ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 9 من 14

الأدب الكبير

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 9 من 141,080 كلمة في هذا الجزء

بَابُ

احفظ قول الحكيم الذي قال: لتكن غايتُك فيما بينك وبين عدوِّك العدل، وفيما بينك وبين صديقك الرضاء.

وذلك أنَّ العدوَّ خَصْمٌ تَصْرَعُه بالحجَّة وتغلِبه بالحكّام، وأنَّ الصديق ليس بينك وبينه قاض، فإنَّما هو رضاه حَكَمُه .

بَابُ

اجعل غاية تيّنك في مؤاخاة مَن تؤاخي ومواصلة من تواصل وطينَ نفسك على أنه لا سبيل لك إلى قطيعة أخيك، وإنْ ظهر لك منه ما تكره. فإنه ليس كالمملوك تُعتِقه متى شئت، أو كالمرأة التي تُطِلّقها إذا شئْتَ، ولكنَّه عِرضُك ومروءتك. فإنَّما مُرُوّة الرجل إخوانه وأخدانه. فإِنْ عَثَرَ الناس على أَنك قطعتَ رجلًا من إخوانك — وإنْ كنت مُعذرًا — نزل ذلك عند أكثرهم بمنزلة الخيانة للإخاء والمَلال فيه. وإنْ أنت مع ذلك تصَبَّرْتً على مقاربته على غير الرضَى، عاد ذلك إلى العيب والنقيصة .

فالاتيادَ الاتياد! والتثبُّتَ التثبُّت!

بَابُ

وإذا نظرت في حال من ترتئيه لإخائك، فإنْ كان من إِخوان الدِين، فليكن فقيهًا غير مُراءٍ ولا حريصٍ؛ وإِنْ كان من إِخوان الدنيا، فليكن حرًّا ليس بجاهل ولا كذاب ولا شِرِّير ولا مشنوع .

فإِنَّ الجاهلَ أهلٌ أنْ يهرُبَ منه أبَوَاه؛ وإِنَّ الكذَّاب لا يكون أخًا صادقًا، لأن الكَذِب الذي يجري على لسانه إِنما هو من فضول كذِب قلبه (وإِنما سمي الصديق من الصدق، وقد يُتَّهم صِدق القلب وإِنْ صدق اللسان، فكيف إذا ظهر الكذب على اللسان؟)؛ وإن الشِرِّير يَكسِبُك الأعداء، ولا حاجة لك في صداقةٍ تجلب العداوة؛ وإنَّ المشنوع شانِعٌ صاحبَهُ.

بَابُ

تحرَّزْ من سُكْر السلطان وسُكْر المال وسُكْر العلم وسُكْر المنزلة وسُكْر الشباب. فانه ليس من هذا شيءٌ إلا هو ريح جِنَّة تَسْلِب العقل وتَذهَب بالوقار وتَصْرِف القلبَ والسمعَ والبصرَ واللسان إلى غير المنافع.

بَابُ

اعلم أنَّ انقباضك عن الناس يُكسِبُك العداوة، وأنَّ تقرُّبك إليهم يكسبك صديق السوء. وسوءُ الأصدقاء أضرُّ من بُغْض الأعداء. فإنك إِنْ واصلتَ صديق السوء عْيَتْك جرائرُه، وإن قطعته شانَك اسم القطيعة وألزمك ذلك من يرفع عيبَك ولا ينشرُ عُذرَك. فإن المعايب تَنْمي والمعاذيرَ لا تنمي .

بَابُ

الْبَسْ للناس لباسين ليس للعاقل بُدٌّ منهما، ولا عيشَ ولا مروءة إلَّا بهما:

لباسَ انقباض واحتجاز من الناس، تلبسه للعامة فلا يلقَوْنَك إلَّا متحفِّظًا متشددًا متحرِّزًا مستعدًّا؛

ولباسَ انبساط واستئناس، تلبَسُهُ للخاصّة الثقات من أصدقائك. فتلقاهم بذات صدرك وتُفضي إليهم بمصون حديثك وتضع عنك مئونة الحَذَر والتحفُّظ فيما بينك وبينهم.

وأهل هذه الطبقة — الذين هم أهلها — قليلٌ من قليل حقًّا. لأن ذا الرأي لا يُدخل أحدًا من نفسه هذا المَدْخَل إِلَّا بعد الاختبار والتكشُّف والثقة بصدق النصيحة ووفاء العهد .

∴

إِعلم أَنَّ لسانك أداةٌ مُصْلَتَةٌ ، يتغالب عليه عقلك وغضبك وهواك وجهلك. فكلُّ غالب عليه مستمع به وصارفه في محبته. فإذا غلب عليه عقلك فهو لك، وإنْ غلب عليه شيءٌ من أشباه ما سمَّيْتُ لك فهو لعدوك.

فإِنِ استطعتَ أنْ تحتفظ به وتصونه فلا يكون إلَّا لك، ولا يستولي عليه أو يشاركك فيه عدوُّك فافْعَلْ.

∴

إذا نابتْ أَخاك إِحدَى النوائب من زوال نعمة أو نزول بليَّة، فاعلم أَنك قد ابتُليت معه: إمَّا بالمؤاساة فتشاركه في البليَّة، وإمَّا بالخذلان فتحتمل العار .

فالتمس المَخرج عند أشباه ذلك، وآثِر مُرُوءَتك على ما سواها.

فإن نزلت الجائحة التي تأبى نفسُك مشاركة أخيك فيها فأجمل . فلعلَّ الإجمال يَسَعُك؛ لقلَّة الإِجمال في الناس.

بَـابُ

إذا أصاب أخوك فضلَ منزلة أو سلطان فلا تُرِيَنَّه أنَّ سلطانه قد زادك له وُدًّا، ولا يعرِفَنَّ منك عليه بماضي إخائك تدلُّلًا. وأَرِهِ أنَّ سلطانه زادك له توقيرًا وإجلالًا من غير أنْ يقدِر أنْ يزيده وُدًّا ولا نُصحًا، وأنك ترى حقًّا للسلطان التوقيرَ والإجلال. فكُنْ في المداراة له والرفق به كالمؤتنف لما قبله! ولا تقدِّر الأمور فيما بينك وبينه على شيء مما كنت تعرِف من أخلاقه! فإنَّ الأخلاقَ مستحيلةٌ مع السلطان. وربما رأينا الرجل المُدِلَّ على السلطان بقِدَمِه قد أضرَّ به قِدَمُه.

بَابُ

لا تعتذرنَّ إلَّا إلى مَن يُحِبُّ أنْ يجد لك عذرًا، ولا تستعينَّ إلَّا بمن يُحب أنْ يُظفِرَك بحاجتك. ولا تُحدِّثنَّ إلَّا من يرى حديثك مَغْنَمًا، ما لم يغلِبْك اضطرارٌ.

بَابُ

إذا غَرَسْتَ من المعروف غَرسًا وأنفقت عليه نفقةً فلا تَضِنَّنَّ في تربية ما غرست واستنمائه، فتذهب النفقة الأولى ضَياعًا .

∴

إذا أعتذر إليك معتذر، فتلفه بوجه مُشْرِقٍ وبشر ولسان طلقٍ إلا أن يكون ممن قطيعته غنيمة.

بَابُ

اعلم أنَّ إخوان الصدق هم خير مكاسب الدنيا. هم زينةٌ في الرخاء وعُدَّةٌ في الشدَّة ومعونةٌ على خير المعاش والمعاد. فلا تُفَرّطَنَّ في اكتسابهم وابتغاء الوُصُلات والأسباب إليهم.

اعلم أنك واجدٌ رغبتك من الإخاء عند أقوام قد حالتْ بينك وبينهم بعض الأُبَّهة التي قد تعتري بعض أهل المروآت فتحجز عنهم كثيرًا ممن يرغب في أمثالهم. فإذا رأيت أحدًا من أولئك قد عَثَر به الدهر وعَرفتَ نفسك أَنَّه ليس عليك في دُنوِّك منه وابتغائك مودَّته وتواضعك له مَذَلَّةٌ، فاغتنم ذلك منه واعمل فيه.

∴

إذا كانت لك عند أحد صنيعةٌ أو كان لك عليه طَوْلٌ فالتمس إِحياءَ ذلك بإِماتته وتعظيمه بالتصغير له. ولا تقتصرنَّ في قلة المنِّ به على أنْ تقول: «لا أذكُرُهُ ولا أصغي بسمعي إلى مَن يذكره». فإن هذا قد يستحي منه بعض من لا يوصف بعقل ولا كَرَم. ولكن احذَرْ أنْ يكونَ في مجالستك إيَّاه وما تُكلِّمُهُ به أو تستعينُهُ عليه أو تُجاريه فيه شيءٌ من الاستطالة. فإِنّ الاستطالةَ تهدِم الصنيعة وتُكدِّر المعروف.