الله جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ " وأيُّ سبب يا بُني أوْثق من سبب بينك وبين الله تعالى "
إن أنت أخذت به ". أحْي قلبك بالموْعظة ونَوَره بالحكمة وأَمِّنه بالزًّهْد وذَلِّلهُ بالموت وقَوِّهِ بالغِنَى عن الناس وحَذِّرْه صولةَ الدَّهر وتقلُّبَ الأيام والليالي. واعرض عليه أخبارَ الصين وسِرْ في ديارهم وآثارهم فانظرُ ما فعلوه وأين حلُّوا فإنك تَجِدهم قد اْنتقلوا عن دار الأحبّة ونزلوا
دارَ الغُرْبة وكأنك عن قليل يا بنيّ قد صرت كأحدهم فبعْ دنياكَ بآخرتك ولا تبعْ آخرتك بدُنياك ودَع القولَ فيما لا تَعْرِف والأمرَ فيما لا تكلًف وأْمُر بالمعروف بيَدِك ولسانك وَانْهَ عن المنكر بيدك ولسانك وبايِنْ مَن فعَلَه وخُض الغَمَرَاتِ للحق ولا تأخُذْك في الله
لوِمةُ لائم واحفظ وَصيَّتي ولا تَذْهَب عنك صَفْحاً فلا خير في عِلْم لا ينفع. واعلم " أنَّ أمامك طريقاً ذا مسافة بعيدة ومشقة شديدة " وأنه لا غِنى لك فيه عن حُسْن الارتياد مَع بلاغك منِ الزَّاد. فإن أصَبتَ من أهلِ الفاقة مَنْ يحمل عنك
زادك فيُواِفيك به في مَعارك فاغْتنِمه فإن أَمامك عَقَبَةً كَؤُداَ لا يُجاوزها إلا أخفُّ الناس حْملاَ فأَجْمل في الطلب وأحسِن المكتسب فرُب طَلَب قد جرَّ إلى حَرَب وإنما المحْرُوب من حُرِبَ دِينُه والمسلوبُ من سُلِب يقينه. واعلم أنه لا غِنى يَعْدِل الجنَّة ولا فقْرَ يَعْدِل
النار. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. وكتب إلى ابنه محمد بن الحنفية: أنْ تَفَقّه في الدّين وعَوِّد نفسَك الصبر على المَكْروه وكِلْ نَفْسَك في أمورك كلِّها إلى الله عزَّ وجلَّ فإنك تَكِلًها إلى كهف. وأخْلِص المسألة لربِّك فإنّ بيده العَطاء والحِرمان. وأكثر الْاسْتخارة له واعلم
أنَّ من كانت مَطيّته الليلَ والنهار " فإنه " يُسار به وإن كان لا يَسير فإنَّ الله تعالى قد أبى إلا خرابَ الدنيا وعمارة الآخرة. فإن قَدرتَ أن تَزْهد فيها زُهْدَك كلّه فافعل ذلك وإن كنتَ غير قابل نَصِيحتي إيّاك فاعلَم عِلْماً يَقِيناً أنك لن
تَبْلُغ أملك ولن تَعْدو أجلك وأنك في سَبيل مَن كان قَبْلك فأكْرم نفسَك عن كل دَنِيَّة وإن ساقتك إلى الرغائب فإنك لن تَعتاض بما تَبْذُلُ من نفسك " عوضاً ". وإيّاك أن تُوجِف بك مَطايا للطمع وتقول: متى ما أخِّرت نزعتُ فإنَّ هذا أهْلَك مَن
هَلك قَبْلك. وأمسِك عَليك لسانك فإنَ تَلافِيكَ ما فرط من صَمْتك أيْسر عليك من إدراك ما فات من مَنْطقك واحفَظْ ما في الوِعاء بشدّ الوكاء فحُسْن التَّدبير مع الاقتصاد أبْقى لك من الكثير مع الفَساد والحُرْفة مع العِفّة خير من الغِنَى مع الفجور والمَرْء أحفظُ
لسِرّه ولربما سَعى فيما يَضرُه. إياك والاتّكالَ على الأماني فإنها بضائع النَّوكي وتًثبط عن الآخرة والأولى. ومن خير حظّ الدنيا القَرين الصالح فقارنْ أهلَ الخَير تَكُن منهم وباين أهلَ الشر تَبِنْ عنهم ولا يَغْلبنَ عليك سوء الظنّ فإنه لن يَدعَ بينك وبين خليل صُلْحاً. أذك
قلبك بالأدب كما تذكى النار الحطب واعلم أنّ كُفْر النِّعمة لُؤْم وصُحْبة الأحمق شُؤم ومن الِكَرَم مَنْع الحُرَمٍ ومَن حَلُم ساد ومَن تَفَهّم ازداد. آمْحَض أخاك النصيحةَ حسنةًَ كانت أو قبيحةً. لا تَصرْم أخاك على ارتياب ولا تَقْطعه دون استعتاب وليس جزاء من سرّك أن
تَسُوءه. الرزق رِزْقان: رِزْق تَطْلبه ورِزْق يَطلبك فإن لم تأته أتاك. واعلم يا بُني أن مالَك من دُنياك إلا ما أصلحت به من مَثْواك فأنْفق من خَيْرك ولا تَكن خازناً لِغَيرك وإن جَزعْت على ما يُفلت من يديك فاجزع على ما لم يَصِل إليك. ربما
أخطأ البصيرُ قَصْدَه وأبصر الأَعمى رُشْدَه ولم يَهْلك أمرؤ اقتصد ولم يَفْتقر من زَهد. مَن ائتمن الزمانَ خانه ومن تَعظّم عليه أهانه. رأسُ الدين اليقين وتمام الإخلاص اجتناب المَعاصي وخيرُ المَقال ما صَدّقَته الفِعَال. سَلْ عن الرَّفيق قبل الطريق وعن الجار قبل الدّار واحمل لِصَديقك
عليك واقْبل عًذْر مَن اعتذر إليك وأخر الشرَّ ما استطعت فإنك إذا شِئْت تَعجّلته. لا يكن أخوك على قَطِيعتك أقوَى منك على صِلَته وعلى الإساءة أقوى منك على الإحسان. لا تُمَلّكن المرأة من الأمر ما يًجاوز نفسها فإنَّ المرأة رَيْحانة وليست بِقَهْرمانة فإنَّ ذلك أدومُ
لحالها وأرخَى لبالها. واغضُض بصرَها بِستْرك واكفُفْها بحجابك وأكرم الذين بهم تَصُول وإذا تطاولتَ بهم تَطُول. اسأل الله أن يُلْهمك الشكر والرَّشد ويُقَوِّيك على العمل بكل خَيْر ويَصرف عنك كل مَحْذور برحمته والسلامُ عليك ورحمة الله وبركاته.