منزلة الفارس عند الأفرنج
والإفرنج خذلهم الله ما فيهم فضيلة من فضائل الناس سوى الشجاعة ولا عندهم تقدمة ولا منزلة عالية إلا للفرسان، ولا عندهم ناس إلا للفرسان، فهم أصحاب الرأي وهم أصحاب القضاء والحكمة، وقد حاكمتهم مرة على قطعان غنم أخذها صاحب بانياس من الشعراء وبيننا وبينهم صلح،
وأنا إذ ذاك بدمشق. فقلت للملك فلك بن فلكهذا تعدى علينا وأخذ دوابنا، وهو وقت ولاد الغنم، فولدت وماتت أولادها وردها علينا بعد أن أتلفها. فقالالملك لستة سبعة من الفرسانقوموا أعملوا له حكماً، فخرجوا من مجلسه وأعتزلوا وتشاوروا حتى أتفق رأيهم كلهم على شيء واحد
وعادوا إلى مجلس الملك فقالواقد حكمنا أن صاحب بانياس عليه غرامة ما أتلف من غنمهم، فأمره الملك بالغرامة فتوسل إلي وثقل علي وسألني حتى أخذت منه أربع مائة دينار. وهاذا الحكم بعد أن تعقده الفرسان ما يقدر الملك ولا أحد من مقدمي الأفرنج يغيره ولا
ينقصه، فالفارس أمر عظيم عندهم. ولقد قال لي الملك يا فلان وحق ديني لقد فرحت البارحة فرحاً عظيم. وما كنت اعتقد أنك فارس. قلت يا مولاي أنا فارس من جنسي وقومي. وإذا كان الفارس دقيقاً عظيماً كان أعجب لهم.
أمان تنكرد لا قيمة له
وهو أول وكان نزل علينا كندري أصحاب إنطاكية بعد ميمون، فقاتلنا ثم أصلحنا، فنفذ يطلب حصاناً لغلام لعمي عز الدين رحمه الله وكان فرساً جواداً، فنفذه له عمي تحت رجل من أصحابنا كردي يقال له حسنون، وكان من الفرسان الشجعان وهو شاب مقبول الصورة دقيق
ليسابق بالحصان بين يدي كندري. فسابق به فسبق الخيل المجراة كلها وحضر بين يدي دنكري فصار الفرسان يكشفون سواعده ويتعجبون من دقته وشبابه، وقد عرفوا أنه فارس شجاع فخلع عليه دنكري. فقال له حسنونيا مولاي أريدك تعطيني أمانك أنك أن ظفرت بي في القتال تصطنعني
وتطلقني. فأعطاه أمانة على ما توهم حسنون فأهم لا يتكلمون إلا بالإفرنجية، ما ندري ما يقولونومضى على هذا سنة أو أكثر وأنقضت مدة الصلح، وجاءنا دنكري في عسكر إنطاكية فقاتلنا عند سور المدينة، وكانت خيلنا لقيت أوائلهم، فطعن فيهم رجل يقال له كامل المشطوب من
أصحابنا كردي وهو وحسنون نظراء في الشجاعة، وحسنون واقف مع والدي رحمه الله على حجرة له ينتظر حصانه يأتيه به غلامه من عند البيطار ويأتيه كزاغندة، فأبطأ عليه وأقلقه طعن كامل المشطوب فقال والدييا مولاي أمرلي بلباس خفيف. فقال هذه البغال عليها السلاح واقفة مهما
صلح لك ألبسه. وأنا إذ ذاك واقف خلف والدي وأنا صبي وهو أول يوم رأيت فيه القتال. فنظر الكزاغندات في عيبها على البغال فما وافقته وهو يغلي يريد يتقدم يعمل كما عمل كامل المشطوب، فتقدم على حجرته وهو معرى فأعترضه فارس منهم فطعن الفرس في
قطأتها فعضت على فاس اللجام وحملت به حتى رمته في وسط موكب الأفرنج فأخذوه أسيراً وعذبوه أنواع العذاب وأرادوا قلع عينه اليسرى فقال لهم دنكري لعنه اللهأقلعوا عينه اليمين، حتى إذا حمل الترس أسترت عينه اليسار فلا يبقى يبصر شيئاً. فقلعوا عينه اليمين كما أمرهم
وطلبوا منه ألف دينار وحصاناً أدهم كان لوالدي من خيل خفاجة جواداً من أحسن الخيل فاشتراه بالحصان رحمه الله. وكان خرج من شيزر في ذلك اليوم راجل كثير، فحمل عليهم الفرنج فما زعزعوهم من مكانهم، فحرد دنكري وقال أنتم فرساني، وكل واحد منكم له ديوان
مثل ديوان مائة مسلم. وهؤلاء سرجند (يغني رجالة) ما تقدرون تقلعون من موضعهم! قالواإنما خوفنا على الخيل وإلا دسناهم وطعناهم قالالخيل لي، من قتل حصانه أخلفته عليه. فحملوا على الناس عدة حملات، فقلت منهم سبعون حصاناً ما قدروا يزحزحونهم من مواقفهم.
فارس إفرنجي يهزم أربعة مسلمين
وكان بأفامية فارس من كبار فرسانهم يقال له بدرهوا، فكان أبداً يقولترى ما ألتقي جمعة في القتال؟ وجمعة يقولترى ما ألتقي بدرهوا في القتال؟ فنزل علينا عسكر إنطاكية وضرب خيامه في الموضع الذي كان ينزله وبيننا وبينهم الماء، ولنا موكب واقف على شرف مقابلهم، فركب
فارس من الخيام وسار حتى وقف تحت موكبنا والماء بينه وبينهم، وصاح بهمفيكم جمعة؟ قالوالا. والله ما كان حاضر فيهم. وكان ذلك الفارس بدرهوا فالتفت فرأى أربعة فوارس منا من ناحيتهيحيى بن صافي وسهل بن أبي غانم الكردي وحارثة النميري وفارس آخر فحمل عليهم فهزمهم
ولحق واحد منهم طعنه طعنة فشلة ما ألحقه حصانه ليمكن الطعن وعاد إلى الخيام. ودخل أولئك النفر إلى البلد فافتضحوا وأستخفهم الناس ولاموهم وأزروا بهم وقالواأربعة فوارس يهزمهم فارس واحد! كنتم افترقتم له فكان طعن واحداً منكم وكان الثلاثة قتلوه، ولا قد افتضحتم. وكان أشد
الناس عليهم جمعة النميري. فكأن تلك الهزيمة منحتهم قلوباً غير قلوبهم وشجاعة ما كانوا يطمعون فيها فأنتخوا وقاتلوا اشتهروا في الحرب وصاروا من الفرسان المعدودين بعد تلك الهزيمة. وأما بدرهوا فإنه سار بعد ذالك من أفامية في بعض شغله يريد إنطاكية. فخرج عليه الأسد من
غاب في الروج في طريقه فخطفه عن بغلته ودخل به إلى الغاب أكله، لا رحمه الله.
واخر يحمل على عسكر
ومن إقدام الرجل الواحد على الجمع الكثيرفمن ذالك أن اسباسلار مودود رحمه الله نزل بظاهر شيزر يوم الخميس تاسع ربيع الأول سنة خمس وخمس مائة وقد قصده دنكري صاحب إنطاكية في جمع كثير، فخرج إليه عمي ووالدي رحمهما الله وقالاالصواب أن ترحل وتنزل في البلد،
ويضرب العسكر خيامهم على السطوحات في المدينة، ونلقى الأفرنج بعد أن تحرز خيامنا وأثقالنا. فرحل ونزل كما قالا له، وأصبحا خرجا إليه وخرج من شيزر خمسة آلاف راجل معدين، ففرح بهم اسباسلار وقويت نفسه. وكان معه رحمه الله رجال جياد فصفوا من قبلي الماء والإفرنج
نزول شمالية، فمنعوهم من الشرب والورود نهارهم. فلما كان الليل رحلوا راجعين إلى بلادهم والناس حولهم، فنزلوا على تل الترمسي فمنعوهم الورود كما عملوا بالأمس فرحلوا في الليل ونزلوا على تل التلول والعسكر قد ضايقهم ومنعهم من المسير فاحتاطوا بالماء ومنعوهم من الورود، ورحلوا في
الليل متوجهين إلى افامية، ففرغ إليهم العسكر واحتاطوا بهم وهم سائرون، فخرج منهم فارس واحد فحمل على الناس حتى توسطهم فقتلوا حصانه واثخنوه بالجراح، فقاتل وهو راجل حتى وصل أصحابه. ودخل الأفرنج أرضهم، وعاد المسلمون عنهم. ومضى اسباسلار مودود رحمة الله إلى دمشق، فجاءنا بعد
اشهر كتاب دنكري صاحب إنطاكية مع فارس معه غلمان وأصحاب يقولهذا فارس محتشم من الأفرنج وصل حج ويريد الرجوع إلى بلاده، وسألني أن أسيره إليكم يبصر فرسانكم وقد نفذته فاستووا به. وكان شاب حسن الصورة حسن اللباس، إلا أن فيه أثار جراح كثيرة وفي وجهه
ضربة سيف قد قدت من مفرقه إلى حكمته. فسألت عنه فقالواهذا الذي حمل على عسكر اسباسلار مودود وقتلوا حصانه، وقاتل حتى رجع إلى أصحابه. فتعالى الله القادر على ما يشاء كيف شاء لا يؤخر الأجل إلا حجام ولا يقدمه إلا قدام.