ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 14 من 29

طوق الحمامة

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 14 من 291,759 كلمة في هذا الجزء

وهل الكفر إلا كذب على الله عز وجل، والله الحق وهو يحب الحق وبالحق قامت السموات والأرض. وما رأيت أخزى من كذاب، وما هلكت الدول ولا هلكت الممالك ولا سفكت الدماء ظلماً ولا هتكت الأستار بغير النمائم والكذب، ولا أكدت البغضاء والإحن المردية إلا بنمائم لا يحظى صاحبها إلا بالمقت والخزي والذل، وأن ينظر منه الذي ينقل إليه فضلاً عن غيره بالعين التي ينظر بها من الكلب. والله عز وجل يقول: "ويل لكل همزة لمزة". ويقول جل من قائل: "يا أيها الذين آمنوا إذ جاءكم

فاسق بنبإ فتبينوا". فسمى النقل باسم الفسوق.

ويقول: "ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم. مناع للخير معتد أثيم. عتل بعد ذلك زنيم". والرسول عليه السلام يقول: "لا يدخل الجنة قتات". ويقول: "وإياكم وقاتل الثلاثة". يعني المنقل والمنقول إليه والمنقول عنه والأحنف يقول: الثقة لا يبلغ، وحق لذي الوجهين ألا يكون عند الله وجيهاً. وهو ما يجعله من أخس الطبائع وأرذلها.

ولي إلى أبي إسحاق إبراهيم بن عيسى الثقفي الشاعر رحمه الله، وقد نقل إليه رجل من إخواني عني كذباً على جهة الهزل، وكان هذا الشاعر كثير الوهم فأغضبه وصدقه، وكلاهما كان لي صديقاً، وما كان الناقل إليه من أهل هذه الصفة ولكنه كان كثير المزاح جم الدعابة. فكتبت إلى أبي إسحاق، وكان يقول بالخبر، شعراً منه:

ولا تتبدل قالة قد سمعتها

تقال ولا تدري الصحيح بما تدري

كمن قد أراق الماء للآل إن بدا

فلاقى الردى في الأفيح المهمة القفر

وكتبت إلى الذي نقل عني، شعراً منه:

ولا تزعماً في الجد مزحاً كمولج

فساد علاج النفس طي صلاحها

ومن كان نقل الزور أمضى سلاحه

كمثل الحبارى تتقي بسلاحها

وكان لي صديق مرة؛ وكثر التدخيل بيني وبينه حتى كدح ذلك فيه واستبان في وجهه وفي لحظه، وطبعت على التأني والتربص والمسالمة ما أمكنت، ووجدت بالانخفاض سبيلاً إلى معاودة، المودة، فكتبت إليه شعراً منه:

ولي في الذي أبدى مرام لوانها

بدت ما ادعى حسن الرماية وهرز

وأقول مخاطباً لعبيد الله بن يحيى الجزيري الذي يحفظ لعمه الرسائل والبليغة وكان طبع الكذب قد استولى عليه واستحذ على عقله وألفه وألفة النفس الأمل ويؤكد نقله وكذبه بالإيمان المؤكدة المغلطة، مجاهراً بها أكذب من السراب مستهتراً بالكذب مشغوفاً به، لا يزال يحدث من قد صح عنده أنه لا يصدقه فلا يزجره ذلك عن أن يحدث بالكذب:

بدا كل ما كتمته بين مخبر

وحال أرتني قبح عقدك بينا

وكم حالة صارت بيانناً بحالة

كما تثبت الأحكام بالحبل الزنا

وفيه أقول قطعة منها:

أنم من المرآة في كل ما درى

وأقطع بين الناس من قصب الهند

أظن المنايا والزمان تعلما

تحليله بالقطع بين ذوي الود

وفيه أيضاً أقول من قصيدة طويلة:

وأكذب من حسن الظنون حديثه

وأقبح من دين وفقر ملازم

أوامر رب العرش أضيع عنده

وأهون من شكوى إلى غير راحم

تجمع فيه كل خزي وفضحة

فلم يبق شتماً في المقال أشاتم

وأثقل من عذل على غير قابل

وأبرد برداً من مدينة سالم

وأبغض من بين وهجر ورقبة

جمعن على حران حيران هائم

وليس من نبه غافلاً، أو نصح صديقاً، أو حفظ مسلماً، أو حكى عن فاسق وأحدث عن عدو ما لم يكن يكذب ولا يكذب، ولا تعمد الضغائن، متنقلاً.

وهل هلك الضعفاء وسقط من لا عقل له إلا في قلة المعرفة بالناصح من النمام، وهما صفتان متقاربتان في الظاهر متفاوتتان في الباطن، أحدهما داء والأخرى دواء والثاقب القريحة لا يخفى عليه أمرهما، لكن الناقل من كان تنقيله غير مرضى في الديانة، ونوى به التشتيت بين الأولياء، والتضريب بين الإخوان، والتحريش والتوبيش والترقيش. فمن خاف إن سلك طريق النصيحة أن يقع في طريق النميمة، ولم يثق لنفاذ تمييزه ومضاء تقديره فيما يرده من أموره دنياه ومعاملة أهل زمانه، فليجعل دينه دليلاً له وسراجاً يستضيء به،

فحيثما سلك به سلك وحيثما أوقفه وقف. فشارع الشريعة وباعث الرسول عليه السلام ومرتب الأوامر والنواهي أعلم بطريق الحق وأدري بعواقب السلامة ومغبات النجاة من كل ناظر لنفسه بزعمه؛ وباحث بقياسه في ظنه.

طوق الحمامة ( المخطوط )

المقدمة | تقسيم الرسالة | الكلام في ماهية الحب | علامات الحب | من أحب في النوم | من أحب بالوصف | من أحب من نظرة واحدة | من لا يحب إلا مع المطاولة | من أحب صفة لم يستحسن بعدها غيرها مما يخالفها | التعريض بالقول | الإشارة بالعين | المراسلة | السفير | طي السر | الإذاعة | الطاعة | المخالفة | العاذل | المساعد من الإخوان | الرقيب | الوشي | الوصل | الهجر | الوفاء | الغدر | البين | القنوع

| الضنى | السلو | الموت | قبح المعصية | فضل التعفف

NewPP limit report Parsed by mw‐web.eqiad.main‐bb4c6c8c4‐5dtq2 Cached time: 20260917194230 Cache expiry: 2592000 Reduced expiry: false Complications: [vary‐revision‐sha1] CPU time usage: 0.082 seconds Real time usage: 0.110 seconds Preprocessor visited node count: 89/1000000 Revision size: 15795/2097152 bytes Post‐expand include size: 11463/2097152 bytes Template argument size: 0/2097152 bytes Highest expansion depth: 3/100 Expensive parser function count: 0/500 Unstrip recursion depth: 0/20 Unstrip post‐expand size: 18416/5000000 bytes Lua time usage: 0.024/10.000 seconds Lua memory usage: 1858636/52428800 bytes Number of Wikibase entities loaded: 0/500

Transclusion expansion time report (%,ms,calls,template) 100.00% 90.854 1 -total 57.51% 52.247 1 قالب:ترويسة 38.02% 34.539 8 قالب:أبيات 1.65% 1.503 1 قالب:طوق_الحمامة 1.43% 1.298 6 قالب:ص

Render ID eb3fe243-b2cf-11f1-866b-f538c6a0461c

Saved in parser cache with key arwikisource:pcache:4795:|#|:idhash:canonical and timestamp 20260917194230 and revision id 478372. Rendering was triggered because: page_view

الوصل

ومن وجوه العشق الوصل، وهو حظ رفيع، ومرتبة سرية، ودرجة عالية، وسعد طالع. بل هو الحياة المجدة، والعيش السني، والسرور الدائم ورحمة من الله عظيمة. ولولا أن الدنيا دار ممر ومحنة وكدر، والجنة دار جزاء وأمان من المكاره، لقلنا إن وصل المحبوب هو الصفاء الذي لا كدر فيه، والفرح الذي لا شائبة ولا حزن معه، وكمال الأماني؛ ومنتهى الأراجي. ولقد جربت اللذات على تصرفها، وأدركت الحظوظ على اختلافها، فما للدنو من السلطان ولا للمال المستفاد، ولا الوجود بعد العدم، ولا الأوبة بعد طول الغيبة ولا

الأمن بعد الخوف، ولا التروح على المال، من الموقع في النفس ما للوصل؛ لا سيما بعد طول الامتناع، وحلول الهجر حتى يتأجج عليه الجوى، ويتوقد لهيب الشوق، وتنصرم نار الرجاء. وما أصناف النبات بعد غب القطر، ولا إشراق الأزاهير بعد إقلاع السحاب الساريات في الزمان السجسج ولا خرير المياه المتخللة لأفانين النوار، ولا تأنق القصور البيض قد أحدقت بها الرياض الخضر، بأحسن من وصل حبيب قد رضيت أخلاقه، وحمدت غرائزه، وتقابلت في الحسن أوصافه. وأنه لمعجز ألسنة البلغاء، ومقصر فيه بيان الفصحاء، وعنده تطيش الألباب،

وتعزب الأفهام. وفي ذلك أقول:

وسائل لي عما لي من العمر

وقد رأى الشيب في الفودين والعذر

أجبته ساعة لا شيء أحسبه

عمراً سواها بحكم العقل والنظر

فقال لي كيف ذا بينه لي فلقد

أخبرتني أشنع الأنباء والخبر

فقلت إن التي قلبي بها علق

قبلتها قبلة يوم على خطر

فما أعد ولو طالت سني سوى

تلك السويعة بالتحقيق من عمري

ومن لذيذ معاني الوصل المواعيد، وإن للوعد المنتظر مكاناً لطيفاً من شغاف القلب، وهو ينقسم قسمين، أحدهما الوعد بزيارة المحب لمحبوبه وفيه أقول قطعة، منها:

أسامر البدر لما أبطأت وأرى

في نوره من سنا إشراقها عرضاً

فبت مشترطاً والود مختلطاً

والوصل منبسطاً والهجر منقبضاً

من كان ممتحنا بهوى في بعض المنازل المصاقبة فكان يصل متى شاء بلا مانع ولا سبيل إلى غير النظر والمحادثة زماناً طويلاً، ليلا متى أحب واراً، إلى أن ساعدته الأقدار بإجابة، ومكنته بإسعاد بعد يأسه، لطول المدة ولعهدي به قد كاد أن يختلط عقله فرحاً، وما كاد يتلاحق كلامه سروراً، فقلت في ذلك:

برغبة لو إلى ربي دعوت بها

لكان ذنبي عند الله مغفوراً

ولو دعوت بها أسد الفلا لغدا

إضرارها عن جميع الناس مقصوراً

فجاد باللثم لي من بعد منعته

فاهتاج من لوعتي ما كان مغموراً

كشارب الماء كي يطفي الغليل به

فغص فانصاع في الأجداث مقبوراً

وقلت:

جرى الحب مني مجرى النفس

وأعطيت عيني عنان الفرس

ولي سيد لم يزل نافراً

وربما جاد لي في الخلس

فقبلته طالباً راحة

فزاد أليلا بقلبي اليبس

وكان فؤادي كتبت هشيم

يبيس رمى فيه رام قبسي

ومنها:

ويا جوهر الصين سحقاً فقد

عنيت بياقوتة الأنداس

خبر: وإني لأعرف جارية اشتد وجدها بفتى من أبناء الرؤساء، وهو لا علم عنده، وكثر غمها وطال أسفها إلى أن ضنيت بحبه، وهو بغرارة الصبي لا يشعر. ويمنعها من إبداء أمرها إليه الحياء منه لأنها كانت بكراً بخاتمها، مع الإجلال له عن الهجوم عليه بما لا تدري لعله لا يوافقه.

فلما تمادى الأمر وكانا إلفين في النشأة، شكت ذلك إلى امرأة جزلة الرأي كانت تثق بها لتوليها تربيتها، فقالت لها: عرضي له بالشعر. ففعلت المرة بعد المرة وهو لا يأبه في كل هذا، ولقد كان لقناً ذكياً لم يظن ذلك فيميل إلى تنتيش الكلام بوهمه، إلى أن عيل صبرها وضاق صدرها ولم تمسك نفسها في قعدة كانت لها معه في بعض الليالي منفردين، ولقد كان يعلم الله عفيفاً متصاوناً بعيداً عن المعاصي، فلما حان قيامها عنه بدرت إليه فقبلته في فمه ثم ولت في ذلك

الحين ولم تكلمه بكلمة، وهي تتهادى في مشيها، كما أقول في أبيات لي:

كأنها حين تخطو في تأودها

قضيب نرجسة في الروض مياس

كأنما خلدها في قلب عاشقها

ففيه من وقعها خطر ووسواس

كأنما مشيها مشي الحمامة لا

كد يعاب ولا بطء به باس

فبهت وسقط في يده وفت في عضده ووجد في كبده وعلته وجمة، فما هو إلا أن غابت عنه ووقع في شرك الردى واشتعلت في قلبه النار وتصعدت أنفاسه وترادفت أرجاله وكثر قلقه وطال أرقه، فما غمض تلك الليله عيناً، وكان هذا بدء الحب بينهما دهراً، إلى أن جذت جملتها يد النوى. وإن هذا لمن مصائد إبليس ودواعي الهوى التي لا يقف لها أحد ألا من عصمه الله عز وجل. ومن الناس من يقول: إن دوام الوصل يودي بالحب، وهذا هجين من القول، إنما ذلك لأهل

الملل، بل كلما زاد وصلاً زاد اتصالاً.

وعني أخبرك أني ما رويت قط من ماء الوصل ولا زادني إلا ظلماً. وهذا حكم من تداوى برأيه وإن ربه عنه سريعاً. ولقد بلغت من التمكن بمن أحب أبعد الغايات التي لا يجد الإنسان وراءها مرمى، فما وجدتني إلا مستزيداً، ولقد طال بي ذلك فما أحسست بسآمة ولا رهقتني فترة، ولقد ضمني مجلس مع بعض من كنت أحب فلم أجل خاطري في فن من فنون الوصل إلا وجدته مقصراً عن مرادي وغير شاف وجدي ولا قاض أقل لبانة من لباناتي، ووجدتني كلما ازددت دنواً ازددت

ولوعاً، وقدحت زناد الشوق نار الوجد بين ضلوعي، فقلت في ذلك المجلس:

وددت بأن القلب شق بمدية

وادخلت فيه ثم أطبق في صدري

فأصبحت فيه لا تحلين غيره

إلى مقتضى يوم القيامة والحشر

تعيشين فيه ما حييت فإن أمت

سكنت شغاف القلب في ظلم القبر

وما في الدنيا حالة تعدل محبين إذا عدما الرقباء، وأمنا الوشاة، وسلما من البين، ورغبا عن الهجر، وبعدا عن الملل، وفقدا العذال، وتوافقا في الأخلاق، وتكافيا في المحبة، وأتاح الله لهما رزقاً دارا، وعيشاً قاراً، وزماناً هادياً، وكان اجتماعهما على ما يرضي الرب من الحال، وطالت صحبتهما واتصلت إلى وقت حلول الحمام الذي لا مرد له ولا بد منه، هذا عطاء لم يحصل عليه أحد، وحاجة لم تقض لكل طالب، ولو لا أن مع هذه الحال الإشفاق من بغتات المقادير المحكمة في غيب الله عز