جَرِير وهو يُملي على كاتبه: وَدِّعْ أُمَامَةَ حَان منك رَحِيلُ ثم طلعت جِنَازَةٌ فَأمْسك وقال: شَيَّبَتْني هذه الجنائز قلت: فَلِم تَسُبّ الناسَ قال: يَبْدَءوني ثم لا أعفو وأَعْتدي ولا أَبْتَدي. ثم أنشد يقول: تُرَوِّعنا الجنائزُ مُقْبِلات فَنَلْهُو حين تذْهبُ مُدْبراتِ كَرَوْعَة هَجْمَةٍ لمُغار سَبْعِ فلما
غابَ عادتْ راتعات وقالوا: مَن جعل الموتَ بين عَيْنيه لَهَا عما في يَدَيه. وقالوا: اتخذ نوحٌ بيتاً من خُصّ فقيل له: لو بَنيتَ ما هو أحسن من هذا قال: هذا كثيرٌ لمَن يموت. وأحكم بيتٍ قالْته العربُ في وَصْف الموت بيتُ أُمية بن أبي الصَّلت
حيث يقول: يُوشِك مَنْ فَر مِنْ مِنيَّته في بَعْض غِراته يُوَافِقُهَا مَنْ لم يمُتْ غَبْطَةً يَمُت هَرَماً للموت كأسٌ والمرء ذائقها وقال إصْبَغ بن الفَرَج: كان بنَجْران عابد يَصِيح في كلِّ يوم صَيحتين بهذه الأبيات: قَطَعَ البقاء مَطالعُ الشمسِ وغُدوًّها من حيث لا تُمْسي وطلوعُها
حمراءَ قانيةَ وغُرِوبُها صفراءَ كالوَرْس اليومُ يُخبر ما يجيء به ومَضى بفَضْل قَضَائه أمس قال آخر: زينت بيتك جاهلاً وعَمَرْتَه ولعلّ غيرَك صاحبُ البيتِ مَنْ كانت الأيامُ سائرةً به فكأنه قد حلّ بالموت والمرءُ مُرْتهنٍ بسوْفَ ولَيْتني وهلاكُه في السَّوف واللَّيْت للهّ دَرُّ فتى تَدَبّرَ
أمرَه فَغَدَا وراح مُبَادِرَ الفَوْتِ كم رأينا من أناس هَلَكوا قد بَكَوْا أحْبَابَهُم ثم بُكًوا تَرَكُوا الدًّنيا لمَن بعدهُم وُدًّهم لو قَدّمُوا ما تَركوا كم رأينا من مُلوكٍ سُوقة ورأينا سُوقةً قد مَلَكوا وقال الصَّلَتان العَبْدِيّ: أَشابَ الصغِيرَ وأَفْنى الكبي رَ كرُّ الغَداة ومَرُّ العَشي
إِذا ليلة أَهْرَمت يومَها أتى بعدَ ذلك يومِ فَتِي نرُوح ونَغدو لحاجاتِنا وحاجةً مَن عاشِ لا تنقضي تَموت مع المرء حاجاتُه وتَبْقَى له حاجةَ ما بقي وكان سُفيان بن عُيينة يَسْتحسن قولَ عَدِيّ بن زَيْد: أينَ أهلُ الدِّيارِ مِنْ قَوْم نُوح ثم عادٌ من بعدها
وثَمود بينما هُمْ على الأسرة والآن ماطِ أَفضت إلى التُّراب الخُدود وصحيحٌ أَمْسى يعُودُ مريضاً وهو أَدنى للموت ممَّن يَعود ثم لم ينقض الحديثُ ولكنْ بعد ذا كلِّه وذاك الوَعِيد كأن قد صِرْتُ مُنْفَرِداً وحيداً ومُرْتَهناً هناك بما لَديّا كأنّ الباكياتِ عليّ يوماً ولا يُغنى
البًكاء عليّ شَيَّا ذكرت مَنِيَّتِي فنعمتُ نفسي ألا أَسْعِدْ أُخَيك يا أُخَيّا وقال: سَتَخلق جِدًةٌ وَتَجُود حالُ وعِنْد الحق تختبر الرجالُ وللدُنيا ودائعُ في قُلوب بها جَرَت القَطِيعة والوِصَال تَخَوَّفُ ما لَعَلَّكَ لا تَراًه وترْجُو ما لعلك لا تنال وقد طلع الهِلالُ لهَدْم عُمْري وأَفْرَحُ
كًلَّما طَلع الهِلال وله أيضاً: مَنْ يَعِيشْ يَكْبُرْ ومَنْ يَكْبُر يَمُتْ والمَنَايا لا تُبالي من أتَتْ نحن في دار بَلاءٍ وأذىً وشَقَاءٍ وعَناءٍ وعَنَت مَنزلٌ ما يَثْبُتُ المرءُ به سالماً إلا قليلاً إن ثَبَت أيها المَغْرور ما هذا الصِّبا لو نَهَيْتَ النفسَ عنه لانْتهت مَنْ
لي إذا جُدْت بين الأهل والوَلَد وكان منِّيَ نحو المَوت قَيْد يَدِ والدَّمْعُ يَهْمُلُ والأنفاسُ صاعِدةٌ فالدًمْعُ في صَبَب والنفس في صُعُد ذاكَ القضاءُ الذي لا شيءَ يَصرِفه حتى يُفرِّقَ بينً الرُّوح والجَسَد ومن قولنا فيه: أتْلهو بين باطِيَةٍ وزيرِ وأَنت من الهلاك على شَفِير
فيا مَن غَرّهُ أملٌ طَوِيلٌ يُؤَدِّيه إلى أجل قَصِير أتَفْرَحُ والمَنِيِّة كلَ يوم تريك مكان قبرك في القبور هي الدّنيا فإنْ سَرتكَ يوماً فإنَّ الحُزْنَ عاقبةً السُرُور سَتسْلَبُ كلَّ ما جَمعْت منها كَعَارِيةٍ ترَدُّ إلى المُعِير وتَعْتَاضُ اليَقيِن من التَّظَنِّي وَدَارَ الحق من دار الغًرور
ولأبي العتاهية: وَليس مِن مَنزلٍ يَأْوِيه ذو نَفَس إلا وَللمَوْتِ سَيْفٌ فيه مَسْلُولُ وله أيضاً: وله أيضاً: أُؤمِّل أَنْ أخَلَّدَ والمَنايَا يَثِبْنَ عَليّ من كلِّ النًوَاحِي وما أدْرِي إِذا أمسيت حَيّاً لعَلِّي لا أعِيشُ إلى الصَّبَاح وقال الغَزّال: أصبَحْتُ والله مَجْهُوداً على أمَلٍ مِنَ الحيَاة
قَصِير غير مُمْتَدِّ وما أفارقً يوماً مَنْ أُفَارِقُه إِلا حَسِبْتُ فِرَاقي آخرَ اَلعَهْد انظرُ إليّ إذا أدرِجْتُ في كَفَنِي وانْظُرِ إليّ إذَا أدْرِجْت في اللِّحْد وأقعدْ قليلاً وعاينْ مَنْ يُقِيم معي ممن يُشيَعُ نَعْشي من ذَوِي وُدِّي هَيهات كلُّهُمُ في شَأْنِهِ لَعِبٌ يَرْمي الترابَ ويَحْثُوهُ
على خَدِّي وقال أبو العتاهية: نَعى لك ظلَّ الشًبَاب المَشِيبُ ونادتْكَ باسمٍ سِوَاكَ الخُطُوبُ فكُن مستَعِدّاَ لرَيْب المَنُون فإنَّ الذي هو آتٍ قريب وقَبْلَك داوى الطبيب المَرِيض فعاش المَرِيضُ ومات الطَّبِيب أخَيَّ ادخرْ مهما أستطع تَ ليَوم بَؤْسِكَ وافتقارِكْ فَلْتَنزلنّ بمَنْزِلٍ تَحْتاجُ فيه إلى ادّخارِك
وقال أبو الأسود الدُّؤليّ: أيُّها الأملُ ما ليسَ لَه ربما غَر ّسفيهاً أَمَلهْ رُبَّ من بات يُمَنَي نفسَه حالَ مِن دون مُنَاه أَجَلُه والفَتَى المُحتَال فيما نابَه ربما ضَاقَتْ عليه حِيَلُه قُلْ لمن مَثَّلَ في أشعَاره يَهْلِكُ المرء ويَبْقَى مَثَلُه نافِس المُحْسنَ في إحْسانهِ فَسَيَكْفيِك
سَناء عَمَله وقال عدِيّ بن زيد العِبَاديّ: أين كِسْرَى كِسرَى المُلوك أنوشر وَانَ أَمْ أيْن قبْلَه سابُورُ وبَنُو الأصفَر الكِرَام مُلُوك الرُّ وم لٍم يَبْق منهمُ مَذْكوُر وأخُو الحَصْرَ إذ بَناه وإذ دِجْ لةُ تجْبَي إليه والخَابُور شادَهُ مَرْمَراً وجَلَّلَه كلس ساً فللطيْر في ذَرَآه
وُكُورُ سَرًهُ مالُهُ وكثْرةُ ما يم لكُ والبحرُ مُعْرضاً والسَّدِير فارْعوَي قلبُه وقال فما غِب طة حَيٍّ إلى المَمَات يَصِير ثم بعد الفَلاح والمُلك والنِّع مة وارتهُمُ هُنَاكَ القًبُور ثم صارُوا كأنهُم وَرَقٌ جَفَّ فأَلوَت به الصَّبَا والدَّبور وقال حُرَيث بن جَبلة العُذْري: يا قلبُ
إنّكَ في الأحْيَاء مَغرُورُ فاذكُر وهَل يَنْفَعَنَكَ اليومَ تَذْكِير حتى متَىِ أنتَ فيها مُدْنَفٌ وَلهٌ لا يَسْتفِزًنْكَ منها البُدَن الحُور قد بُحت بالجَهْل لا تُخْفيهِ عن أحَدٍ حتى جرَتْ بك أَطلاقاً محاضير ترِيد أمراً فما تَدْري أعاجِلُه خيرٌ لِنَفْسِك أم ما فيه تأخِير فاستَقْدِرْ الله
خَيْراً وارضين به فبينما العُسْرُ إذ دارتْ مَيَاسير وبينما المرءُ في الأحْيَاء مُغْتَبطٌ إذ صار في الرمس تَعْفُوهُ الأعاصِير حتى كأنْ لم يَكُنْ إلاّ توهّمه والدَّهر في كل حالَيْه دَهَارِير قولهم في الطاعون قال أبو عُبيدة بن الجرّاح لعمر بن الخطّاب رضوانُ الله عليه لمّا
بلغه أنَّ الطاعونَ وَقَع في الشام فانصرف بالناس: أفرَاراً من قَدَرِ الله يا أميرَ المؤمنين قال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عُبيدة نعم نَفِرُّ من قدرِ الله إلى قدَر الله أرأَيت لو أنَّ لك إبلاً هَبَطْتَ بها وادياً له جِهتان إحداهما خَصِيبة والأخرى جَدِيبة
أليسَ لو رعيتَ الخصيبة رعيتَها بقَدَر الله ولو رعيتَ الجديبة رعيتَها بقدَر الله وكان عبدُ الرحمن بن عَوْف غائباً فأَقبل فقال: عِنْدي في هذا عِلْمٌ سمعتُه من رسول الله ﷺ قال: إذا سمعتم به في أرض فلا تَقْدَموا عليها وإذا وَقع في أرض وأَنتم بها