بَابُ
اعلمْ أنَّ من عدوِّك من يعمل في هلاكك، ومنهم من يعمل في مُصالحتك، ومنهم من يعمل في البعد منك.
فاعرفهم على منازلهم.
ومن أَقوى القوَّة لك على عدوِّك، وأعزِّ أنصارك في الغَلَبَة له أنْ تُحصيَ على نفسكَ العيوبَ والعوراتِ كما تحصيها على عدوك، وتنظُرَ عند كل عيب تراه أو تسمعه لأحدٍ من الناس هل قارفتَ ذلك العيبَ أَو ما شاكله، أو سلِمْتَ منه.
فإنْ كنت قارفتَ شيئًا منه، جعلته مما تخصى على نفسك. حتى إذا أحصيت ذلك كله ، فكاثر عدوك بإصلاح نفسك وعثراتك، وتحصين عوراتك وإحراز مقاتلك.
وخذ نفسك بذلك مسيًا ومصبحًا.
فإذا آنسْتَ منها دفعًا له وتهاونًا به ، فأعدد نفسك عاجزًا ، ضائعًا ، خائبًا ، مُعْوِرًا لعدوّك، مُمْكِنًا له من رمْيك.
وإنْ حصل من عيوبك وعوراتك ما لا تقدِر على إِصلاحه من ذنبٍ مضى لك أو أمرٍ يعيبُك عند الناس ولا تراه أَنت عيبًا، فاحفظ ذلك واجعله نُصْبَ عينيك ولا تقل: وما عسى يقول فيَّ القائل؟ فاعلم أنَّ عدوَّك مُريدُك بذلك. فلا تغفل عن التَّهيُّوءِ له بحيلتك فيه سرًّا وعلانيةً، وعن الإعداد لقوَّتك وحُجتك من نسبك ومثالب آبائك أو عيب إخوانك وأخدانك.
فأمَّا الباطل فلا تَرُوعَنَّ به قلبَك ولا تستَعِدَّنَّ له ولا تشتغلنَّ بشيءٍ من أمره. فإنّه لا يَهُولك ما لم يقع، وما إنْ وقع اضمحل.
واعلم أنه قلَّما بُدِهَ أحد بشيء يعرفه من نفسه — وقد كان يطمع في إِخفائه عن الناس — فيُعَيِّرُه به مُعَيِّرٌ عند السلطان أو غيره، إِلا كاد يشهَد به عليه وجهُهُ وعينُهُ ولسانُهُ للذي يبدو منه عند ذلك، والذي يكون من انكساره وفتُوره عند تلك البديهة.
فاحذرْ هذه وتصنَّع لها، وخُذْ أُهبتك لبغَتَاتها ، وتقدَّم في أخذ العتاد لنفيها.
بَابُ
اعلمْ أنَّ مِن أوقع الأمور في الدِّين وأنهكها للجسد وأتلفها للمال وأقتلها للعقل وأزراها للمُرُوءة وأسرعها في ذهاب الجلالةِ والوقارِ: الغرامُ بالنساء.
ومن البلاء على المُغْرَم بهنَّ أنَّه لا ينفك يأجَمُ ما عنده وتطمحُ عيناه إلى ما ليس عنده منهنَّ.
وإنما النساء أشباهٌ.
وما يَتَزَيَّنُ في العيون والقلوب من فضْل مجهولاتهنَّ على معروفاتهنَّ باطلٌ وخُدْعةٌ، بل كثير مما يَرْغَبُ عنه الراغب مما عنده أفضلُ مما تتوق إِليه نفسه منهنَّ.
وإنما المرتغِبُ عمّا في رَحلْه منهنَّ إِلى ما في رِحَال الناس كالمرتغِبِ عن طعام بيته إلى ما في بيوت الناس: بل النساء بالنساء أشبه من الطعام بالطعام؛ وما في رحال الناس من الأطعمة أشدُّ تفاضلًا وتفاوتًا مما في رحالهم من النساء .
ومن العَجَب أنَّ الرجل الذي لا بأْسَ بلُبِّهِ ورأْيه يرى المرأة من بعيد متلفِّفَةً في ثيابها، فيصوِّرُ لها في قلبه الحسنَ والجمالَ حتى تَعْلَقَ بها نفسُه من غير رُؤْية ولا خَبَرِ مُخبِرٍ. ثُمَّ لَعَلَّه يهجِم منها على أقبح القُبْح وأذَمِّ الدَّمامة ، فلا يعظه ذلك ولا يقطعه عن أمثالها. ولا يزال مشعوفًا بما لم يذُقْ، حتى لو لم يبقَ في الأرض غيرُ امرأةٍ واحدةٍ، لظنَّ أنَّ لها شأنًا غيرَ شأن ما ذاق.
وهذا هو الحُمقُ والشقاءُ والسفهُ.
ومن لم يَحْمِ نفسه ويُطَلِّقها ويُحَلِّئها عن الطعام والشراب والنساء في بعضِ ساعاتِ شهوته وقُدْرته، كان أيسرَ ما يصيبه من وبالِ ذلك انقطاعُ تلك اللذَّات عنه بخمود نار شهوته وضُعْف حوامل جسده. وقلَّ من تجدُه إلا مخادِعًا لنفسه في أمر جسده عند الطعام والشراب والحِمْية والدواء، وفي أمر مُرُوءته عند الأهواء والشهوات، وفي أمر دِينه عند الرِّيبة والشُّبْهة والطمع.
بَابُ
إنِ استطعتَ أن تضع نفسك دون غايتك في كلِّ مجلسٍ ومقامٍ ومقالٍ ورأيٍ وفعلٍ، فافعلْ. فإِنَّ رفعَ الناس إيَّاك فوق المنزلة التي تحُطُّ إِليها نفسَك وتقريبَهم إيَّاك إِلى المجلس الذي تباعدْتَ منه وتعظيمَهم من أمرك ما لم تعظِّم وتزيينَهم من كلامك ورأيك وفعلك ما لم تُزيِّنْ هو الجَمالُ .
بَابُ
لا يُعْجِبَنَّك العالِمُ ما لم يكن عالمًا بمواضع ما يَعلَم ، ولا العاملُ إذا جَهِل موضع ما يعمَلُ.
بَابُ
وإنْ غُلبْتَ على الكلام وقتًا، فلا تُغلَبَنَّ على السكوت! فإنَّه لعله يكون أشدَّهما لك زينةً وأجلبهما إليك للمودة وأبقاهما للمهابة وأنفاهما للحَسَد.
بَابُ
احذر المِرَاء وأغْرِبْهُ . ولا يمنعنَّك حَذَر المِرَاء من حُسْنِ المناظرة والمجادلة.
واعلمْ أنَّ المماري هو الذي يريد أن يتعلَّم من صاحبه، ولا يرجو أن يتعلم منه صاحبه. فإنْ زعم زاعمٌ أنَّه مُجادلٌ في الباطل عن الحقِّ، فإِنّ المُجَادِلَ وإنْ كان ثابت الحُجَّة حاضرَ البيِّنة حاضر الذهن فإنَّه يخاصم إلى غير قاضٍ، وإنَّما قاضيه الذي لا يعدِلُ بالخُصومة إليه عدلُ صاحبه وعقلُه. فإِنْ آنَسَ أو رجا عند صاحبه عَدْلًا يقضي به على نفسه، فقد أصاب وجه أمره. وإذا تكلم على غير ذلك كان مماريًا.
∴
وإنِ استطعت أن لا تُخْبِرَ أخاك عن ذات نفسك بشيء إلا وأنت محتجنٌ عنهَ بعض ذلك التماسًا لفضل الفعل على القول واستعدادًا لتقصير فعل إن قصَّر، فافعل.
واعلم أنَّ فضل الفعل على القول زِينةً، وفضلَ القول على الفعل هُجْنَةٌ وأن إحكام هذه الخَلَّة من غرائب الخلال.
∴
إذا تراكمت عليك الأعمال، فلا تلتمِسِ الرَّوْح في مدافعتها يومًا بيومٍ بالرَّوغان منها. فإنه لا راحةَ لك إلَّا في إصدارها. وإنَّ الصبر عليها هو الذي يخفِّفها عنك، والضَّجَرَ هو الذي يراكمها عليك.
فتعهَّدْ من ذلك في نفسك خَصلة قد رأيتُها تعتري بعض أصحاب الأعمال. وذلك أنَّ الرجل يكون في أمرٍ من أمره فَيرِدُ عليه شغلٌ آخرُ أو يأتيه شاغلٌ من الناس يكره إتيانه ، فيكدِّرُ ذلك بنفسه تكديرًا يُفسدُ ما كان فيه وما ورد عليه، حتى لا يُحْكِمَ واحدًا منهما. فإذا ورد عليك مِثْلُ ذلك، فليكن معك رأيك وعقلك اللذان بهما تختار الأمور، ثُمَّ اخترْ أَوْلَى الأمريْن بشغلك فاشتغل به حتى تفرُغ منه. ولا يعظُمَنَّ عليك فَوْتُ ما فات وتأخيرُ ما تأخَّرَ.