فقالَ لهُ القاضي: ليَثُبْ أُنسُكَ. ولْتَطِبْ نفسُكَ. فقد حقّ لكَ أن تُغفَرَ خَطيّتُكَ. وتُوَفَّرَ عطيّتُكَ. فثارَتِ الزّوجَةُ عندَ ذلِك واستَطالَتْ. وأشارَتْ إلى الحاضِرينَ وقالتْ:
يا أهلَ تبريزَ لكُمْ حاكِـمٌ
أوْفى على الحُكّامِ تبْريزا
ما فيهِ من عيْبٍ سوى أنهُ
يومَ النّدى قِسمَتُهُ ضِيزَى
قصَدْتُهُ والشيخُ نبْغي جَنى
عودٍ لهُ ما زال مهْزوزا
فسَرّحَ الشيخَ وقد نالَ منْ
جَدْواهُ تخْصيصاً وتمْييزا
وردّني أخْيَبَ مـنْ شـائِمٍ
بَرْقاً خَفا في شهْرِ تمّوزا
كأنّهُ لمْ يدْرِ أني الـتـي
لقّنْتُ ذا الشّيخَ الأراجيزا
وأنّني إنْ شِئْتُ غادَرْتُـهُ
أُضْحوكَةً في أهلِ تَبْريزا
قال: فلمّا رأى القاضي اجْتِراء جَنانِهِما. وانصِلاتَ لِسانِهِما. علِمَ أنهُ قد مُنيَ منهُما بالدّاء العَياء. والداهِيَةِ الدّهْياء. وأنهُ مَتى منَحَ أحدَ الزّوجينِ. وصرَفَ الآخرَ صَفْرَ اليَديْنِ. كان كمَنْ قضى الدّيْنَ بالدَّيْنِ. أو صلّى المغرِبَ ركْعتَينِ. فطَلْسَمَ وطرْسَمَ. واخْرَنْطَمَ وبرْطَمَ. وهمْهَمَ وغمْغَمَ. ثمّ التفَتَ يَمنَةً وشامةً.
وتملْمَلَ كآبَةً ونَدامَةً. وأخذ يذُمّ القضاء ومَتاعِبَهُ. ويَعُدّ شوائِبَهُ ونَوائِبَهُ. ويفَنّدُ طالِبَهُ وخاطِبَهُ. ثمّ تنفّسَ كما يتنفّسُ الحَريبُ. وانتَحَبَ حتى كادَ يفضَحُهُ النّحيبُ. وقال: إنّ هذا لَشَيْءٌ عجيبٌ. أأُرْشَقُ في موقِفٍ بسَهْمَيْنِ. أأُلزَمُ في قَضيّةٍ بمَغْرَمَينِ. أأُطيقُ أنْ أُرضيَ الخصْمَينِ. ومنْ أينَ ومِنْ أينَ؟ ثمّ
عطَفَ إلى حاجِبِه. المُنفِذِ لمآرِبِهِ. وقال: ما هذا يومُ حُكْمٍ وقَضاءٍ. وفصْلٍ وإمْضاءٍ! هذا يومُ الاعتِمامِ. هذا يومُ الاغْتِرامِ. هذا يومُ البُحْرانِ. هذا يومُ الخُسْرانِ! هذا يومٌ عصيبٌ. هذا يومٌ نُصابُ فيهِ ولا نُصيبُ! فأرِحْني منْ هذَينِ المِهذارَيْنِ. واقطَعْ لسانَهُما بدينارَينِ. ثمّ فرّقِ الأصْحابَ. وأغلِقِ
البابَ. وأشِعْ أنهُ يومٌ مذْمومٌ. وأنّ القاضيَ فيهِ مهْمومٌ. لئلاّ يحْضُرَني خُصومٌ! قال: فأمّنَ الحاجِبُ على دُعائِهِ. وتَباكى لبُكائِهِ. ثمّ نقَدَ أبا زيدٍ وعِرْسَهُ المِثقالَينِ. وقال: أشهَدُ أنّكُما لأحْيَلُ الثّقَلينِ. لكِنِ احْتَرِما مجالِسَ الحُكّامِ. واجتَنِبا فيها فُحشَ الكلامِ. فما كُلُّ قاضٍ قاضي تبريزَ. ولا كُلَّ
وقتٍ تُسمَعُ الأراجيزُ. فقالا لهُ: مثلُك منْ حجَبَ. وشُكرُكَ قدْ وجَبَ. ونهَضا وقدْ حظِيا بدينارَينِ. وأصْلَيا قلْبَ القاضي نارَينِ.
مقامات الحريري
|
المقامة الإسكندرية
|
المقامة البرقعيدية
|
المقامة البصرية
|
المقامة البغدادية
|
المقامة البكرية
|
المقامة التبريزية
|
المقامة التفليسية
|
المقامة التنيسية
|
المقامة الحجرية
|
المقامة الحرامية
|
المقامة الحلبية
|
المقامة الحلوانية
|
المقامة الدمشقية
|
المقامة الدمياطية
|
المقامة الدينارية
|
المقامة الرازية
|
المقامة الرحبية
|
المقامة الرقطاء
|
المقامة الرملية
|
المقامة الزبيدية
|
المقامة الساسانية
|
المقامة الساوية
|
المقامة السمرقندية
|
المقامة السنجارية
|
المقامة الشتوية
|
المقامة الشعرية
|
المقامة الشيرازية
|
المقامة الصعدية
|
المقامة الصنعانية
|
المقامة الصورية
|
المقامة الطيبية
|
المقامة العمانية
|
المقامة الفارقية
|
المقامة الفراتية
|
المقامة الفرضية
|
المقامة القطيعية
|
المقامة القهقرية
|
المقامة الكرجية
|
المقامة الكوفية
|
المقامة المراغية
|
المقامة المروية
|
المقامة المعرية
|
المقامة المغربية
|
المقامة المكية
|
المقامة الملطية
|
المقامة النجرانية
|
المقامة النصيبية
|
المقامة الواسطية
|
المقامة الوبرية
NewPP limit report Parsed by mw‐web.eqiad.main‐f9854c69d‐tcnbj Cached time: 20260917210316 Cache expiry: 2592000 Reduced expiry: false Complications: [vary‐revision‐sha1] CPU time usage: 0.095 seconds Real time usage: 0.136 seconds Preprocessor visited node count: 39/1000000 Revision size: 13224/2097152 bytes Post‐expand include size: 13070/2097152 bytes Template argument size: 0/2097152
bytes Highest expansion depth: 3/100 Expensive parser function count: 0/500 Unstrip recursion depth: 0/20 Unstrip post‐expand size: 5486/5000000 bytes Lua time usage: 0.027/10.000 seconds Lua memory usage: 1561277/52428800 bytes Number of Wikibase entities loaded: 0/500
Transclusion expansion time report (%,ms,calls,template) 100.00% 109.674 1 -total 63.31% 69.438 1 قالب:ترويسة 28.48% 31.231 2 قالب:أبيات 7.75% 8.497 1 قالب:مقامات_الحريري
Render ID 33b0c9c9-b2db-11f1-b9ec-3beae14c4f97
Saved in parser cache with key arwikisource:pcache:1964:|#|:idhash:canonical and timestamp 20260917210316 and revision id 404665. Rendering was triggered because: page_view
المقامة التفليسية
حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: عاهدْتُ اللهَ تعالَى مُذْ يفَعتُ. أنْ لا أؤخِّرَ الصّلاةَ ما استَطَعْتُ. فكنتُ مع جوْبِ الفلَواتِ. ولهْوِ الخلَواتِ. أُراعي أوْقاتَ الصّلاةِ. وأحاذِرُ منْ مأثَمِ الفَواتِ. وإذا رافَقْتُ في رِحلَةٍ. أو حللْتُ بحِلّةٍ. مرْحَبْتُ بصَوْتِ الدّاعي إليْها. واقتَدَيْتُ بمنْ يُحافِظُ عليْها. فاتّفَقَ
حينَ دخلْتُ تفْليسَ. أن صلّيتُ معَ زُمْرَةٍ مَفاليسَ. فلمّا قضيْنا الصّلاةَ. وأزْمَعْنا الانفِلاتَ. برزَ شيخٌ بادِي اللَّقوَةِ. بالي الكُسوَةِ والقُوّةِ. فقالَ: عزمْتُ على منْ خُلِقَ منْ طينَةِ الحُريّةِ. وتفوّقَ دَرَّ العصبيّةِ. إلا ما تكلّفَ لي لُبْثَةً. واستمَعَ مني نَفثَةً. ثمّ لهُ الخِيارُ منْ بعْدُ. وبيدِهِ
البذْلُ والرّدُّ. فعقَدَ لهُ القومُ الحُبَى. ورسَوْا أمْثالَ الرُبى. فلمّا آنَس حُسْنَ إنْصاتِهمْ. ورَزانَةَ حَصاتِهِمْ. قال: يا أولي الأبْصارِ الرّامِقَةِ. والبَصائِرِ الرّائِقَةِ. أمَا يُغْني عنِ الخبَرِ العِيانُ. ويُنْبئُ عنِ النّارِ الدخانُ؟ شَيبٌ لائِحٌ. ووهْنٌ فادِحٌ. وداءٌ واضِحٌ. والباطِنُ فاضِحٌ. ولقدْ كُنتُ واللهِ ممّنْ ملَكَ ومالَ.
ووَليَ وآلَ. ورفَدَ وأنالَ. ووصَلَ وصالَ. فلمْ تزَلِ الجَوائِحُ تسْحَتُ. والنّوائِبُ تنْحَتُ. حتى الوَكْرُ قَفْرٌ. والكفُّ صَفْرٌ. والشّعارُ ضُرٌّ. والعيشُ مُرٌّ. والصّبْيَةُ يتَضاغَوْنَ من الطّوى. ويتمنّونَ مُصاصَةَ النّوى. ولمْ أقُمْ هذا المَقامَ الشّائنَ. وأكشِفْ لكُمُ الدّفائِنَ. إلا بعْدَما شَقيتُ ولُقيتُ. وشِبْتُ ممّا لَقيتُ. فلَيتَني لمْ
أكُنْ بَقيتُ. ثمّ تأوّهَ تأوّهَ الأسيفِ. وأنشدَ بصوتٍ ضَعيفٍ:
أشْكو إلى الرّحْمنِ سُبْحـانَـهُ
تقلُّبَ الـدّهْـرِ وعُـدْوانَـهُ
وحادِثاتٍ قرعَـتْ مَـرْوَتـي
وقوّضَتْ مَجدي وبُـنْـيانَـهُ
واهْتصَرَتْ عودي ويا ويلَ منْ
تهتَصِرُ الأحداثُ أغصـانَـهُ
وأمحَلَتْ ربْعيَ حتى جـلَـتْ
منْ ربْعيَ المُمْحِلِ جِرْذانَـهُ
وغادرَتْـنـي حـائِراً بـائِراً
أُكابِدُ الفَـقْـرَ وأشْـجـانَـهُ
منْ بعْدِ ما كنتُ أخـا ثـروَةٍ
يسحَبُ في النّعْـمَةِ أرْدانَـهُ
يختَبِطُ الـعـافـونَ أوْراقَـهُ
ويحْمَدُ السّـارونَ نـيرانَـهُ
فأصبحَ اليومَ كـأنْ لـمْ يكُـنْ
أعانَهُ الدّهرُ الـذي عـانَـهُ
وازْوَرّ مَنْ كـانَ لـهُ زائِراً
وعافَ عافي العُرْفِ عِرْفانَهُ
فهلْ فتًى يحْـزُنُـهُ مـا يَرى
منْ ضُرّ شيخٍ دهْرُهُ خـانَـهُ
فيَفْرِجَ الهَـمَّ الـذي هـمَّـهُ
ويُصلِحَ الشّانَ الذي شـانَـهُ
قال الرّاوي: فصَبَتِ الجماعَةُ إلى أن تستَثبِتَهُ. لتَستَنجِشَ خُبْأتَهُ. وتستَنفِضَ حَقيبتَهُ. فقالتْ لهُ: قد عرَفْنا قدْرَ رُتبتِكَ. ورأيْنا دَرَّ مُزنَتِكَ. فعرّفْنا دوْحةَ شُعبَتِكَ. واحْسِرِ اللّثامَ عنْ نِسبَتِكَ. فأعْرَضَ إعْراضَ منْ مُنيَ بالإعْناتِ. أو بُشّرَ بالبَناتِ. وجعلَ يلعَنُ الضّروراتِ. ويتأفّفُ منْ تغَيُّضِ المُروءاتِ. ثمّ أنشدَ بلَفظٍ
صادِعٍ. وجَرْسٍ خادِعٍ:
لعَمْرُكَ مـا كُـلُّ فـرْعٍ يدُلّ
جَناهُ اللّذيذُ علـى أصـلِـهِ
فكُلْ ما حَلا حينَ تُؤتـى بـهِ
ولا تسألِ الشّهْدَ عنْ نحْـلِـهِ
وميّزْ إذا ما اعتَصرْتَ الكُرومَ
سُلافَةَ عصْرِكَ منْ خَـلّـهِ
لتُغْلي وتُرْخِصَ عنْ خِـبـرَةٍ
وتشْريَ كُلاًّ شِرَى مثـلِـهِ
فعارٌ على الفَطِنِ اللّوذَعـيّ
دُخولُ الغَميزَةِ في عقـلِـهِ
قال: فازْدَهى القومُ بذَكائِهِ ودهائِه. واختلَبَهُمْ بحُسْنِ أدائِهِ مع دائِهِ. حتى جمَعوا لهُ خَبايا الخُبَنِ. وخَفايا الثُّبَنِ. وقالوا لهُ: يا هَذا إنكَ حُمْتَ على رَكِيّةٍ بَكيّةٍ. وتعرّضْتَ لخَليّةٍ خليّةٍ. فخُذْ هذِه الصُّبابَةَ. وهَبْها لا خطأً ولا إصابَةً. فنزّلَ قُلَّهُمْ منزِلَةَ الكُثْرِ. ووصَلَ قَبولَهُ بالشُكْرِ. ثمّ
تولّى يجُرّ شِقَّهُ. وينْهَبُ بالخَبْطِ طُرْقَهُ. قالَ المُخبِرُ بهذِهِ الحِكايَةِ. فصُوّرَ لي أنّهُ مُحيلٌ لحِلْيَتِهِ. متصَنّعٌ في مِشيَتِهِ. فنهَضْتُ أنْهَجُ مِنْهاجَهُ. وأقْفو أدراجَهُ. وهوَ يلْحَظُني شَزْراً. ويوسِعُني هجْراً. حتى إذا خَلا الطّريقُ. وأمْكَنَ التّحْقيقُ. نظرَ إليّ نظرَ منْ هشّ وبشّ. وماحَضَ بعْدَما غشّ. وقال: إني