَطب النفسُ عنه وأنْسٌ من كلِّ فقيد وإن عَظًمت اللوعةُ به إذ يقول عزَّ وجلّ: " كلُّ شيءَ هَالِكٌ إلاّ وَجْهَه لَهُ الحُكم وَإلَيْهِ تُرْجَعُون " وحيث يقول: " الذِين إذا أصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لله وَإنّا إلَيْهِ رَاجِعُون أولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ

مِنْ رَبِّهمْ وَرَحْمَةٌ وأولئِكَ هم المُهُتَدُون ". والموتُ سبيل الماضِين والغابرين ومورِد الخَلاَئق أجْمعين وفي أَنبياء الله وسالفِ أوليائه أفضلُ العِبْرة وأحْسن الأسوة فهل أحد منهم إلا وقد أخذ من فجائع الدُّنيا بأَجْزل العطاء ومن الصبر عليها باحتساب الأجْر فيها بأوْفر الأنصِبَاء فِجع نبيّنا عليه

الصلاةُ والسلام بابنه إبراهيم وكان ذخْرَ الإيمان وقُرَّة عَين الإسلام وعَقِب الطٌهارة وسَلِيل الوحي ونَتِيج الرَّحمة وحَضِين الملائِكة وبِقيّة آل إبراهيم وإسماعيل صلوات اللهّ عليهم أجمعين وعلى عامة الأنبياء والمُرْسلين فعمَت الثقلَين مُصِيبتُه وخَصَّت الملائكةَ رَزِيتَّهً " ورضى ﷺ من فراقه بثواب الله بدلاً ومنِ

" فِقْدَانه عِوَضاً فشكَرَ قَضَاه واتبع رِضَاه فقال: يَحْزَن القَلب وتَدْمَع العين ولا نقول ما يُسْخِط الربّ وإنّا بك يا إبراهيم لَمَحْزونون. وإذا تأمَّل ذو النّظَر ما هو مُشْفٍ عليه من غَير الدُّنيا وانْتَصح نفسه وفِكْرَه في غِيرَها بتنقُّل الأحوال وتقارُب الآجال وانقطاع يسير هذه

المُدَّة ذَلَّت الدُّنيا عنده وهانت المصائبُ عليه وتَسهًّلت الفجائعُ لديه فأخَذ للأَمر أُهْبته وأعدَّ للموت عًدَّته. ومن صَحِب الدُّنيا بحُسْن رَويَّة ولاحَظَها بعين الحقيقة كان على بَصِيرة من وَشْكِ زوالها. قال النبي ﷺ : أذكُرُوا الموت فإنه هادم اللذات ومُنَغِّص الشَّهَوَات. وليس شيء مما اقتصصتُ

إلا وقد جعلك اللهّ مُقَدَّماً في العِلْم به. ولَعْمري إن الخَطْبَ فيما أصِبْتَ به لَعَظيم غير أن تَعوّصه من الأجْر والمَثُوبة عليه بحُسْن الصَّبر يُهَوِّنان الرَّزِيِّة وإن ثَقُلَت ويُسَهِّلاَن الخَطْب وإن عَظُم. وهب الله لك من عِصْمة الصَّبر ما يُكمل لك به زُلْفي الفائزين ومزيد

الشاكرين وجعلك من المُرتَضين قَوْلاً وفِعلا الذين أعطاهم " الحُسْنَى " ووفَّقهم للصَّبْر والتَّقْوَى. محمد بن الفَضل عن أبي حازم قال: مات عُقْبة بن عِيَاض بن غَنْم الفِهْريّ فعزَّى رجلٌ أباه فقال: لا تَجْزع عليه فقد قُتِل شهيداً فقال: وكيف أجزع على من كان في

حَيَاته زينةَ الدُّنيا وهو اليومَ من الباقيَات الصَّالحات. ابن الغاز قال: حَدَّثنا عيسى بن إسماعيل قال: سمعتُ الأصمعيّ يقول: دخلتُ على جعفر بن سُليمان وقد ترك الطعامَ جَزَعاً على أخيه محمد بن سليمان فأنشدته بيتين فما برحتُ حتى دعا بالمائدة. فقلتُ للأصمعيّ: ما هما فسكت

فسألتهُ فقال: أتدري قد زادهُ كلَفاً بالحُبِّ إذ مَنَعت أحبُ شيء إلى الإنسان ما مُنِعاَ قال أبو موسى: والأبيات لأراكة الثقفي يرْثى بها عمرو بن أراكَة ويُعزِّى نفسه حيث يقول: لَعَمْري لئن أَتْبَعْتَ عينك ما مضى به الدَّهْرُ أو ساق الحِمَامُ إلى القَبر لتستنفدن ماءَ

الشُّئون بأَسْره وإنْ كُنْتَ تَمريهنَ من ثَبَج البَحْر تَبَيّنْ فإنْ كان البُكا ردّ هالِكاً على أَحَدٍ فاجْهَد بُكاك على عَمْرو فلا تَبْكِ مَيْتاً بعد مَيت أَجَنَّة عليُّ وعبَّاس وآل أبي بَكْر أبو عمر بن يزيد قال: لما مات أخو مالكَ بن دِينار بكى مالك وقال:

يا أخي لا تَقَرُّ عيْني بعدك حتى أعْلم أفي الجنِّة أنت أم في النَّار ولا أعلم ذلك حتى ألحق بك. وقالت أعرابية ورأت ميتاً يُدْفَن: جافي الله عن جَنْبَيْه الثَّرَى وأعانه على طول البِلَى. وعَزَّى أعرابيَ رجلاً فقال: أوصيك بالرِّضا من الله بقَضائه والتنجًّز لما

وعد به من ثوابه فإنَ الدُّنيا دار زوال ولا بد من لقاء اللهّ. وَعزَّى أيضاً رجلاً فقال: إنّ من كان لك في الآخرة أجراً خيرٌ لك ممن كان لك في الدُّنيا سرُوراً. وجَزع رجلٌ على ابن له فشكا ذلك إلى الحسن فقال له: هل كان