واحد يغزو ثمانية
ومن ذلك ما حكاه لي العقاب الشاعر رجل من أجنادنا من الغرب قالخرج أبي من تدمر يريد سوق دمشق ومعه أربعة فوارس وأربعة رجالة وهم يسوقون ثمانية جمال ليبيعوها. قالبينا نحن نسير إذا فارس مقبل من صدر البرية، فجاء يسير حتى صار بالقرب منا فقالخلوا
عن الجمال فصحنا عليه وشتمناه، فأطلق حصانه علينا فطعن منا فارساً رماه عن فرسه وجرحه، فطردناه فسبق، ثم عاد إلينا وقالخلوا عن الجمال! فصحنا عليه وشتمناه، فحمل علينا فطعن راجلاً منا أوثقه بالجرح، وتبعناه فسبقنا، ثم عاد وقد بطل منا رجلان فأطلق علينا فأستقبله رجل
منا فطعنه صاحبنا فوقعت الطعنة في قربوس سرجه فأنكسر رمح صاحبنا، وطعنه الفارس فجرحه، ثم حمل علينا فطعن رجلاً منا فصرعه وقالخلوا على الجمال! وإلا أفنيتكم. قلناتعال خذ نصفها قاللا، أحبسوا منها أربعة أتركوها وقوفاً وخذوا أربعة وأمضوا، ففعلنا وما صدقنا نخلص بما سلم معنا،
وساق هو تلك الأربعة ونحن نراه ما لنا فيه حيلة ولا طمع، وعاد بالغنيمة وهو وحده ونحن ثمانية رجال.
إفرنجي يستولي على مغار
ومن ذلك أن دنكري صاحب إنطاكية أغار على شيزر فاستاق دواب كثيرة وقتل وسبى، ونزل على قرية يقال لها زلين فيها مغار معلقه لا يوصل إليها في وسط الجبل، ما إليها من فوق منزل ولا إليها من أسفل مطلع، إنما ينزل إليها من يحتمي فيها
بالحبال، وذلك يوم الخميس العشرين من ربيع الآخر سنة اثنين وخمس مائة، فجاء شيطان من فرسانهم إلى دنكري فقالاعمل لي صندوقاً من الخشب وأنا أقعد فيه، ودلوني من الجبل إليهم بسلاسل أوثقوها في الصندوق حتى لا يقطعوها بالسيف فأسقط. فعملوا له صندوقاً ودلوه بالسلاسل المعلقات
إلى المغار، وأنزل كل من كان فيها إلى دنكري. وذلك أن المغار بهو ما فيه مكان يستتر الناس فيه - وذلك يرميهم بالنشاب فلا تقع نشابة إلا في إنسان لضيق الموضع وكثرت الناس فيه.
عم أسامه يفك أسر مسلمة
وكان ممن أسر في جملة من أسر في ذلك اليوم امرأة كانت من أصل جيد من العرب وصفت لعمي عز الدين أبي العساكر سلطان رحمه الله قبل ذلك وهي في بيت أبيها. فأرسل عمي عجوزاً من أصحابه تبصرها فعادت تصفها وجمالها وعقلها أما لرغبة بذولها
لها أما أروها غيرها، فخطبها عمي وتزوجها. فلما دخلت عليه رأى غير ما وصف له منها، ثم هي خرساء، فوفاها مهرها وردها إلى قومها، فأسرت من بيوت قومها ذلك اليوم فقال عميما أدع امرأة تزوجتها وانكشفت علي في أسر الإفرنج. فاشتراها رحمه الله بخمس مائة
دينار وسلمها إلى أهلها.
فطنة فتاة تركية
ومن ذلك ما حدثني به الؤيد الشاعر البغدادي بالموصل سنة خمس وستين وخمس مائة قالاقطع الخليفة والدي ضيعة وهو يتردد إليها وبها جماعة من العيارين يقطعون الطريق ووالدي يصانعهم لخوفه منهم وانتفاعه بشيء مما يأخذونه. فنحن يوماً جلوس بها أقبل غلام تركي على حصانه ومعه
بغل رحل عليه خرج وجارية راكبه فوق الخرج فنزل وأنزل الجارية فقاليا فتيان، اسعدوني على حط الخرج، فجئنا حططناه معه وإذا به كله دنانير ذهب ومصاغ، فجلس هو والجارية، أكلا شيئا ثم قالاسعدوني على رفع الخرج، فرفعناه معه فقال لناكيف طريق الأنبار؟ فقال له والديالطريق
ها هنا وأشار إلى الطريق ولكن في الطريق ستون عياراً أخاف عليك منهم. فضرط له وقالأنا أخاف من العيارين! فتركه والدي ومضى إلى العيارين أخبرهم خبره وما معه، فخرجوا حتى عارضه في الطريق، فلما رآهم أخرج قوسه وترك فيه سهمًا واستوفاه يريد يرميهم فانقطع الوتر،
فهجم عليه العيارون فانهزم، وأخذ البغل والجارية والخرج فقالت لهم الجارية يا شباب بالله لاتهتكوني وبيعوني نفسي والبغل أيضاً بعقد جوهر مع التركي قيمته خمس مائة دينار، وخذوا الخرج وما فيه قالواقد فعلنا. ابعثوا لي بعضكم حتى أتحدث مع التركي وآخذ العقد، فبعثوا معها من
يحفظها حتى دنت من التركي وقالت لهلقد اشتريت نفسي والبغل بالعقد التي في ساق موزك خفك اليسار فادفعه لي. قالنعم. وانفسح عنهم وأخرج الساق موزا وإذا فيه وتر قوس، فركبه على قوسه ورجع إليهم. فما زالوا يقاتله وهو يقتل منهم واحدًا واحداً حتى قتل منهم
ثلاثة وأربعين رجلاً. ونظر فإذا والدي في جماعة الباقين من العيارين فقالوأنت فيهم! فتشتهي أعطيك نصيبك من النشاب! قاللا. قالخذ هؤلاء السبعة عشر الباقين أمض بهم إلى شحنة البلد يشنقهم واولائك قد زنهروا ورموا سلاحهم. وساق بغله بما عليه ومضى، وقد أرسل الله تعالى على
العيارين منه مصيبة وسخطة عظيمة.
مغامرات أخرى
ومن ذلك ما حضرته في سنة تسع وخمسمائة وقد خرج والدي رحمه الله بالعسكر إلى اسباسلار برسق رحمه الله وقد وصل بأمر السلطان إلى الغزاة وهو في خلق عظيم وجماعة من الأمراءمنهم أمير الجيوش اوزبه صاحب الموصل، وسنقرد راز صاحب الرحبة والأمير كندغندي، والحاجب الكبير
بكتمر، وزنكي بن برسق وكان من الأبطال، وتميرك، وإسماعيل البكجي وغيرهم من الأمراء. فنزلوا على كفر طاب وفيها أخوا ثويفل والإفرنج فقاتلوها ودخلوا الخرسانية في الخندق ينقبون، والإفرنج قد أيقنوا بالهلاك فطرحوا النار بالحصن فأحرقوا السقوف فوقعت على الخيل والدواب والغنم والخنازير والأسارى فاحترق الجميع
وبقي الأفرنج معلقين في أعلاه على الحيطان. فوقع لي أن أدخل في النقب أبصره فنزلت في الخندق، والنشاب والحجار مثل المطر علينا ودخلت النقب فرأيت حكمة عظيمة قد نقبوا من الخندق إلى الباشورة وأقاموا في جوانب النقب قائمتين وعليهما عرضية تمنع من تهدم ما فوقها
ونظموا النقب بالأخشاب كذلك إلى أساس البشورة وعلقوه وبلغوا أساس البرج وحملوه على الأخشاب ويخرجون نقارة الحجار اولاً فأولاً. وأرض النقب من النقش قد صارت طيناً، فرأيته وخرجت ولم يعرفني الخرسانية، ولو عرفوني ما تركوني أخرج إلا بغرامة كثيرة لهم. وشرعوا في تقطيع الخشب اليابس
وحشوا النقب بذلك الخشب واصبحوا طرحوا فيه النار. وقد لبسنا وزحفنا إلى الخندق لنهجم الحصن إذا وقع البرج وعلينا من الحجارة والنشاب بلاء عظيم. فأول ما عملت النار صار يسقط ما بين الحجار من تكحيل الكلس ثم انشق واتسع الشق ووقع البرج، ونحن نظن إذا
وقع تمكن من الدخول عليهم، فوقع الوجه البراني وبقي الحائط الجواني كما هو فوقفنا إلى ان خيمت علينا الشمس ورجعنا إلى خيامنا، وقد نالنا من الحجارة أذى كثير.
فمكثنا إلى الظهر وإذا قد خرج من العسكر راجل واحد معه سيفه وترسه فمضى إلى حائط البرج الذي قد وقع وقد صارت جوانبه كدرج السلم فتوقل فيه حتى صعدا أعلاه، فلما رآه رجال العسكر تبعه منهم قدر عشرة رجال تسرعوا بعدتهم فصعدوا واحداً وراء واحد
حتى صاروا على البرج والإفرنج لا يشعرون بهم. ولبسنا نحن من الخيام وزحفنا، فكثروا على البرج قبل أن يتكامل الناس عندهم. ففرغ إليهم الإفرنج فرموهم بالنشاب فجرحوا الذي طلع في الأول فنزل. وتتابع الناس في الطلوع وصاروا مع الإفرنج على بدن من الحيطان البرج وبين
يديهم برج في بابه فارس لابس ومعه ترسه وقنطاريته يحمي من دخول البرج، وعلى البرج جماعة من الإفرنج يقاتلون الناس بالنشاب والحجارة، فصعد رجل من الأتراك ونحن نراه، ومشى والبلاء يأخذه إلى أن دنا من البرج وضرب الذي عليه بقارورة نفط فرأيته كالشهاب على تلك
الحجارة إليهم، وقد رموا نفوسهم إلى الأرض خوفاً من الحريق، ثم عاد. وطلع أخر يمشي على البدن ومعه سيف وترس، فخرج عليه من البرج الذي في بابه الفارس رجل منهم عليه زرديتان وبيده قنطاريه وما معه ترس، فلقيه التركي وفي يده سيفه فطعنه الإفرنجي فدفع
سنان قنطارية عنه بالترس ومشى إلى الإفرنجي وقد دخل على الرمح إليه، فولى عنه وأدار ظهره وأمال ظهره كالراكع خوفاً على رأسه، فضربه التركي ما عملت فيه شيئاً، ومشى حتى دخل البرج وقوي عليهم الناس وتكاثروا، فسلموا الحصن ونزل لأسارى إلى الخيام برسق بن برسق.
فشاهدت ذلك الذي خرج بقنطاريته على التركي وقد جمعهم في سرادق برسق بن برسق ليقطعوا على نفوسهم ثمنناً يخلصون به، فوقف وكان سرجندياً وقالكم تأخذون مني؟ قالوانريد ستمائة دينار. فضرط لهم وقالأنا سرجندي ديواني كل شهر ديناران، من أين لي ستمائة دينار؟ وعاد جلس بين
أصحابه، وكان خلقة عظيمة. فقال الأمير سيد الشريف وكان من كبار الأمراء لوالدي رحمهما اللهيا أخي ترى هؤلاء القوم؟ نعوذ بالله منهم. فقضى سبحانه ان العسكر رحل من كفر طاب إلى دانيث وصحبهم عسكر إنطاكية يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من ربيع الآخر. وكان تسليم كفر
طاب يوم الجمعه ثالث عشر ربيع الأخر، فقتل الأمير سيد رحمه الله وخلق كثير من المسلمين. وعاد الوالد رحمه الله وكنت قد فارقته من كفر طاب وقد كسر العسكر، ونحن في كفر طاب نحرزها نريد نعمرها، وكان اسباسلار سلمها إلينا ونحن نخرج الأسرى كل أثنين
في قيد من أهل شيزر وقد احترق نصف ذا وقد بقيت فخذه، وذا قد مات في النار، فرأيت منهم عبرة عظيمة فتركناها وعدنا إلى شيزر مع الوالد رحمه الله، وقد أخذ كل ما كان معه من الخيام والجمال والبغال والبرك والتحمل وتفرق العسكر.