ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 5 من 14

الأدب الكبير

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 5 من 14998 كلمة في هذا الجزء

بَابُ

لا يكوننَّ طلبُك ما عند الوالي بالمسألة! ولا تستبطئه، وإنْ أبطأ عليك. ولكن اطلُبْ ما قِبَلهُ بالاستحقاق له، واسْتَأْنِ به وإنْ طالت الأناة منه. فإنك إذا استحققته، أتاك عن غير طلب وإنْ لم تستبطئه، كان أعْجَلَ له.

بَابُ

لا تُخبرنَّ الوالي أنَّ لك عليه حقًّا، وأنك تعتدُّ عليه ببلاءٍ. وإنْ استطعت ألَّا ينسى حقَّك وبلاءك فافعل. ولْيكُن ما يُذَكِّره به من ذلك تجديدُك له النصيحةَ والاجتهاد، وأن لا يزالَ ينظْرُ منك إلى آخر يُذَكِّره أوَّلَ بلائك.

واعلمْ أنَّ السلطان إذا انقطع عنه الآخِرُ، نسي الأوَّل، وأنَّ أرحامُهم مقطوعةٌ وحبالهم مصرومةٌ، إلَّا عمَّن رضوا عنه وأغنى عنهم في يومهم وساعتهم.

∴

إياك أنْ يقعَ في قلبك تعتُّبٌ على الوالي أو استزراءٌ لهّ!

فإنه إيُّ أَثَرٍ وقع في قلبك، بَدَا في وجهك، إنْ كنت حليمًا؛ وبدا على لسانك إنْ كنت سفيهًا.

فإن لم يَزِدْ ذلك على أنْ يَظهرَ في وجهك لآمَنِ الناس عندك، فلا تأمننَّ أنْ يظهر ذلك للوالي.

فإنَّ الناس إلى السلطان بعَوْرات الإخوان سِرَاعٌ، فإذا ظهر ذلك للوالي كان قلبُه هو أسرعَ إلى النفور والتغيُّر من قلبك. فَمَحَق ذلك حسناتِك الماضية، وأشرف بك على الهلاك، وصرت تعرف أمرَك مستدبرًا، وتلتمِس مرضاة سلطانك مستصعِبًا. ولو شئتَ، كنتَ تركتَه — بإذن الله — راضيًا. وازددتَ من رضاه دُنُوًّا.

بَابُ

اعلم أنَّ أكثر الناس عدوًّا جاهدًا حاضرًا جريئًا واشيًا وزيرُ السلطان ذو المكانة عنده. لأنه منفوسٌ عليه مكانُه بما يُنْفسُ على صاحب السلطان، ومحسودٌ كما يُحْسد. غير أنه يُجْتَرأ عليه، ولا يُجْتَرأ على السلطان؛ لأنَّ من حاسديه أحْيَاءَ السلطان وأقاربَهُ الذين يشاركونه في المَداخل والمَنازل. وهم وغيرهم من عَدُوِّه حُضَّورٌ، وليسوا كعدوِّ السلطان النائي عنه والمُكْتَتِم منه، وهم لا ينقطع طمعهم من الظفر به. فلا يَغْفُلُون عن نَصْب الحبائل له.

فاعرِفْ هذه الحال، والْبَس لهؤلاء القوم — الذين هم أعداؤُك — سلاحَ الصحة والاستقامة، ولُزُومَ المَحَجَّة فيما تُسرُّ وتُعلِنُ. ثم رَوِّحْ عن قلبك حتَّى كأنك لا عدوَّ لك ولا حاسد.

∴

وإنْ ذكَرَك ذاكرٌ عند السلطان بسوءٍ في وجهك أو في غَيْبَتِك، فلا يَرَينَّ السلطان ولا غيرُهُ منك اختلاطًا لذلك ولا اغتياظًا ولا ضجرًا؛ ولا يَقَعَنَّ ذلك في نفسك موقع ما يُكْرِثك . فإنه إنْ وقع منك ذلك الموْقِعَ، أدخل عليك أمورًا مشتبهة بالرِّيبة، مُذكِّرة لما قال فيك العائبُ. وإنْ اضطرَّك الأمرُ في ذلك إلى الجواب، فإيَّاك وجوابَ الغَضَب والانتقام! وعليك بجواب الحُجَّة في حِلمٍ ووقار!

ولا تَشُكَّنَّ في أنَّ الغَلَبَةَ والقوَّةَ للحليم أبدًا.

∴

لا تتكلَّمَنَّ عند الوالي كلامًا أبدًا إلَّا لعناية، أو يكون جوابًا لشيء سُئِلتَ عنه. ولا تُحضِرنَّ عند الوالي كلامًا أبدًا لا تُعْنَى به، أو تُؤمر بحضوره.

∴

ولا تَعُدَّنَّ شَتْم الوالي شتمًا، ولا إغْلاظه إغْلاظًا، فَإن ريح العِزَّة قد تَبْسُط اللسان بالغِلظة في غير سُخطٍ ولا بأس.

بَابُ

جانِبِ المسخوط عليه والظنِينَ به عند السلطان. ولا يجمعنَّك وإياه مجلسٌ ولا منزلٌ! ولا تُظهِرنَّ له عُذْرًا، ولا ولا تُثْنِيَنَّ عليه خيرًا عند أحد من الناس!

فإذا رأيته قد بَلَغَ من الإعْتاب مما سُخِط عليه فيه ما ترجُو أنْ تُلِينَ له به قلب الوالي، واستَيْقنت أنَّ الوالي قد استيقن بمباعدتك إياه وشدَّتِك عليه عند الناس، فضعْ عُذْره عند الوالي واعْمَل في إرضائه عنه، في رفقٍ ولطفٍ.

∴

لِيَعْلم الوالي أنك لا تستنكِفُ عن شيء من خدمته. ولا تَدَعُ مع ذلك أنْ تُقدِّم إليه القولَ — على بعض حالات رضاهُ وطِيب نفْسِهِ — في الاستعفاء من الأعمال التي هي أهلٌ أنْ يَكْرَهَهَا ذو الدِّين وذو العقل وذو العِرْض وذو المروءة: من ولايةِ القتل والعذاب وأشباه ذلك.

∴

إذا أصبتَ الجاهَ والخاصة عند السلطان، فلا يُحْدِثنَّ لك ذلك تغيُّرًا على أحد من أهله وأعوانه، ولا استغناء عنهم؛ فإنك لا تدري متى تَرى أدنَى جفوة أو تغيُّر فتذِلَّ لهم فيها.

وفي تلوُّن الحال عند ذلك من العار ما فيه.

∴

لِيكنْ مما تُحْكِمُ من أمرك ألَّا تسارَّ أحدًا من الناس ولا تهمِسَ إليه بشيء تُخفيه على السلطان أو تُعلنُه. فإنَّ السِّرَار مما يُخيِّل إلى كل من رآه من ذي سلطان أو غيره أنه المرادُ به. فيكون ذلك في نفسه حَسِيكة ووغرًا وثُقْلًا.

بَابُ

لا تتهاوننَّ بإرسال الكَذْبَةِ عند الوالي أو غيره في الهزل، فإنها تُسرع في إبطال الحق وردِّ الصدق مما تأتي به.

∴

تنكَّبْ فيما بينك وبين السلطان، وفيما بينك وبين الإخوان، خُلُقًا قد عَرَفناه في بعض الوزراء والأعوان وأصحاب الأبَّهات في ادعاء الرجُلِ — عندما يَظْهَرُ من صاحبه حُسْن أثر أو صوابِ رأي — أنه عَمِل في ذلك وأشار به، وإقرارِه بذلك إذا مدحه به مادحٌ. بل وإنْ استطعتَ أن تُعرِّف صاحبك أنك تَنْحَلُهُ صوابَ رأيك — فضلًا عن أنْ تدَّعِيَ صوابه — وتسنِدَ ذلك إليه وتزيِّنه به فافعل.

فإن الذي أنت آخذ بذلك أكثرُ مما أنت مُعطٍ بأضعاف.