ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 12 من 14

الأدب الكبير

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 12 من 14984 كلمة في هذا الجزء

بَابُ

إذا أعملتَ الرأي مُعْمَلَهُ وجعلتَ شغلك في حقّه، واجْعَلْ لنفسك في كلّ شغلٍ غايةً ترجو القوة والتمام عليها.

بَابُ

اعلمْ أنك إنْ جاوزتَ الغاية في العبادة، صِرْتَ إلى التقصير؛ وإنْ جاوزتَها في حَمْل العلم، لحقت بالجهَّال؛ وإن جاوزتَها في تكلُّف رضَى الناس والخفَّة معهم في حاجاتهم، كنت المُحسَّر المُضيَّع .

بَابُ

واعلم أنَّ بعض العطيَّة لُؤْمٌ ، وبعض السلاطة غمٌّ، وبعض البيان عِيٌّ، وبعض العلم جهلٌ. فإنِ استطعتَ أن لا يكون عطاؤك جورًا ولا بيانك هَذَرًا ولا علمك وبالًا، فافعل.

بَابُ

اعلم أَنَّه ستمُرُّ عليك أحاديث تُعجِبك: إِمَّا مليحةٌ وإمَّا رائعة.

فإذا أعجَبتْك، كنتَ خليقًا أنْ تحفظها. فإِنَّ الحفظ موكَّلٌ بما مَلُحَ ورَاعَ. وستحرِصُ على أنْ تُعْجَبَ منها الأقوامُ. فإِن الحِرْص على التعجُّب من شأن الناس. وليس كل مُعْجِب لك مُعجِبًا لغيرك.

فإذا نَشَرْتَ ذلك المرَّة والمرَّتين، فلم تَرَهُ وَقَعَ من السامعين موقعَه منك، فانزجرْ عن العودة. فإنَّ العَجُّبَ من غيْر عَجَبٍ سُخْفٌ شديدٌ.

وقد رأيْنا من الناس مَن تعلَّق بالشيء ولا يُقْلعُ عنه وعن الحديث به، ولا يمنعه قِلَّة قبول أصحابه له من أنْ يعود إليه ثم يعود.

ثمَّ انظُرِ الأخبار الرَّائعة فتحفَّظ منها. فإنّ الإنسان من شأْنه الحِرصُ على الإخبار، ولا سيّما ما يَرتاع الناس له. فأكْثَرُ الناسِ مَن يُحدِّث بما سمع، ولا يبالي ممن سمِعَ. وذلك مَفْسَدة للصدق ومَزْرَأَة بالمُرُوءة.

فإن استطعتَ أنْ لا تُخبِرَ بشيءٍ إلَّا وأنت به مصدِّقٌ (لا يكون تصديقك إلَّا ببرهانٍ)، فافعل. ولا تقل كما يقول السفهاء: «أُخْبِرُ بما سمِعْتُ.»

فإن الكَذِبَ أكثرُ ما أنت سامِعٌ، وإنَّ السُّفَهاء أكثرُ مَن هو قائلٌ. وإنَّك إنْ صِرتَ للأحاديث واعيًا وحاملًا، كان ما تَعِي وتحملُ عن العامَّة أكثرَ مما يَخترعُ المخترعُ بأضعافٍ.

∴

انظر مَن صاحبْتَ من الناس، من ذي فضْلٍ عليك بسلطانٍ أو منزلةٍ، أو مَن دُون ذلك من الأَكْفاءِ والخُلَطاءِ والإخوان، فوَطِّنْ نَفْسَك في صُحبته على أنْ تقبَلَ منه العفوَ وتسخُو نفسُك عما اعتاصَ عليك ممَّا قِبَلَه، غيْرَ معاتبٍ ولا مُستبطئٍ ولا مُستزيدٍ. فإنَّ المعاتبة مَقطَعةٌ للوُدِّ، وإنَّ الاستزادة من الجشع، وإنَّ الرضا بالعفو والمسامحة في الخُلُق مُقَرِّبٌ لك كلَّ ما تَتُوق إليه نفسُك، مع بقاء العِرض والمودَّة والمُرُوءة

∴

واعلَمْ أنَّك ستُبْلَى من أقوامٍ بسَفَهٍ، وأنَّ سَفهَ السفيه سَيُطْلِعُ له منك حقدًا. فإن عارضته أو كافأْتَه بالسَّفَه فكأنَّك قد رَضِيتَ ما أتى به، فأحببتَ أنْ تحتذيَ على مثاله. فإنْ كان ذلك عندك مذمومًا، فحقِق ذمَّك إيَّاه بترك معارضته. فأمَّا أنْ تذمَّه وتمتثلَه، فليس ذلك لك سَدادٌ.

لا تصاحبنَّ أحدًا (وإنْ استأنستَ به أخًا ذا قرابة أو أخًا ذا مودَّة) ولا والدًا ولا ولدًا إلَّا بمروءة. فإن كثيرًا من أهل المُرُوءة قد تحملهم الاسترسال والبذُّل على أنْ يصحبوا كثيرًا من الخُلَطاء بالإدلال والتهاون والتبذُّل.

ومن فَقَدَ من صاحبه صُحبة المروءة ووقارَها وجلالَها، أحدثَ ذلك له في قلبه رِقَّة شأن وسُخف منزلة.

بَابُ

ولا تلتمس غَلَبَةَ صاحبك والظَّفَرَ عليه عند كلِّ كلمةٍ ورأيٍ، ولا تجترئَنَّ على تقريعه بظَفَرك إذا استبان، وحُجَّتك عليه إذا وَضَحَت.

فإنّ أقوامًا قد يحملهم حُبُّ الغَلَبَة وسَفَهُ الرأْي في ذلك على أنْ يتعقَّبوا الكلمة بعد ما تُنْسى فيلتمسوا فيها الحُجَّة، ثم يستطيلون بها على الأصحاب. وذلك ضَعْفٌ في العقل ولُؤْمٌ في الأخلاق.

بَابُ

لا يُعجبنَّك إكرام مَن يكرمك لمنزلةٍ أو لسلطانٍ فإِنَّ السلطان أوشكُ أمور الدنيا زوالًا. ولا يُعجبنَّك إكرامُ مَن يكرمك للمال، فإنّه هو الذي يتلو السلطان في سرعة الزوال. ولا يُعجبنَّك إكرامهم إيَّاك للنسب، فإن الأنساب أقلُّ مناقب الخير غَناءً عن أهلها في الدِّين والدنيا .

ولكنْ إذا أُكْرِمْتَ على دِينٍ أو مُرُوءَةٍ فذلك فليعجبك! فإنَّ المُرُوءة لا تزايلك في الدنيا، وإنَّ الدين لا يزايلك في الآخرة.

بَابُ

اعلم أنَّ الجبنَ مقتلةٌ وأنَّ الحرص مَحْرَمَةٌ . فانظر فيما رأيتَ أو سمعت: أمَنْ قُتِل في القتال مُقبِلًا أكثرُ، أم من قُتِل مُدبِرًا؛ وانظر أمَنْ يطلب إليك بالإجمال والتكرُّم أحقُّ أنْ تسخُوَ نفسك له بطَلبته أمَّن يطلب إليك بالشَّرَة والزيغ ؟

بَابُ

واعلم أنَّه ليس كلُّ مَن كان لك فيه هوًى، فذَكرَهُ ذاكرٌ بسوءٍ وذكرتَه أنت بخير ينفعه ذلك، بل عسى أنْ يضرَّه.

فلا يستخفنَّك ذِكرُ أحدٍ من صديقك أو عدوك، إلَّا في مواطن دفعٍ أو محاماة. فإنَّ صديقك — إذا وثق بك في مواطن المحاماة — لم يحفِل بما تركتَ مما سوى ذلك، ولم يكن له عليك سبيلُ لائمةٍ.

وإنَّ من أحزم الرأي لك في أمر عدوِّك أنْ لا تذكره إلَّا حيث تضرُّه، وأن لَّا تَعدَّ يسيرَ الضرر له ضررًا.