بَابُ
إذا كنتَ في قوم ليسوا بُلَغاء ولا فُصحاءَ، فَدَعِ التطاوُل عليهم بالبلاغة والفصاحة.
بَابُ
واعلمْ أنَّ بعضَ شدَّةِ الحَذَرِ عَوْنُ عليك لِمَا تَحْذَرُ، وأَنَّ بعضَ شدَّة الاتِّقاء مِمَّا يدعو إليك ما تَتقي.
بَابُ
إن رأيتَ نفسك تصاغَرَت إليها الدنيا، أو دعتْكَ إلى الزهادة فيها على حال تعذُّر من الدنيا عليك، فلا يغرَّنَّكَ ذلك من نفسك على تلك الحال. فإنها ليست بزهادة ولكنَّها ضجرٌ واستخذاء وتعيير نفس عليك عند ما أعجزك من الدنيا وغضبٌ منك عليها لِمَا الْتَوى عليك منها. ولو تَمَّمْتَ على رفضها وأمْسكتَ عن طلبها، أوْشَكْتَ أنْ تَرى من نفسك من الضَّجَر والجزَعِ أشَدَّ من ضَجَرِك الأوَّل بأضعافٍ. ولكنْ إذا دَعَنْك نفسُك إلى رفض الدنيا وهي مقبلة عليك، فأسْرِعْ إجابتها.
بَابُ
اعرف عوراتك. إيَّاك أن تُعَرِّض بأحدٍ فيما ضارعها ! وإذا ذُكِرَتْ من أحدٍ خليقةٌ فلا تُناضل عنه مُناضلَةَ المُدافع عن نفسه، المُصغِّرِ لِمَا يعيبُ الناسُ منه، فَتُتَّهَمَ بمثلها؛ ولا تُلحَّ كُلَّ الإلحاح. وليكُنْ ما كان منك في غير احتلاط ، فإنَّ الاحتلاط من محقِّقَات الرِّيَبِ.
بَابُ
إذا كنتَ في جماعةِ قومٍ أبدًا، فلا تَعُمَّنَّ جيلًا من ٱلناس أو أمَّة من الأمم بشَتْم ولا ذَمٍّ. فإنَّك لا تدري لعلك تتناول بعض أعراض جُلسائك مُخطِئًا، فلا تأمَن مُكافأتَهُم ؛ أو مُتعمِّدًا، فتُنْسَبُ إلى السَّفَهِ. ولا تَذُمَّنَّ مع ذلك ٱسمًا من أسماء الرجال أو النساء بِأنْ تقول: إنَّ هذا لقبيحٌ من الأسماء! فإنَّك لا تدري لعلَّ ذلك غير موافق لبعض جُلسائك، ولعله يكون بعض أسماء الأهلين والحُرَم . ولا تستصغرَنَّ من هذا شيئًا. فكلُّ ذلك يجرَحُ في القلب. وجُرْحُ اللّسان أشَدُّ من جرح اليدِ.
∴
واعلم أنَّ الناس يَخْدعون أنفُسَهم بالتعريض والتوقيع بالرجال في التماس مثَالبهم ومَساويهم، وتنقصهم . وكلُّ ذلك أبْيَنُ عند سامعيه من وَضَحَ الصُّبْحِ. فلا تكونَنَّ من ذلك في غرور، ولا تجعلنَّ نفسك من أهله.
بَابُ
اعلم أنَّ مِن تنكُّب الأمور ما يُسمَّى حَذَرًا، ومنه ما يُسمَّى خَوَرًا. فإن استطعت أنْ يكون لحينِك من الأمر قبل مواقعتك إياه، فافعلْ. فإنّ هذا الحَذَرُ. ولا تنغَمِس فيه ثم تتهَيَّبُهُ، فإنّ هذا هو الخَوَرُ. فإنَّ الحكيم لا يخوض نهرًا حتى يعلم مقدار قَغْرِه.
بَابُ
قد رأينا من سُوء المجالسة أنَّ الرجل تثقُلُ عليه النعمة يراها بصاحبه. فيكون ما يشتفي بصاحبه — في تصغير أمره وتكدير النعمة عليه — أنْ يذكر الزوال والفناء والدوَل، كأنَّهُ واعظٌ وقاصٌّ. فلا يخفى ذلك على من يُعنَى به، ولا غيره. ولا يُنَزَّل قولُهُ بمنزلة الموعظة والإبلاغ، ولكن بمنزلة الضَّجَر من النعمة — إذا رآها لغيره — والاغتمامِ بها والاستراحةِ إلى غير رَوْحٍ.
∴
وإني مخْبرك عن صاحبٍ لي، كان من أعظم الناس في عيني. وكان رأسُ ما أعظمَهُ في عيني صِغَرَ الدنيا في عينه. كان خارجًا من سلطان بطنه، فلا يتشهَّى ما لا يجد ولا يُكثر إذا وَجَدَ؛ وكان خارجًا من سلطان فَرْجِهِ، فلا يدعو إليه ريبة ولا يستخفُّ له رأيًا ولا بدنًا؛ وكان خارجًا من سلطان لسانه، فلا يقول ما لا يَعْلَمُ ولا ينازع فيما يعلم؛ وكان خارجًا من سلطان الجهالة فلا يُقْدِمُ أبدًا إلا على ثقةٍ بمنفعةٍ. كان أكثَرَ دهره صامتًا، فإذا نطق بَذَّ الناطقين. كان
يُرَى متضاعفًا مستضْعَفًا، فإذا جاء الجِدُّ فهو الليث عاديًا. كان لا يدخُل في دَعْوى، ولا يشترك في مِراءٍ، ولا يُدْلي بحُجَّة، حتى يَرى قاضيًا عَدْلًا وشُهودًا عُدُولًا. وكان لا يلوم أحدًا على ما قد يكون العذر في مثله، حتى يعلم ما اعتذاره. وكان لا يشكو وجعًا إلَّا إلى مَن يرجو عنده البُرْءَ. وكان لا يستشير صاحبًا إلى من يرجو عنده النصيحة. وكان لا يتبرَّم، ولا يتسخَّط ولا يتشهَّى، ولا يتشكَّى. وكان لا ينقمُ على الوليِّ، ولا يَغْفُلُ عن العدُوِّ، ولا يخصُّ نفسَه دون إخوانه بشيء
من اهتمامه وحيلته وقوته.
فعليك بهذه الأخلاق إنْ أطقتَ، ولن تطيق. ولكنَّ أخذَ القليل خيرٌ من ترك الجميع .
∴
واعلم أنَّ خيْر طبقاتِ أهل الدنيا طبقةٌ أصِفُها لك: مَنْ لَمْ ترتفِعْ عن الوضيعِ ولم تتَّضِع عن الرفيع.
تصويبات
NewPP limit report Parsed by mw‐web.eqiad.main‐f9854c69d‐qlcvg Cached time: 20260917221326 Cache expiry: 2592000 Reduced expiry: false Complications: [vary‐revision‐sha1] CPU time usage: 0.622 seconds Real time usage: 0.972 seconds Preprocessor visited node count: 5634/1000000 Revision size: 457/2097152 bytes Post‐expand include size: 135498/2097152 bytes Template argument size: 18584/2097152 bytes Highest expansion depth: 8/100 Expensive parser function count: 0/500 Unstrip recursion depth: 1/20 Unstrip post‐expand size: 232943/5000000 bytes Lua time usage: 0.080/10.000 seconds Lua memory usage: 2868598/52428800 bytes Number of Wikibase entities loaded: 0/500
Transclusion expansion time report (%,ms,calls,template) 100.00% 914.020 1 -total 9.71% 88.776 57 قالب:ع2 9.05% 82.720 1 قالب:حواشي 8.22% 75.141 1 قالب:ترويسة 5.28% 48.224 21 قالب:أبيات 3.47% 31.683 1 صفحة:الأدب_الكبير.pdf/70 2.98% 27.268 1 صفحة:الأدب_الكبير.pdf/99 2.98% 27.242 70 ميدياويكي:Proofreadpage_pagenum_template 1.66% 15.204 1 صفحة:الأدب_الكبير.pdf/121 1.65% 15.074 25 قالب:وسط
Render ID 010bd4c1-b2e5-11f1-a889-cf7f4d8138d2
Saved in parser cache with key arwikisource:pcache:241892:|#|:idhash:canonical and timestamp 20260917221326 and revision id 601961. Rendering was triggered because: page_view