وهذان الفصلان وإن لم يكونا من جنس الباب فإنهما شاهدان على ما يقود إليه الهوى من الهلاك الحاضر الظاهر، الذي يستوي في فهمه العالم والجاهل؛ فكيف من العصمة التي لا يفهمها من ضعفت بصيرته. ولا يقولن امرؤ: خلوت فهو وإن انفرد فبمرأى ومسمع من علام الغيوب "الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور"، "ويعلم السر وأخفى"، "وما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا وهو عليم بذات الصدور". وهو
عالم الغيب والشهادة، "ويستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم"، وقال: "ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب أليه من حبل الوريد. إذ يتلقى الملتقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد. ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد".
وليعلم المستخف بالمعاصي. المتكل على التسويف. المعرض عن طاعة ربه أن إبليس كان في الجنة مع الملائكة المقربين فلمعصية واحدة وقعت منه استحق لعنة الأبد وعذاب الخلد وصير شيطاناً رجيماً وأبعد عن رفيع المكان وهذا آدم ﷺ بذنب واحد أخرج من الجنة إلى شقاء الدنيا ونكدها. ولولا أنه تلقى من ربه كلمات وتاب عليه لكان من الهالكين. أفترى هذا المغتر بالله ربه وبإملائه ليزداد إثماً يظن أنه أكرم على خالقه من أبيه آدم الذي خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته الذين هم
أفضل خلقه عنده؟ أو عقابه أعز عليه من عقوبته إياه؟ كلا، ولكن استعذاب التمني واستيطاء مركب العجز وسخف الرأي قائدة أصحابها إلى الوبال والخزي، ولو لم يكن عند ركوب المعصية زاجر من نهى الله تعالى ولا حام من غليظ عقابه لكان في قبيح الأحدوثة عن صاحبه وعظيم الظلم الواقع في نفس فاعله أعظم مانع وأشد رادع لمن نظر بعين الحقيقة واتبع سبيل الرشد، فكيف والله عز وجل يقول: "ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً يضاعف له
العذاب يوم القيامة ويخلد فيها مهاناً".
حدثنا الهمداني في مسجد القمرى بالجانب الغربي من قرطبة سنة إحدى وأربعمائة. حدثنا ابن سبويه وأبو إسحاق البلخي بخراسان سنة خمس وسبعين وثلاثمائة. قالا: ثنا محمد بن يوسف: ثنا محمد بن إسماعيل: ثنا قتيبة بن سعيد: ثنا جرير عن الأعمش عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل قال: قال عبد الله وهو ابن مسعود: قال رجل: يا رسول الله، أي الذيب أكبر عند الله؟ قال: "أن تدعو لله ندا وهو خلقك".
قال: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك أن يطعم معك". قال: ثم أي؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك". فأنزل الله تصديقها: "والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون". وقال عز وجل: "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله".
حدثنا الهمداني عن أبي إسحاق البلخي وابن سبويه عن محمد بن يوسف عن محمد بن إسماعيل عن الليث عن عقيل عن ابن شهاب الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وسعيد بن المسيب المخزوميين وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن". وبالسند المذكور إلى محمد بن إسماعيل عن يحيى بن بكير عن الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال
أنى رجل إلى رسول الله ﷺ وهو في المسجد فقال يا رسول الله، إني زنيت. فأعرض عنه. ثم رد عليه أربع مرات. فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي ﷺ فقال: أبك جنون؟ قال: لا. قال فهل أحصنت قال: نعم. فقال النبي ﷺ : اذهبو به فارجموه.
قال ابن شهاب: فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله قال: كنت فيمن رجمه فرجمناه بالمصلى، فلما أذلقته الحجارة هرب فأدركناه بالحرة فرجمناه.
حدثنا أبو سعيد مولى الحاجب جعفر في المسجد الجامع بقرطبة عن أبي بكر المقرئ عن أبي جعفر النحاس عن سعيد بن بشر عن عمرو بن رافع عن منصور عن الحسن عن حطان بن عبد الله الرقاشي عن عبادة بن الصامت عن رسول الله ﷺ قال: "خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً: البكر بالبكر جلد، وتغريب سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم. فيا لشنعة ذنب أنزل الله وحيه مبيناً بالتشهير بصاحبه، والعنف بفاعله، والتشديد لمقترفه، وتشدد في ألا يرجم إلا بحضرة أوليائه عقوبة
رجمه، وقد أجمع المسلمون إجماعاً لا ينقضه إلا ملحد أن الزاني المحصن عليه الرجم حتى يموت". فيا لها قتلة ما أهولها، وعقوبة ما أفظعها، وأشد عذابها وأبعدها من الإراحة وسرعة الموت.
وطوائف من أهل العلم منهم الحسن بن أبي الحسن وابن راهويه وداود وأصحابه يرون عليه مع الرجم جلد مائة، ويحتجون عليه بنص القرآن وثبات السنة عن رسول الله ﷺ وبفعل علي رضي الله عنه بأنه رجم امرأة محصنة في الزنا بعد أن جلدها مائة. وقال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله. والقول بذلك لازم لأصحاب الشافعي، لأن زيادة العدل في الحديث مقبولة، وقد صح في إجماع الأمة المنقول بالكافة الذي يصحبه العمل عند كل فرقة وفي أهل كل نحلة من نحل أهل القبلة، حاشى
طائفة يسيرة من الخوارج لا يعتد بهم، أنه لا يحل دم امرئ مسلم إلا بكفر بعد إيمان، أو نفس بنفس، أو بمحاربة الله ورسوله يشهر فيها سيفه ويسعى في الأرض فساداً مقبلاً عير مدبر، وبالزنا بعد الإحصان. فإن حد ما جعل الله مع الكفر بالله عز وجل ومحاربته وقطع حجته في الأرض ومنابذته دينه لجرم كبير ومعصية شنعاء، والله تعالى يقول: "إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم". "والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة". وإن كان أهل العلم
اختلفوا في تسميتها فكلهم مجمع مهما اختلفوا فيه منها أن الزنا يقدم فيها، لا اختلاف بينهم في ذلك ولم يوعد الله عز وجل في كتابه بالنار بعد الشرك إلا في سبع ذنوب، وهي الكبائر: الزنا أحدها، وقذف المحصنات أيضاً منها، منصوصاً ذلك كله في كتاب الله عز وجل.
وقد ذكرنا أنه لا يجب القتل على أحد من ولد آدم إلا في الذنوب الأربعة التي تقدم ذكرها. فأما الكفر منها فإن عاد صاحبه إلى الإسلام أو بالذمة إن لم يكن مرتداً قبل منه، ودرئ عنه الموت. وأما القتل فإن قبل الولي الدية في قول بعض الفقهاء أو عفا في قول جميعهم سقط عن القاتل القتل بالقصاص. وأما الفساد في الأرض فإن تاب صاحبه قبل أن يقدر عليه هدر عنه القتل، ولا سبيل في قول أحد مؤالف أو مخالف في ترك رجم المحصن، ولا وجه
لرفع الموت عنه البتة.
ومما يدل على شنعة الزنا ما حدثنا القاضي أبو عبد الرحمن: ثنا القاضي أبو عيسى عن عبد الله بن يحيى عن أبيه يحيى بن يحيى عن الليث عن الزهري عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عبيد بن عمير: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصاب في زمانه ناساً من هذيل، فخرجت جارية منهم فأتبعها رجل يريدها عن نفسها فرمته بحجر فقضت كبده، فقال عمر: هذا قتيل الله، والله لا يودي أبداً.
وما جعل الله عز وجل فيه أربعة شهود وفي كل حكم شاهدين إلا حياطة منه ألا تشيع الفاحشة في عباده، لعظمها وشنعتها وقبحها، وكيف لا تكون شنيعة ومن قذف بها أخاه المسلم أو أخته المسلمة دون صحة علم أو تيقن معرفة فقد أتى كبرة من الكبائر استحق عليها النار غداً، ووجب عليه بنص التتريل أن تضرب بشرته ثمانين سوطاً.
ومالك رضي الله عنه يرى ألا يؤخذ في شيء من الأشياء حد بالتعريض دون التصريح إلا في قذف.
وبالسند المذكور عن الليث بن سعيد عن يحيى بن سعيد عن محمد بن عبد الرحمن عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أمر أن يجلد الرجل قال لآخر: ما أبي بزان ولا أمي بزانية.
في حديث طويل وبإجماع من الأمة كلها دون خلاف من أحد نعلمه أنه إذا قال رجل لآخر: يا كافر، أو يا قاتل النفس التي حرم الله، لما وجب عليه حد؛ احتياطاً من الله عز وجل إلا يثبت هذه العظيمة في مسلم ولا مسلمة.
ومن قول مالك رحمه الله أيضاً أنه لا حد في الإسلام إلا والقتل يغني عنه وبنسخه إلا حد القذف، فإنه إن وجب على من قد وجب عليه القتل حد ثم قتل. قال الله تعالى: "والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون. إلا الذين تابوا". وقال تعالى: "إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم".
وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: الغضب واللعنة المذكوران في اللعان إنهما موجبتان.
حدثنا الهمداني عن أبي إسحاق عن محمد بن يوسف عن محمد بن إسماعيل عن عبد العزيز بن عبد الله، قال: ثنا سليمان عن ثور بن يزيد عن أبي الغيث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "اجتنبوا السبع الموبقات". قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات".
وإن في الزنا من إباحة الحريم، وإفساد النسل، والتفريق بين الأزواج الذي عظم الله أمره، مالا يهون على ذي عقل أومن له أقل خلاق، ولو لا مكان هذا العنصر من الإنسان وأنه غير مأمون الغلبة لما خفف الله عن البكرين وشدد على المحصنين. وهذا عندنا وفي جميع الشرائع القديمة النازلة من عند الله عز وجل حكما باقياً لم ينسخ ولا أزيل، فيترك الناظر لعباده الذي لم يشغله عظيم ما في خلقه ولا يحيف قدرته كبير ما في عوالمه عن النظر لحقير ما فيها، فهو كما
قال عز وجل: "الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم". وقال: "يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منا وما يترل من السماء وما يعرج فيها". وقال: "عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء".
وإن أعظم ما يأتي به العبد هتك ستر الله عز وجل في عباده. وقد جاء في حكم أبي بكر الصديق رضي الله عنه في ضربه الرجل الذي ضم صبيا حتى أمنى ضرباً كان سبباً للمنية. ومن إعجاب مالك رحمه الله باجتهاد الأمير الذي ضرب صبياً مكن رجلاً من تقبيله حتى أمنى الرجل، ضربه إلى أن مات، ما ينسى شدة دواعي هذا الشأن وأسبابه. والتزيد في الاجتهاد، وإن كنا لا نراه فهو قول كثير من العلماء يتبعه على ذلك عالم من الناس. وأما الذي نذهب أليه
فالذي حدثناه الهمداني عن البلخي عن البخاري عن الفربري عن البخاري قال: ثنا يحيى بن سليمان، ثنا ابن وهب قال: أخبرني عمرو أن بكيراً حدثه عن سليمان بن يسار عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه عن أبي بردة الأنصاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله عز وجل".
وبه يقول أبو جعفر محمد بن علي النسائي الشافعي رحمه الله.
وأما فعل قوم لوط فشنيع بشيع قال الله تعالى: "أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين". وقد قذف الله فاعليه بحجارة من طين مسومة. ومالك رحمه الله يرى على الفاعل والمفعول به الرجم أحصنا أو لم يحصنا. واحتج بعبض المالكيين في ذلك بأن الله عز وجل يقول في رجمه فاعليه بالحجارة: وما هي من الظالمين ببعيد. فوجب بهذا أنه من ظلم الآن بمثل فعلهم قربت منه والخلاف في هذه المسألة ليس هذا موضعه. وقد ذكر أبو إسحاق إبراهيم بن السري أن أبا بكر
رضي الله عنه أحرق فيه بالنار. وذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى اسم المحرق فقال: هو شجاع بن ورقاء الأسدي أحرقه بالنار أبو بكر الصديق لأنه يؤتي في دبره كما تؤتى المرأة.