ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 47 من 126

العقد الفريد — الجزء الثاني

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 47 من 1261,745 كلمة في هذا الجزء

أمرٌ عظيم. وقال منصور بن عَمَّار في مجلس الزهد: إن للهّ عباداً جعلوا ما كُتب عليهم من الموتِ مثالاً بين أعينهم وقطعوا الأَسباب المُتَّصلة بقلُوبهم من عَلائق الدنيا فهم أنضاءُ عبادته حُلفاء طاعته قد نَضَحوا خُدودهم بوابل دُموعهم وافترشوا جِبِاهَهم في مَحاريبهم يناجون ذا الكِبْرياء

والعَظمة ودَخل قوم على عُمر بن عبد العزيز يَعودونه في مَرضه وفيهم شابٌّ ذابل ناحِل. فقال له عُمر: يا فتى ما بَلغ بك ما أَرى قال: يا أميرَ المؤمنين أمراضُ وأسقام. قال له عمر: لَتَصْدُقَنِّي. قال: بلى يا أمير المؤمنين ذُقت يوماً حلاوةَ الدنيا فوجدتُها

مُرَّةً عواقُبها فاستوى عندي حَجَرُها وذَهَبُها وكأَنِّي أنظر إلى عَرْش ربِّنا بارزاً وإلى الناس يُسَاقون إلى الجنة والنار فأظمأْتُ نَهاري وأسْهَرْتُ ليلي وقليلٌ كلُّ ما أنا فيه في جنْب ثواب الله وخوف عقابه. وقال ابن أبي اَلحَواريّ: قلت لسُفيان: بلغني في قول الله تبارك وتعالى:

" إلاَ مَنْ أتىَ الله بِقَلْب سَلِيم " الذي يَلْقى ربَّه وليس فيه أَحَدٌ غَيْره. فبكى وقال: ما سمعتُ منذ ثلاثين سنةً أحسَنَ من هذا التفسير. وقال الحسنُ: إنّ خوفك حتى تلقى الأمنَ خيرٌ من أمنك حتى تَلقى الخوف. وقال: ينبغي أن يكوِن الخوفُ أغلبَ

على الرجاء فإنّ الرجاء إذا غَلَب الخوفَ فَسَد القلبُ. وقال: عجباَ لمَن خافَ العِقَابَ ولم يَكُف ولمَن رَجا الثوابَ ولم يَعْمل. وقال علي بن أبي طالب كرَّمَ الله وجَهه لرجل: ما تَصْنع فقال: أرجو وأخاف قال: مَن رجا شيئاً طلبه ومَن خاف شيئاً هرب منه.

وقال الفضَيْل بن عياض: إني لأسْتَحِي من الله أن أقول: تَوَكلت على الله ولو توكلت عليه حقَّ التوكل ما خِفْتُ ولا رَجَوْتُ غيره. وقال: مَن خاف الله أخاف الله منه كل شيء ومَن لم يَخف الله أخافَه الله من كل شيء. وقال: وعْد وقال عمر

بن ذَرّ: عبادَ الله لا تَغترُّوا بطول حِلْم الله واحذروا أَسَفَه فإنه قال عزِّ وجلّ: " فلمَّا آسُفونا آنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فأغْرَقْناهم أَجْمَعين. فجعلناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً للآخِرين ". وقال محمد بن سَلاّم: سمعت يونس بن حَبيب يقول: لا تأمن مَن قَطع في خمسة دراهم أشرَفَ عُضو

فيك أن تكون عُقُوبته في الآخرة أضعافَ ذلك. وقال الربيعُ بن خُثَيم: لو أَنَّ لي نَفْسَين إذا غَلِقَتْ إحداهما سَعَت الأخرى في فَكاكِها ولكنها نفس واحدة فإن أنا أوثقتُها مَنْ يَفْكّها وفي الحديث: مَن كانت الدنيا هَمَّه طال في الآخرة غَمُّه ومَن أُخْلِف الوعيدَ لها

عما يُريد ومَن خاف ما بين يَدَيه ضاق ذَرْعاً بما في يديه. وقال محموِد الورٍّاق: يا غافلاَ تَرْنو بِعَيْنَي راقد ومُشَاهِداً للأمر غيرَ مُشَاهِدِ تَصِلُ الذُّنوب إلى الذُّنوب وَتَرْتَجيِ عَرَكَ الجنَان بها وفَوْزَ العَابِد ونسيتَ أَنّ الله أَخْرَجَ آدمَاَ منها إلى الدُنيا بِذَنبِ واحد وقال

نابغة بني شَيْبَان: إنّ مَنْ يَرْكَبُ الفواحشَ سِرَّاً حين يَخلو بسرِّه غيرُ خالي كيف يَخْلو وعنده كاتبَاه شاهدَاه وربُّه ذو الجَلال قال العلماء: لا تشهد على أحد من أهل القِبْلة بجنة ولا بنار يُرْجَى للمُحْسن ويُخاف عليه ويخاف عليه المُسيء ويُرْجَى له. وفي الحديث المرفوع:

إنّ الله يَغْفر ولا يُعيِّر والناسُ يعيَرون ولا يَغْفرون. وفي حديث آخر: لا تُكَفِّروا أهلِ الذنوب. وتُوفِّي رجلٌ في عهد رسول الله ﷺ وكان مُسرفاً على نفسه فرَفع برأسه وهو يجود بِنَفْسِه فإذَا أبواه يَبْكِيَان عند رأسه فقال: ما يًبْكِيكما قالا: نَبْكي لإسرافك على نفسك

قال: لا تَبْكيا فوالله ما يَسُرُّني أن الذي بيد الله منٍ أمريٍ بأيديكما ثم مات. فأتى جبريلُ عليه الصلاة والسلام النبي ﷺ فأخبره أن فتى تُوُفَي اليومَ فأَشهَده بأنه من أهل الجنة. فسأل رسولُ اللهّ ﷺ أبويه عن عَمله فقالا: ما عَلِمنا عنده شيئاً من

خَيْر إلا أنه قال لنا عند الموت كذا وكذا فقال رسول الله ﷺ : مِنِ ها هنا أُوتي إنّ حُسن الظنّ بالله من أفضل العَمل عنده. وتُوفِّي رجل بجوِار ابن ذرّ وكان مُسرفاً على نفسه فتحامَى الناسُ من جنازته وبلغ ذلك عُمَرَ بن ذرّ فأوصى

أهلَه: إذا جهَزتموه فآذِنُوني ففعلوا فَشَهِدَه والناسُ معه فلما أُدْلِيَ وَقَف على قبره فقال: رَحمك الله أبا فُلان فلقد صَحِبْتَ عُمْرَك بالتَّوحيد وعَفَّرْت وَجهك للهّ بالسجود فإنْ قالوا مُذْنِب وذو خَطايا فمن مِنَّا غيرُ مُذْنب و " غير " ذي خطايا هُو الموتُ لا مَنْجَى

من الموت والذي نُحاذِر بعد الموت أَنْكَى وأَفْظَعُ ثمّ قال: اللهمّ فأقِل العَثرة واعفُ عن الزّلّة وعُدْ بِحلمِك على جهل من لم يَرْجُ غيرَك ولم يَثِق إلا بك فإنك واسع المَغفِرة. يا رب أين لذي الخطأ مَهْرب إلا إليك. قال داود بن أبي هِنْد: فبلغنيِ

أنّ سعيد بن المُسَيِّب قال حين بلغه ذلك: لقد رغب إلى مَن لا مَرغب إلا إليه كَرْهاَ وإني أرجو من الله له الرحمة ". الأصمعي قال: سمعتُ أعرابياً يقول في دُعائه واْبتهاله: إلهي ما توهمتُ سَعة رحمتك إلا وكانت نَغْمة عَفْوك تَقْرَع مسامعي: أن قد

غَفَرتُ لك. فصَدِّق ظني بك وحَقِّق رجائي فيك يا إلهي. ومن أحسن ما قيل في الرجاء هذا البيتُ: وإنّي لأرجو الله حتى كأنَّني أرَى بِجَميل الظنّ ما اللَهُ صانِعُ قولهم في التوبة مرَّ المسيح " بن مَريْم " عليه السلام بقَوْم من بني إسرائيل يَبكون

فقال لهم: ما يُبكيكم قالوا: نَبْكيِ لذنوبنا قال: اترُكوها تُغْفَر لكم. وقال عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه: عجباَ لمَن يَهْلك ومعه النجاةُ! قيل له: وما هي قال: التوبة والاستغفار. وقالوا: كان شابّ من بني إسرائيل قد عَبد الله عشرين حِجَّة ثم عصاه عشرين

حجة فبينما هو في بَيْته يتراءَى في مرآته نَظَرَ إلى الشَّيْب في لِحْيته فساءَهُ ذلك فقال: إِلهي أطعتُك عشرين سنةً وعَصيتك عشرين سنة فإن رجعتُ إليك تَقْبَلني فسَمع صوتاً من زاوية البيت ولم ير شَخْصأ: أحْبَبْتنا فأحْبَبْناك وتَرَكْتنَا فتركناك وعَصَيتنا فأمْهَلْنَاك وإن رَجَعت إِلينا قَبلناك.

عبد الله بن العَلاء قال: خرَجنا حُجّاجاً من المدينة. فلمّا كُنّا بالحُلَيفة نَزَلنا فَوَقف علينا رجلٌ عليه أثوابٌ رثّة له منظر وهَيئة فقال: مَنْ يَبغي خادماً مَن يَبْغي ساقياً مَن يملأ قِرْبة أو إدَاوَة فَقُلنا: دونك هذه القِرَبُ فآملأها. فأخذها وانطلق فلم يلبث إلا يسيراً

حتى أقبل وقد امتلأت أثوابُه طيناً فَوَضعها وهو كالمسرور الضاحك ثم قال: لكم غيرُ هذا قلنا: لا وأَطْعَمْناه قارِصاً حازِراً فأخَذه وحَمِد اللهّ وشَكَرَه ثم اعتزل وقعد يأكل أكلَ جائع فأَدْرَكتْني عليه الرّقة فقمتُ إليه بطَعام طيِّب كثير وقلتُ: قد علمتُ أنه لم يَقَعْ منك

القارص موقعاً فدُونك هذا الطعامَ فكُلْه. فَنَظر في وَجْهِي وتَبَسَّم وقال: يا عبد الله إنّما هي فَوْرَةُ هذه النار قد أطفأتُها وضرَب بيده على بطنه. فرجعتُ وقد انكسف بالي لما رأيتُ من هيبته. فقال لي رجلٌ كان إلى جانبي: أتعرفه قلت: ما أعرفه قال: هذا

رجل من بني هاشم من وَلد العبّاس بن عبد المُطّلب كان يَسْكُنً البَصرةَ فتَاب وخَرَجَ منها فَفُقِدَ وما يُعرف له أثر. فأَعْجبني قولُه ثم لحقتُ به وناشدتُه اللهّ وقلتُ له: هل لك أن تعادلني فإن معي فَضْلاً من راحلتي وأنا رجل من بعض أَخْوَالك فجزاني

خيراً وقال: لو أردتُ شيئاً من هذا لكان لي مُعدّاً ثمّ أَنِسَ إليّ وَجَعَل يُحدّثني وقال: أنا رجلٌ من ولد العبّاس كنت أَسكُنُ البَصرة وكنت ذا كِبْر شدِيد وجَبَرُوت وبَذَخ وإني أمرْتُ خادماً أن تَحْشُو لي فِراشاً ومِخَدةً من حرير بوَرْدٍ نَثير ففعلَتْ فإني لنائم

إذ أَيْقَظتني قِمَع وَرْدة أغفلَته الخادمُ فقمتُ إليها فأوْجعتها ضَرْباً. ثم عُدْت إلى مَضْجعي بعد أن خَرج ذلك القِمَع من المِخَدِّة فأتاني آتٍ في منامي في صُورة فَظِيعةٍ فنَهَرَني وَزَبَرَني وقال: أَفِقْ من غَشْيَتِك وأَبْصر من حَيْرَتك ثم أنشأ يقول: يا خَدُ إنّك إنْ تُوَسَّدْ