بَابُ
إذا سأل الوالي غيرَك فلا تكوننَّ أنت المُجيبَ عنه. فإن اسْتِلابَك الكلامَ خِفَّةٌ بك، واستخفاف منك بالمسؤول وبالسائل.
وما أنت قائلٌ إنْ قال لك السائل: ما إياك سألتُ! أو قال لك المسؤُول عند المسألة يُعادُ له بها: دونك فأجب!
وإذا لم يقصد السائل في المسألة لرجل واحد وعَمَّ بها جماعة مَن عنده، فلا تُبادرنَّ بالجواب، ولا تُسابق الجُلَساء، ولا تُواثِبْ بالكلام مواثبةً. فإن ذلك يجمع مع الشَّيْنِ التكلُّفَ والخِفَّةَ.
فإنّك إذا سبَقْتََ القومَ إلى الكلام، صاروا لكلامِكَ خُصَمَاء فتعقبوه بالعيب والطعن. وإذا أنت لم تعجَل بالجواب وخليته للقوم، اعْتَرَضتَ أقاويلهم على عينك، ثم تَدَبَّرتها وفكَّرْتَ فيما عندَك، ثم هيَّأت من تفكيرك ومحاسنِ ما سمعتَ جوابًا رضيًّا، ثم استدبرتَ به أقاويلهم حين تُصِيخُ إليك الأسماعُ ويهدأ عنك الخصومُ .
وإنْ لم يَبْلُغْكَ الكلام حتى يُكْتَفَى بغيرك، أو ينقطعَ الحديث قبلَ ذلك، فلا يكونُ من العَيْبِ عنِدَك ولا من الغَبْنِ في نفسك فَوْتُ ما فاتك من الجواب.
فإنَّ صيانَة القول خيرٌ من سوء وضعه، وإنَّ كلمةً واحدةً من الصَّواب تُصيبُ موضِعَها خيرٌ من مائة كلمة تقولُها في غير فُرَصِها ومواضعها. مع أنَّ كلام العَجَلة والبدارِ مُوَكَّلٌ به الزَّلل وسوءُ التقدير، وإنْ ظنَّ صاحبُه أنَّه قد أتقنَ وأحكم.
واعلم أنَّ هذه الأُمور لا تُدْرَك ولا تُمْلَك إلَّا برُحْبِ الذَّرْع عند ما قيل وما لم يُقَل، وقلَّةِ الإعظام لما ظهر من المُرُوءَة أو لم يَظْهَر، وسَخاوَةِ النفس عن كثيرٍ من الصَّواب، مخافة الخلاف ومَخَافَة العَجَلَة ومخافة الحَسَد ومَخَافَة المِرَاءِ.
بَابُ
إذا كلَّمك الوالي فأصغِ إلى كلامه. ولا تَشْغَل طَرْفَك عنه بنظرٍ إلى غيره، ولا أطرافك بعملٍ، ولا قلبك بحديث نفس.
واحذر هذه الخصلة من نفسك، وتعاهدْها بجهدك.
بَابُ
ارْفُقْ بنُظَرائك من وزراء السلطان وأَخِلَّائِهِ ودُخلائه. واتَّخذهم إخوانًا ولا تتَّخذهم أعداءً. ولا تنافِسْهم في الكلمة يتقربون بها أو العمل يُؤمَرون به دُونك.
فإنِّما أنت في ذلك أحدُ رجلين:
إمَّا أنْ يكونَ عندك فَضْلٌ على ما عندَ غيْرِك، فسَوْف يبدو ذلك ويُحتاج إليه ويُلتمسُ منك، وأنت مُجْمِلٌ .
وإمَّا أن لا يكون ذلك عندك، فما أَنْتَ مُصيبٌ من حاجتك عند وزراء السلطان بمُقارَبتك وملائمتك إيَّاهم ومُلاينتِك.
وما أنت واجدٌ في موافقتك إيَّاهم ولِينك لهم من مُوافقتهم إياك ولِينهم لك أفضل ممَّا أنت مُدْرِكٌ بالمنافسة والمنافرة لهم.
∴
لا تَجْتَرِئَنَّ على خِلاف أصحابك عند الوالي، ثِقةً باعترافهم لك ومعرفتهم بفضل رأيك.
فإنَّا قد رأَيْنَا الناسَ يَعْتَرِفون بفضل الرجل وينقادون له ويتعلَّمون منه، وهم أخْلِيَاءٌ. فإذا حَضَرُوا السلطان، لم يَرْضَ أحدٌ منهم أنْ يُقِرَّ له ولا أنْ يكون له عليه في الرأي والعِلْم فضلٌ، فاجتَرَأوا عليه بالخلاف والنَّقْض.
فإِنْ ناقضهم، صار كأحدهم. وليس بواجدٍ في كل حين سامعًا فَهِمًا أو قاضيًا عَدْلًا.
وإنْ تَرَكَ مناقضتهم، كان مغلوبَ الرَّأي مردودَ القول.
∴
إذا أَصبْتَ عند السلطان لُطْفَ منزلة — لغَناء يَجِده عندك أو هوًى يكون له فيك — فلا تَطْمحنَّ كلَّ الطِّماح ولا تُزيِّننَّ لك نفسُك المزايلة له عن أليفه وموضع ثقته وسرِّه قَبْلَك، تُريدُ أنْ تقْلَعه وتَدْخُل دونه. فإنَّ هذه خَلَّة من خلال السَّفَهِ قد يُبْتلَى بها الحُلماءُ عند الدُّنُوِّ من السلطان حتى يُحدِّثَ الرجل منهم نفسَهُ أنْ يكونَ دُونَ الأَهْلِ والولد: لفضلٍ يظُنُّه بنفسه أو نقصٍ يَظُنُّه بغيره.
ولكلِّ رجلٍ من الملوك أو ذوي هيئةٍ من السُّوقة أليفٌ وأنيسٌ، قد عَرَفَ رُوحه رُوحه واطَّلع قلبه على قلبه، فليستْ عليه مَؤونة في تبذُّل يتبذَّلُه عنده، أو رأيٍ يسْتَبِين منه، أو سرٍّ يفشيه إليه. غير أنَّ تلك الأنَسَة وذلك الإلْف يَسْتخرج من كل واحد منهما ما لم يكن ليظهرَ منه عند الانقباض والتشدُّد. ولو التمس مُلتمسٌ مثل ذلك عند مَن يستأنِف ملاطفته ومؤانسته ومناسمته — وإنْ كان ذا فضل في الرّأي وبَسْطةٍ في العلم — لم يجِدْ عنده مِثْلَ ما هو مُنتفِعٌ به ممَّن هو
دون ذلك في الرأي ممن قد كُفي مؤانستَهُ ووقع على طباعه.
لأنَّ الأنَسَةَ رَوْحٌ للقلوب، وأنَّ الوَحْشَةَ رَوْعٌ عليها. ولا يَلْتَاطُ بالقلوب إلَّا ما لانَ عليها. ومَنِ استقبل الأُنس بالوحشة استقبلَ أمرًا ذا مؤونة .
فإذا كلَّفتْك نفسُك السُّمُوَّ إلى منزلة من وصفتُ لك، فاقْدَعْها عن ذلك بمعرفة فضل الأليف والأنيس. وإذا حدَّثْتك نفسك أو غيرُك — ممن لعلَّهُ أنْ يكون عنده فضل في مُرُوءة — أنك أولى بالمنزلة عند السلطان من بعض دُخلائه وثقاته، فاذكر الذي على السلطان من حقِّ أليفه وثقته وأنيسه في التكرِمة والمكانة والرأي، والذي يُعينه على ذلك من الرأي الذي يَجِدُه عند من الأليف والأنيس مما ليس واجدًا عند غيره.
فليكنْ هذا مما تتحفَّظُ فيه على نفسك وتعرِفُ فيه عذر السلطان ورأيه.
والرأي لنفسك مِثْلُ ذلك، إنْ أرادك مُريدٌ على الدخول دون أليفك وأنيسك وموضع ثقتك وسِرِّك وجِدِّك وهزلك.
∴
واعلم أنه يكاد يكون لكل رجل غالبة حديث لا يزال يُحدِّث به: إمَّا عن بلد من البُلدان أو ضَرْبٍ من ضروب العلم أو صِنف من صنوف الناس أو وجه من وجوه الرأي. وعندما يُغرَمُ به الرجل من ذلك، يبدُو منه السُّخْف ويُعرَف منه الهوىَ.
فاجتنبْ ذلك في كل موطن، ثُمَّ عند السلطان خاصَّةً.