بَابُ
احترس من سَوْرة الغضب وسَوْرة الحمية وسَوْرة الحقد وسَوْرة الجهل وأعدِدْ لكلِّ شيء من ذلك عُدَّةً تجاهده بها من الحلم والتفكُّر والرويَّة، وذِكر العاقبة وطلب الفضيلة.
واعلم أنَّك لا تُصيبُ الغَلَبة إلَّا بالاجتهاد والفضل، وأنَّ قِلَّة الإعداد لمدافعة الطبائع المتطلعة هو الاستسلام لها. فإنّه ليس أحَدٌ من الناس إلَّا وفيه من كل طبيعةٍ سوء غريزة. وإنما التفاضل بين الناس في مغالبة طبائع السوء.
فأمَّا أنْ يَسْلمَ أحدٌ من أنْ تكون فيه تلك الغرائز شيءٌ، فليس في ذلك مطمعٌ. إلَّا أنَّ الرجل القويَّ، إذا يَرُدُّها بالقمع لها كلما تطلَّعتْ، لم يلبث أنْ يُميتها حتى كأنها ليست فيه. وهي في ذلك كامنة ككُمون النار في العُود والحجر. فإذا وَجَدت قادحًا من علة أو غفلةً، استورت كما تستوري النار عند القدح في الحطب ثم لا يبدأ ضرُّها إلَّا بصاحبها، كما لا تبدأ النار إلَّا بعُودها الذي كانت فيه.
بَابُ
ذَلِّلْ نفسك بالصبر على جار السوء، وعشير السوء، وجليس السوء. فإن ذلك مما لا يكاد يُخْطِئُك.
واعلم أنَّ الصبر صبران: صبرٌ المرء على ما يكرَهُ، وصبره عما يُحِبُّ.
والصبر على المكروه أكبرهما ، وأشبههما أنْ يكون صاحبه مُضطَرًّا.
واعلم أنَّ اللئام أصبر أجسادًا، وأنَّ الكرام هم أصبر نفوسًا.
وليس الصبر الممدوح بأنْ يكون جِلْدُ الرجل وَقَاحًا على الضرب، أو رِجلُه قويَّة على المشي، أو يدُه قويةً على العمل. فإنما هذا من صفات الحَمير.
ولكنَّ الصبر الممدوح أنْ يكون للنفس غَلُوبًا، وللأمور محتملًا، وفي الضَّرَّاء متجمَّلًا ، ولنفسه عند الرأي والحِفَاظِ مرتبطًا، وللحزم مُؤْثِرًا، وللهوَى تاركًا، وللمشقّة التي يرجو حسن عاقبتها مستخفًّا، ولنفسه على مجاهدة الأهواء والشهوات مُوَطِّنًا ولبصيرته بعزمه مُنفِّذًا.
∴
حبِّبْ إلى نفسك العلْمَ حتى تلزمه وتألفه، ويكون هو لهْوَك ولذَّتك وسلوتك وتعلُّلَك وشهْوَتك.
واعلم أنَّ العلم علمان: علمٌ للمنافع، وعلمٌ لتذكية العقول.
وأفشى العِلْمين وأحراهما أنْ يَنْشطَ له صاحبُه من غير أنْ يُحَضَّ عليه علمُ المنافع. والعلْمُ الذي هو ذكاء العقول وصِقالها وجلاؤُها له فضيلة منزلةٍ عند أهل الفضيلة والألباب.
بَابُ
عوِّدْ نفسك السخاء.
واعلم أنه سخاآن: سَخاوةُ نفْس الرجل بما في يديه، وسخاوته عما في أيْدي الناس.
وسَخاوة نفْس الرجل بما في يديه أكثرهما وأقربهما من أنْ تدخل فيه المفاخرة. وتركه ما في أيدي الناس أمحضُ في التكرُّم وأبرأُ من الدَّنَس وأنزه.
فإن هو جمعهما فَبَذَلَ وعفَّ، فقد استكمل الجود والكرم.
بَابُ
ليكن مما تصرف به الأذى والعذاب عن نفسك أن لا تكون حسودًا.
واعلم أنّ الحسد خُلُقٌ لئيمٌ. ومن لؤمه أنه موكَّل بالأدنى فالأدنى من الأقارب والأكْفاء والمعارف والخُلَطاء والإخوان.
فليكن ما تعامل به الحسدَ أنْ تعلَمَ أنَّ خير ما تكونُ حين تكون مع من هو خير منك، وأنَّ غُنْمًا حسنًا لك أنْ يكون عشيرك وخليطك أفضلَ منك في العلم فتقتبسَ من علمه، وأفضلَ منك في القوَّة فيدفع عنك بقوّته، وأفضلَ منك في المال فتُفيدَ من ماله، وأفضلَ منك في الجاه فتُصيبَ حاجتك بجاهه، وأفضلَ منك في الدِّين فتزدادَ صلاحًا بصلاحه.
بَابُ
ليكنْ مما تنظر فيه من أمر عدوِّك وحاسدك أن تعلم أنه لا ينفعُك أنْ تخبِر عدوَّك وحاسدَك أنَّك له عدوٌّ، فتُنْذِرُهُ بنفسك وتُؤذِنه بحربك قبل الإعداد والفرصة. فتحملُه على التسلُّح لك وتُوقِدُ ناره عليك.
∴
واعلمْ أنَّه أعظمُ لَخطرِك أنْ يرى عدوُّك أنّك لا تتخذه عدوًّا. فإِنّ ذلك غِرَّةٌ له وسبيلٌ لك إلى القدرة عليه. فإنْ أنت قدرت واستطعت اغتفارَ العداوة عن أن تكافئ بها، فهنالك استكملت عظيمَ الخَطَر.
∴
إنْ كنتَ مُكافئًا بالعداوة والضرر، فإيَّاك أنْ تكافئ عداوة السرِّ بعداوة العلانَية، وعداوةً الخاصَّة بعداوة العامّة. فإنَّ ذلك هو الظلم والاعتداء.
واعلم مع ذلك أنَّه ليس كل العداوة والضرر يُكافأ بمثله. كالخيانة لا تُكافأ بالخيانة، والسرقة لا تكافأ بالسرقة.
ومن الحيلة في أمرك مع عدوِّك أنْ تصادق أصدقاءه وتؤاخي إخوانه، فتدخل بينه وبينهم في سبيل الشقاق والتلاحي والتجافي حتى ينتهي ذلك بهم إلى القطيعة والعداوة له. فإنَّه ليس رجلٌ ذو طَرْف يمتنع من مؤَاخاتك إذا التمست ذلك منه. وإِنْ كان إِخوان عدوِّك غير ذوي طَرْف ، فلا عدوَّ لك.
بَابُ
لا تَدَعْ — مع السكوت عن شَتْمِ عدوّك — إحصاء مثالبه ومعايبه ومعايره واتِّباعَ عوراتِه، حتى لا يشذُّ عنك من ذلك صغير ولا كبير، من غير أنْ تشيع ذلك عليه، فيتسلَّحَ له، ويستعدَّ له. ولا تذكره في غير موضعه، فتكون كمستعرض الهواءَ بنَبْلِه قبل إِمكان الرمي.
∴
ولا تتخذنَّ اللعن والشتم على عدوِّك سلاحًا، فإنه لا يجرح في نفْسٍ ولا منزلةٍ ولا مال ولا دِينٍ.
بَابُ
إِنْ أردت أنْ تكون داهيًا، فلا تُحبَّنَّ أنْ تسمَّى داهيًا.
فإِنّه مَن عُرِفَ بالدهاء، صار مخاتلا علانيةً، وحذِرَهُ الناس حتى يمتنع منه الضعيف ويتعرَّض له القويُّ. فإنَّ من إرْب الأريب دفنُ إرْبه ما استطاع حتَّى يُعْرف بالمسامحة في الخليقة والاستقامة في الطريقة.
ومن إرْبه ألَّا يوارب العاقل المستقيم الطريقة والذي يطلع على غامض إرَبه ويوقفه عليه، فيَمْقُته لذلك.
وإنْ أَردتَ السلامة فأَشْعِر قلبك الهيبة للأمور، من غير أنْ تَظهرَ منك الهيْبةُ، فتُفطنهم بنفسك وتجرِّئَهم عليك وتدعو إليك منهم كلَّ الذي تهاب.
فاشْعَبْ لمداراة ذلك من كتمان الهيبة وإظهار الجُرأة والتهاون طائفة من رأيك. وإنْ ابْتُليتَ بمحاربة عدوك فحالفْ هذه الطريقة التي وصفتُ لك من إِستشعار الهيبة وإِظهار الجُرْأة والتهاون. وعليك بالحذر والجِدِّ في أمرك والجُرأة في قلبك، حتى تملأ قلبَك جَرأةُ ويستفرِغَ عملك الحِذْرَ.