عم أسامه يطعن في جفن عينه
و جرح عمي عز الدولة رحمه الله في ذلك اليوم عده جراح منها طعنه طعنها في جفن عينيه السفلاني من ناحية المأق، ونشب الرمح في المأزق عند مؤخر العين فسقط الجفن جميعه وبقي معلقا بجلده من مؤخر العين، والعين تلعب لا تستقر، وأنما الجفون التي
تمسك العين، فخاطبها الجرائحي وداواها فعادت كحالها الأوله لا تعرف العين المطعونة من الأخرى.
شجاعة عم أسامه ووالده
وكانا رحمهما الله من أشجع قومهما، ولقد شهدتهما يوما وقد خرجا إلى الصيد بالبزاة نحو تل ملح وهناك طير ماء كثير، فما شعرنا إلا وعسكر طرابلس قد أغار على البلد ووقفوا عليه، فرجعنا وكان الوالد من أثر المرض، فأما عمي فخف بمن معه من العسكر
وسار حتى عبر المخاض إلى الإفرنج وهم يرونه، وأما الوالد فسار والحصان يخب به وأنا معه صبي وفي يده سفرجله يمتص منها، فلما دنونا من الإفرنج قال لي أمض أنت أدخل من السكر وعبر هو من ناحية الإفرنج. ومره أخرى شاهدته وقد أغارت علينا خيل
محمود بن قراجا، ونحن على فسحه من البلد، وخيل محمود أقرب إليه منها، وأنا قد حضرت القتال ومارست الحرب، فلبست كزاغندي وركبت حصاني وأخذت رمحي، وهو رحمه الله على بغله. فقلت يا مولاي ما تركب حصانك! قال بلى وسار كما هو غير منزعج ولا مستعجل،
وأنا لخوفي عليه ألح عليه في ركوبه حصانه إلى أن وصلنا إلى البلدة وهو على بغلته، فلما عاد أولئك وأمنا قلت يا مولاي ترى العدو قد حال بيننا وبين البلد وأنت لا تركب بعض جنائبك وأنا أخاطبك فلا تسمع! قال يا ولدي، في طالعي أنني
لا ارتاع. وكان رحمه الله له اليد الطولى في النجوم مع ورعه ودينه وصومه الدهر وتلاوة القرآن، وكان يحرضني على معرفة علم النجوم فآبى وأمتنع، فيقول فاعرف أسماء النجوم ما يطلع منها ويغرب. وكان يريني النجوم ويعرفني أسماءها.
مكيدة أفرنجيه على شيرز
ورأيت من أقدام الرجال ونخواتهم في الحرب أنا أصبحنا وقت صلاه الصبح رأينا سربه من الإفرنج نحوا من عشرة فوارس جاءوا إلى باب المدينة قبل أن يفتح فقالوا للبواب أي شيء اسم هذا البلد؟ والباب خشب بينهما عوارض وهو داخل الباب. قال شيزر فرموه بنشاب
من خلل الباب ورجعوا وخيلهم تخب بهم. فركبنا فكان عمي رحمه الله أول راكب وأنا معه والإفرنج رائحون غير منزعجين يلحقنا من الجند نفر، فقلت لعمي على أمرك آخذ أصحابنا واتبعهم اقلعهم وهم غير بعيدين. قال لا وكان أخبر مني بالحرب في الشام إفرنجي لا
يعرف شيزر؟ هذه مكيدة. ودعا فارسين من الجند على فرسين سوابق وقال أمضيا اكشفا تل ملح وكان مكمنا للإفرنج. فلما شارفاه خرج عليها عسكر انطاكيه جمعيه فأستقبنا متسرعيهم نريد الفرصه فيهم قبل ركود الحرب ومعنا جمعه النميري وابنه محمود وجمعه فارسنا وشيخنا، فوقع ابنه محمود
في وسطهم فصاح جمعه يا فرسان الخيل! ولدي! فرجعنا معه في سته عشر فارسا طعنا سته عشر فارسا من الفرنج وأخذنا صاحبنا من بينهم اختلطنا نحن وهم حتى أخذ واحد رأس ابن جمعه تحت إبطه فخلص ببعض تلك الطعنات.
أسامة وجمعة يهزمان ثمانية فرسان
ومع هذا فلا يثق إنسان بشجاعته ولا يعجب بأقدامه، فوالله لقد سرت مع عمي رحمه الله أغرنا على أفامية، وأتفق أن رجالها خرجوا ليسيروا قافلة فسيروها وعادوا، ونحن لقيناهم فقتلنا منهم قدر عشرين رجلاً، ورأيت جمعة النميري رحمه الله وفيه نصف قنطارية قد طعن بها
في لبد السرج وخرج الرمح من البداد إلى فخذه ونفذ إلى خلفه فانكسرت القنطارية فيه فراعني ذالك. فقاللا بأس، أنا سالم. ومسك سنان القنطارية وجذبها منه وهو وفرسه سالمان. فقلتيا أبا محمود اشتهي أتقرب من الحصن أبصره. قالسر. فرحت أنا وهو نخب فرسينا، فلما أشرفنا
على الحصن إذا من الإفرنج ثمانية من الفرسان وقوف على الطريق وهي مشرفة على الميدان من ارتفاع لا ينزل منه إلا من تلك الطريق. فقال لي جمعة قف حتى أريك ما أصنع فيهم. قلت ما هذا أنصاف، بل نحمل عليهم أنا وأنت. قالسر، فحملنا عليهم
فهزمناهم ورجعنا نحن نرى إنا قد فعلنا شيئاً ما يقدر يفعله غيرنا، نحن اثنان قد هزمنا ثمانية فرسان من الإفرنج.
ثم يهزمها رويجل
فوقفنا على ذلك الشرف ننظر الحصن، فما راعنا إلا رويجل قد طلع علينا من ذالك السند الصعب معه قوس ونشاب فرمانا، ولا سبيل لنا إليه فهزمنا، والله ما صدقنا نتخلص منه وخيلنا سالمة، ورجعنا، دخلنا مرج أفامية فسقنا منه غنيمة كبيرة من الجواميس والبقر والغنم،
وانصرفنا وفي قلبي من ذلك الرجل الذي هزمنا حسرة الذي ما كنا لنا إليه سبيل، وكيف هزمنا راجل ولحد وقد هزمنا ثمانية فرسان من الإفرنج.
المداواة بالعلل
وشهدت يوماًوقد أغارت علينا خيل كفر طالب في قلة ففزعنا إليهم طامعين فيهم لقلتهم، وقد كمنوا لنا كميناً في جماعة منهم، وأنهزم الذين أغاروا فتبعناهم حتى أبعدنا عن البلد، فخرج إلينا الكمين ورجع إلينا الذين كنا نطردهم، فرأينا اننا ان انهزمنا قلعونا كلنا فالتقيناهم مستقلين
فنصرنا الله عليهم، فقلعنا منهم ثمانية عشر فارساًمنهم من طعن فمات ومنهم من طعن فوقع وهو سالم ومنهم من طعن حصانه فهو راجل. فجذب الذين في الأرض منهم سالمون، ووقفوا، كل من اجتاز بهم ضربوه. فأجتاز جمعه النميري رحمه الله بواحد منهم فخطا إليه وضربه
على رأسه، وعلى رأسه قلنسوة فقطعها وشق جبهته وجرى منها الدم حتى نزح وبقيت مثل فم السمكة مفتوحة، فلقيته ونحن في ما نحن فيه من الإفرنج فقلت له يا أبا محمود ما تعصب جراحك! فقال ما هذا وقت العصائب وشد الجراح. وكان لا يزال على
وجهه خرقه سوداء وهو رمد وفي عينيه عروق حمر. فلما أصابه ذلك الجرح وخرج منه الدم الكثير زال ما كان يشكوه من عينيه ولم يعد يناله منهما رمد ولا ألم فربما صحت الأجسام باللعل.
استخلاص ابن عم أسامه من أيدي الإفرنج
وأما الإفرنج فإنهم اجتمعوا بعدما قتلنا منهم من قتلنا ووقفوا مقابلنا. فجاءني ابن عمي ذخيرة الدولة أبو القنا خطام رحمه الله فقاليا ابن عمي معك جنيبتان وأن على هذا الفرس الحطم. قلت للغلامقدم له الحصان الأحمر فقدمه له، فساعة ما أستوىفي سرجه حمل على الإفرنج
وحده فافرجوا له حتى توسطهم وطعنوه، رموه وطعنوا الحصان واقبلوا قنطارياتهم وصاروا يركشونه بها، وعليه زرديه حصينه ما تعمل رماحهم فيها، وعليه زرديه حصينه ما تعمل رماحهم فيها، فتصايحنا صاحبكم! صاحبكم! وحملنا عليهم فهزمناهم عنه واستخلصناه وهو سالم، وأما الحصان فمات في يومه، فسبحان المسلم
القادر. وتلك الواقعة إنما كانت لسعادة جمعه وشفاء عينيه، فسبحان القائل وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم.