ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 25 من 31

كتاب الاعتبار — الباب الأول

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 25 من 311,007 كلمة في هذا الجزء

الذهول وعواقبه

ومن ذلك أن الفرنج نزلوا مرة حماة في ازوارها، وفيها زرع مخصب، فضربوا خيامهم في ذلك الزرع، وخرج من شيزر جماعة من الحرامية يدورون بعسكر الفرنج يسرقون منه، فرأوا الخيام بالزرع، فأصبح بعضهم أخبر صاحب حماة وقالالليلة أحرق عسكر الإفرنج كله. قالإن فعلت خلعت عليك.

فلما أمسى خرج ومعه نفر على رأيه. قالطرحوا النار غربي الخيام في الزرع لتسوقها الرياح إلى خيامهم، فصار الليل بضوء النار كالنهار، فرآهم الإفرنج فقصدوهم فقتلوا أكثرهم، وما نجى منهم إلا من رمى نفسه بالماء وسبح إلى الجانب الأخر، فهذه أثار الجهل وعواقبه. ورأيت مثل

ذلك، وإن لم يكن بالحرب، وقد عسكر الإفرنج على بانياس في جمع كثير ومعه البطرك، وقد ضرب خيمة كبيرة جعلها كنيسة يصلون فيها يتولى خدمتها شيخ شماس منهم وقد فرش أرضها بالحلفاء والحشيش لتحترق البراغيث، فطرح فيه النار وقد يبس، فارتفعت ألسنتها وعلقت بالخيمة فتركتها

رماداً فهذا لم يحضره العقل.

حاضر الذهن تحت الأسد

وضده أننا ركبنا في بعض الأيام من شيزر إلى الصيد وعمي رحمه الله معنا وجماعة من العسكر، فخرج علينا السبع من قصباء دخلناها لصيد الدراج. فحمل عليه رجل كردي يقال له زهر الدولة بختيار القبرصي سمي بذلك للطف خلقته وكان رحمه الله من فرسان المسلمين

فستقبله السبع فحاص به الحصان فرماه، وجاء السبع وهو ملقى، فرفع رجله فتلقمها السبع وبادرناه فقتلنا السبع واستخلصناه وهو سالم. فقلنا له يا زهر الدولة لما رفعت رجلك إلى فم السبع؟ فقالجسمي كما ترونه ضعيف نحيف، وعلي ثوب وغلالة وما في أكسا من رجلي أن

يفرج الله تعالى. فهذا حضره العقل في موضع تزول فيه العقول وأولئك ما حضرهم العقل. فلإنسان أحوج إلى العقل من كل ما سواه، وهو محمود عند العاقل والجاهل.

عم أسامة وحسن إدارته

ومن ذلك أن روجار صاحب إنطاكية كتب إلى عمي يقولقد نفذت فارس من فرساني في شغل مهم إلى القدس، أسأل أن تنفذ خيلك تأخذه أفامية ويوصلنه إلى رفنية. فركب وأرسل إليه من أحضره فلا لقيه قالقد نفذني صاحبي في شغل وسر له، لكنني لقيتك رجلاً

عقلاً فأنا أحدثك به فقال له عميمن أين عرفت أني عاقل وما رأيتني قبل الساعة؟ قاللأني رأيت البلاد التي مشيت فيها خربه وبلدك عامر فعرفت أنك ما عمرتها إلا بعقلك وسياستك، وحدثه ما جاء فيه.

تعقل صاحب ديار بكر

وحدثني الأمير فضل بن أبي الهيجاء صاحب أربل قالحدثني أبو الهيجاء قالبعثني السلطان ملك شاه لما وصل الشام إلى الأمير ابن مروان صاحب ديار بكر يقول أريد ثلاثين ألف دينار، فاجتمعت به واعدت عليه الرسالة. فقالتستريح ونتحدث، واصبح أمر ان يدخلوني الحمام ونف آلة الحمام

جميعها فضة ونفذ لي بدلة ثياب. وقالوا لفراشيكل آلة الحمام لكم. فلما خرجت لبست ثيابي ورددت جميع الحوائج، فتركني أيام ثم أمر لي بحمام وما أنكر رد الحوائج، وحملوا معي آلة الحمام افضل من الآلة الأولة وبدلة الثياب أفضل من البدلة الاولة وقال القراش لفراشي

كما قال اولاً. فلما خرجت لبست ثيابي ورددت الحوائج والثياب، فتركني ثلاثة أربعة أيام ثم عاد ادخلني ثم عاد وادخلني إلى الحمام وحملوا معي الآت فضه أفضل من الآلة وبدلة ثياب افضل من الاولة. فلما خرجت لبست ثيابي ورددت الجميع. فلما حضرت عند الأمير قال

لييا ولدي نفذت إليك ثياب ما لبستها، وآلة حمام ما قبلتها ورددتها، أي شيء سبب هذا؟ قلتيا مولاي جئت برسالة السلطان في شغل ما انقضى، اقبل ما تفضلت به وارجع وما انقضى شغل السلطان فكأني ما جئت إلا في حاجتي؟ قاليا ولدي ما رأيت عمارت

بلادي وكثرة خيرها وبساتينها وكثرة فلاحيها وعمارة ضياعها؟ أتراني أتلف هذا كله من أجل ثلاثين ألف دينار؟ والله إن الذهب قد كيسته من وقت وصولك، وإنما انتظرت ان يتجاوز السلطان بلادي وتلحقه بالمال خوفاً من أن استقبله بالذي طلب فيطلب مني إذا دنا من بلادي

أضعافه فلا تشغل قلبك، فشغلك قد انقضى، ثم نفذ لي ثلاث بدلات التي كان نفذها لي في الثلاث دخلات فقبلتها. ولما تجاوز السلطان ديار بكر أعطاني المال فحملته ولحقت به السلطان.

حسن سياسة صاحب بدليس

وفي حسن السياسة ربح كثير من عمارة البلاد. فمن ذلك ان أتابك زنكي رحمه الله خطب بنت صاحب خلاط وقد مات أبوها وأمها مدبرت البلدي. ونفذ حسام الدولة بن دلماج خطبها لأبنه وهو صاحب بدليس. فسار أتابك بعسكر حسن إلى خلاط على غير الطريق المسلوك

لأجل درب بدليس. فسلك فيها الجبال فكنا ننزل بغير خيام، وكل واحد في موضعه من طريق حتى وصلنا خلاط، فخيم أتابك عليها ودخلنا قلعتها وكتبنا المهر. فلما انقضى الشغل فأمر صلاح الدين معظم العسكر ويسري إلى بدليس يقاتلها. فركبنا أول الليل وسرنا وأصبحنا على بدليس،

فخرج إلينا حسام الدولة صاحبها فلقينا على فسحة من البلد وأنزل صلاح الدين في الميدان وحمل إليه الضيافة الحسنة، وخدمه وشرب عنده في الميدان وقال يا مولايأي شيء ترسم؟ تعنيت وتعبت في مجيئك. قال أتابك احنقه خطبتك للبنت التي كان خطبها، وأنت بذلت لهم عشرة

آلاف دينار نريدها منك. قال السمع والطاعة. فعجل له بعض المال واستمهله بباقيه أياماً عينها، ورجعنا وبلده بحسن سياسته عامر ما دخل عليه خلل.

وصاحب قلعة جعبر

وهذا قريب ممن جرى لنجم الدولة مالك بن سالم رحمه الله. وذلك ان جوسلين أغار على الرقة والقلعة فأخذ كل ما عليها وسبى وساق غنائم كثيرة ونزل مقابل القلعة وبينهم الفرات، فركب نجم الدولة مالك في زورق ومعه ثلاثة أربعة من غلمانه وعبر الفرات إلى

جوسلين وبينهما معرفة قديمة، ولما مالك عليه جميل. وظن جوسلين ان في الزرق رسولاً من مالك، فجائه واحد من الإفرنج وقالهذا مالك في الزورق قالما هو صحيح. فأته أخر قالقد نزل مالك من الزورق وهو جاءني يمشي. فقام جوسلين والتقاه وأكرمه ورد عليه جميع ما

كان أخذه من الغنائم والسبي، ولولا سياسة نجم الدولة كان خرب بلده.

الشدة التي لا تنفع

إذا أنقضت المدة لم تنفع الشجاعة ولا الشدة.

شاهدت يوماًوقد زحف إلينا عسكر الإفرنج يقاتلنا، ومضى بعضهم مع طغدكين أتابك إلى الحصن الجسر يقاتله. وكان أتابك اجتمع هو وإيلغازي بن أرتق والإفرنج في افامية لمحاربة عساكر السلطان. وكان وصل بها إلى الشام اسباسلار برسق بن برسق وقد نزل حماة يوم الأحد تاسع عشر

محرم سنة تسع وخمس مائة. فأما نحن فما قتلونا بالقرب من سور المدينة، فاستظهرنا عليهم ودفعناهم وانبسطنا معهم، فشاهدت رجلاً من أصحابنا يقال له محمد بن سرايا شاب شديد ايد قد حمل عليه فارس من الإفرنج لعنه الله فطعنه في فخذه فنفذ القنطارية فيها، فمسكها

محمد وهي في فخذه، وجعل الإفرنجي بجذبها ليأخذها ومحمد يجذبها ليأخذها فترجع في فخذه حتى قورت فخذه. واستلب القنطارية بعد أن تلف فخذه، ومات بعد يومين رحمه الله.