بَابُ
إنْ سمعت من صاحبك كلامًا أو رأيتَ منه رأيًا يعجبك، فلا تنتحِلْه تَزَيُّنًا به عند الناس. واكتفِ من التزيُّن بأن تجتني الصَّواب إذا سمعته، وتنسُبَه إلى صاحبه.
واعلم أنَّ انتحالك ذلك مسخطةٌ لصاحبك، وأنَّ فيه مع ذلك عارًا وسُخْفًا.
فإن بلغ بك ذلك أنْ تُشير برأي الرجل وتتكلمَ بكلامه، وهو يسمع، جَمَعْتَ مع الظلم قِلَّةَ الحياء. وهذا من سُوء الأدب الفاشي في الناس.
ومن تمام حُسن الخُلُق والأدب في هذا الباب أنْ تَسْخُو نفسُك لأخيك بما انتحلَ من كلامك ورأيك، وتنسُبَ إليه رأيه وكلامه، وتُزيِّنَه مع ذلك ما استطعت.
∴
ولا يكوننَّ من خُلُقِك أنْ تبتدئ حديثًا ثم تقطعه وتقول: سوف، كأنك رَوَّأتَ فيه بعد ابتدائك إياه، وليكن تروِّيك فيه قبل التفوُّه به. فإن احتجان الحديث بعد افتتاحه سُخْف وغمٌّ.
بَابُ
اخزُنْ عقلك وكلامك، إلَّا عند إصابة الموضع. فإنه ليس في كلِّ حين يحسُنُ كلُّ صواب. وإنما تمام إصابة الرأي والقول بإصابة موضعه. فإن أخطأك ذلك، أدخلتَ المِحنة على عقلك وقولك، حتى تأتي به في موضعه. وإنْ أتيت به في غير موضعه، أتَيْتَ به وهو لا بَهاء ولا طُلاوة له.
∴
وليعرفِ العلماء حين تُجالسهم، أنَّك على أنْ تسمعَ أحرص منك على أنْ تقول.
∴
إن آثرتَ أنْ تُفاخر أحدًا ممن تستأنِس إليه في لَهْو الحديث، فاجعلْ غاية ذلك الجِدَّ، ولا تعتدْ أنْ تتكلم فيه بما كان هزلًا. فإذا بلغ الجِدَّ أو قارَبَهُ فدَعْهُ.
ولا تخلطنَّ بالجدِّ هزلًا، ولا بالهزل جِدًّا. فإنك إنْ خلَطتَ بالجد هزلًا هجَّنته، وإنْ خلطت بالهزل جدًّا كدرته.
غير أني قد علِمْتُ مَوْطنًا واحدًا إنْ قدرت أنْ تَستقبِلَ فيه الجِدَّ بالهزل، أصبتَ الرأي وظهرتَ على الأقران؛ وذلك أنْ يتورَّدَك متورِّدٌ بالسفه والغضب وسُوء اللفظ. فتجيبه إجابة الهازل المداعب، بُرحْبٍ من الذَّرْع وطلاقةٍ من الوجه وثباتٍ من المنطق.
∴
إنْ رأيت صاحبك مع عدوِّك، فلا يُغضبنَّك ذلك. فإنما هو أحد رجلين:
إنْ كان رجلًا من إخوان الثقة، فأنفعُ مَواطِنه لك أقربُها من عدوِّك؛ لشَرٍّ يكفه عنك، أو لعورة يسترها منك، أو غائبة يطَّلع عليها لك. فأمَّا صديقك، فما أغناك أنْ يحضره ذو ثقتك.
وإنْ كان رجلًا من غير خاصَّة إخوانك، فبأي حقٍّ تقطعه عن الناس وتُكَلِّفه أن لا يُصاحبَ ولا يُجالسَ إلَّا مَن تهوى؟
∴
تحفَّظ في مجلسك وكلامك من التطاول على الأصحاب، وطِبْ نفسًا عن كثير ممَّا يعرِض لك فيه صوابُ القول والرأي، مداراةً لأَنْ يظُنَّ أصحابك أنَّك إنما تُريد التطاول عليهم.
بَابُ
إذا أقبل إليك مُقبلٌ بِوُدِّهِ فَسَرَّك ألَّا يُدبر عنك، فلا تُنعِم الإقبال عليه والتفتُّح له. فإن الإنسان طُبع على ضرائب لُؤم: فمن شأنه أَنْ يَرحَلَ عمَّن لَصِق به. ويلصَقَ بمن رَحَل عنه، إلَّا من حفِظ بالأدب نفسَه وكابر طبعَه.
فتحفظ من هذا فيك وفي غيرك!
بَابُ
لا تُكثِرنَّ ادِّعاء العلم في كل ما يعرِض بينك وبين أصحابك.
فإنَّك من ذلك بين فضيحتَيْن:
إمَّا أنْ ينازعوك فيما ادَّعيتَ، فيُهْجَم منك على الجهالة والسخف والصَّلَف ؛
وإمَّا أنْ لا ينازعوك ويُخَلُّوا في يديْك ما ادَّعيتَ من الأمور، فينكشفَ منك التصنُّع والمَعْجَزَةُ.
∴
واستحِ الحياءَ كلَّه من أنْ تخبر صاحبك أنَّك عالم وأنه جاهل؛ مصرِّحًا أو مُعَرِّضًا.
وإنْ استطلت على الأكْفَاء ، فلا تثقنَّ منهم بالصفاء.
بَابُ
وإنْ آنَسْتَ من نفسك فضلًا، فتَطلعَ منك على أنْ تذكره أو تُبْديه، فاعلمْ أنَّ ظهوره منك بذلك الوجه يقرِّر لك في قلوب الناس من العيبِ أكثرَ مما يقرِّر لك من الفضل.
واعلمْ أنَّك إنْ صَبَرْتَ ولم تَعْجَلْ، ظهر ذلك منك بالوجه الجميل المعروف عند الناس.
ولا يَخفَيَنَّ عليك أن حرص الرجل على إظهار ما عنده وقِلَّةَ وقاره في ذلك بابٌ من أبواب البخل واللؤم.
وأنَّ من خير الأعوان على ذلك السخاءَ والتكرُّمَ.
بَابُ
وإنْ أردت أنْ تَلبَسَ ثوب الوقار والجمال، وتتحلَّى بحلية المودَّة عند العامة، وتسلك الجَدَدَ الذي لا خَبار فيه ولا عثَار، فكن عالمًا كجاهل وناطقًا كعييٍّ.
فأمَّا العلم فيزينك ويرشدك، وأمَّا قلة ادعائه فينفي عنك الحسدَ، وأمَّا المنطق (إذا احتجت إليه) فستبلغ منه حاجتك، وأمَّا الصمت فيُكْسبك المحبة والوقار.
∴
وإذا رأيت رجلًا يحدِّث حديثًا قد علمتَه أو يُخْبِر خبرًا قد سَمِعْتَه، فلا تشاركه فيه ولا تفتحْه عليه، حِرصًا على أنْ يَعلم الناس أنك قد علمته. فإنَّ في ذلك، مع سوء الأدب، خفةً وسُخفًا وحسدًا وتضييعَ حزمٍ وعجبًا.
بَابُ
لْيعرفك إخوانُك — والعامة إنْ استطعت — أنك إلى أنْ تفعل ما لا تقول أقربُ منك إلى أنْ تقول ما لا تفعل. فإنَّ فضلَ القول على الفعل عارٌ وهُجنةٌ، وفضل الفعل على القول زينةٌ.
وأنت حقيقٌ فيما وعدتَ من نفسك أو أخبرتَ به صاحبك من منزلة عندك أنْ تحتجن بعض ما في نفسك، إعدادًا لفضل الفعل على القول وتحرُّزًا بذلك عن تقصير فعل إن قصَّر. وقلَّما يكون إلَّا مقصِّرًا.