ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 15 من 29

طوق الحمامة

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 15 من 291,194 كلمة في هذا الجزء

وجل، من حلول فراق لم يكتسب؛ واخترام منية في حال الشباب أو ما أشبه ذلك، لقلت إنها حال بعيدة من كل آفة، وسليمة من كل داخلة. ولقد رأيت من اجتمع له هذا كله إلا أنه كان دهى فيمن كان يحبه بشراسة الأخلاق، ودالة على المحبة، فكانا لا يتهنيان العيش ولا تطلع الشمس في يوم إلا وكان بينهما خلاف فيه، وكلاهما كان مطبوعاً بهذا الخلق. لثقة لك واحد منهما بمحبة صاحبه، إلى أن دنت النوى بينهما فتفرقا بالموت المرتب لهاذ العالم، وفي ذلك أقول:

كيف أذم النوى وأظلمها

وكل أخلاق من أحب نوى

قد كان يكفي هوى أضيق به

فكيف إذ حل بي نوى وهوى

وروى عن زياد بن أبي سفيان رحمه الله أنه قال لجلساته: من أنعم الناس عيشة؟ قالوا: أمير المؤمنين. فقال: وأين ما يلقى من قريش؟ قيل: فأنت. قال: أين ما ألقى من الخوارج والثغور؟ قيل فمن أيها الأمير. قال: رجل مسلم له زوجة مسلمة لهما كفاف من العيش قد رضيت به ورضى بها لا يعرفنا ولا نعرفه.

وهل فيما وافق إعجاب المخلوقين، وجلا القلوب، واستمال الحواس. واستهوى النفوس، واستولى على الأهواء، واقتطع الألباب، واختلس العقول، مستحسن يعدل إشفاق محب على محبوب ولقد شاهدت من هذا المعنى كثيراً، وإنه لمن المناظر العجيبة الباعثة على الرقة الرائقة المعنى لا سيما إن كان هوى يتكتم به. فلو رأيت المحبوب حين يعرض بالسؤال عن سبب تغضبه بحبه، وخجلته في الخروج مما وقع فيه بالإعتذار، وتوجيهه إلى غير وجهه، وتحليله في استنباط معنى يقيمه عند جلسائه، لرأيت عجباً ولذة مخيفة لا تقاومها لذة، و رأيت أجلب للقلوب

ولا أغوص على حياتها ولا أنفذ للمقاتل من هذا الغفل، وإن للمحبين في الوصل من الاعتذار ما أعجز أهل الأذهان الذكية والأفكار القوية. ولقد رأيت في بعض المرات هذا فقلت:

إذا مزجت الحق بالباطل

جوزت ما شئت على الغافل

وفيهما فرق صحيح له

علامة تبدو إلى العاقل

كالتبر إن تمزج به فضة

جازت على كل فتى جاهل

وأن تصادف صائغاً ماهراً

ميز بين المحض والحائل

وإني لأعلم فتى وجارية كان يكلف كل واحد منهما بصاحبه، فكانا يضطجعان إذا حضرهما أحد وبينهما المسند العظيم من المساند الموضوعة عند ظهور الرؤساء على الفرش ويلتقي رأساهما وراء المسند ويقبل كل واحد منهما صاحبه ولا يريان، وكأنهما إنما يتمدادن من الكلل. ولقد كان بلغ من تكافئهما في المودة آمراً عظيماً، إلى أن كان الفتى المحب ربما استطال عليها. وفي ذلك أقول:

ومن أعاجيب الزمان التي

طمت على السامع والقائل

رغبة مركوب إلى راكب

وذلة المسؤل للسائل

وطول مأسور إلى آسر

وصولة المقتول للقاتل

ما إن سمعنا في الورى قبلها

خضوع ممول إلى آمل

هل هاهنا وجه تراه سوى

تواضع المفعول للفاعل

ولقد حدثتني امرأة أثق بها أنه شاهدت فتى وجارية كان يجد كل واحد منهما بصاحبه فضل وجد، قد اجتمعا في مكان على طرب، وفي يد الفتى سكين يقطع بها بعض الفواكه، فجراها جراً زائداً فقطع إبهامه قطعاً لطيفاً ظهر فيه دم، وكان على الجارية غلالة قصب خزائنية لها قيمة، فصرفت يدها وخرقيتها وأخرجت منها فضلة شد بها إبهامه. وأما هذا الفعل للمحب فقليل فيما يجب عليه، وفرض لازم وشريعة مؤداة، وكيف لا وقد بذل نفسه ووهب روحه فما يمنع بعدها.

خبر: وأنا أدركت بنت زكريا بن يحيى التميمي المعروف بابن برطال، وعمها كان قاضي الجماعة بقرطبة محمد بن يحيى، وأخوه الوزير القائد الذي كان قتله غالب وقائدين له في الوقعة المشهورة بالثغور، وهما مروان بن أحمد بن شهيد ويوسف ابن سعيد العكي، وكانت متزوجة بيحيى بن محمد ابن الوزير يحيى بن إسحاق، فعاجلته المنية وهو في أغض عيشه وأنضر سرورهما، فبلغ من أسفها عليه أن باتت معه في دثار واحد ليلة ما ت وجعلته آخر العهد به وبوصله، ثم لم يفارقها الأسف بعده حين موتها.

وإن للوصل المختلس الذي يخاتل به الرقباء ويتحفظ به من الحضر، مثل الضحك المستور، والنحنحة، وجولان الأيدي، والضغط بالأجناب، والقرص باليد والرجل، لموقعاً من النفس شهياً. وفي ذلك أقول:

إن للوصل الخفي محلاً

ليس للوصل المكين الجلي

لذة أمرها بارتقاب

كمسير في خلال النقي

خبر: ولقد حدثني ثقة من إخواني جليل من أهل البيوتات أنه كان علق في صباه جارية كانت في بعض دور آله، وكان ممنوعاً منها فهام عقله بها. قال لي: فتترهنا يوماً إلى بعض ضياعناً بالسهلة غربي قرطبة مع بعض أعمامي، فتمشينا في البساتين وأبعدنا عن المنازل وانبسطنا على الأنهار. إلى أن غيمت السماء وأقبل الغيث، فلم يكن بالحضرة من الغطاء ما يكفي الجميع. قال: فأمر عمي ببعض الأغطية فأليقى علي وأمرها بالإكتنان معي، فظن بما شئت من التمكن على أعين الملأ وهم لا يشعرون، ويالك

من جمع كخلاء، واحتفال كانفراد. قال لي: فوالله لا نسيت ذلك اليوم أبداً. ولعهدي به وهو يحدثني بهذا الحديث وأعضاؤه كلها تضحك وهو يهتز فرحاً على بعد العهد وامتداد الزمان. ففي ذلك أقول شعراً، منه:

يضحك الروض والسحائب تبكي

كحبيب رآه صب معنى

خبر: ومن بديع الوصل ما حدثني به بعض إخواني أنه كان في بعض المنازل المصاقبة له هوى، وكان في المترلين موضع مطلع من أحدهما على الآخر، فكانت تقف له في ذلك الموضع، وكان فيه بعض البعد، فتسلم عليه ويدها ملفوفة في قميصها. فخاطبها مستخبراً لها عن ذلك. فأجابته: إنه ربما أحس من أمرنا شيء فوقف لك غيري فسلم عليك فرددت عليه، فصح الظن، فهذه علامة بيني وبينك فإذا رأيت يداً مكشوفة تشير نحوك بالسلام فليست يدي فلا تجاوب.

وربما استحلى الوصال واتفقت القلوب حتى يقع التخلج في الوصال، فلا يلتفت إلي لائم ولا يستتم من حافظ ولا يبالي بناقل، بل العذل حينئذ يغري. وفي صفة الوصل أقول شعراً، منه:

كم درت حول الحب حتى لقد

حصلت فيه كحصول الفراش

ومنه:

تعشو إلى الوصل دواعي الهوى

كماسرى نحو سنا النار عاش

ومنه:

عللني بالوصل من سيدي

كمثل تعليل الظلماء العطاش

ومنه:

لا توقف العين على غاية

فالحسن فيه مستزيد وباش

وأقول من قصيدة لي:

هل لقيل الحب من وادي

أم هل لعاني الحب من فادي

أم هل لدهري عودة نحوها

كمثل يوم مر في الوادي

ظللت فيه سابحاً صادياً

يا عجباً للسابح الصعادي

ضنيت يا مولاي وجداً فما

تبصرني ألحاظ عوادي

كيف اهتدي الوجد إلى غائب

عن أعين الحاضر والبادي

مل مداواتي طبيبي فقد

يرحمني للسقم حسادي

طوق الحمامة ( المخطوط )

المقدمة | تقسيم الرسالة | الكلام في ماهية الحب | علامات الحب | من أحب في النوم | من أحب بالوصف | من أحب من نظرة واحدة | من لا يحب إلا مع المطاولة | من أحب صفة لم يستحسن بعدها غيرها مما يخالفها | التعريض بالقول | الإشارة بالعين | المراسلة | السفير | طي السر | الإذاعة | الطاعة | المخالفة | العاذل | المساعد من الإخوان | الرقيب | الوشي | الوصل | الهجر | الوفاء | الغدر | البين | القنوع

| الضنى | السلو | الموت | قبح المعصية | فضل التعفف

NewPP limit report Parsed by mw‐web.eqiad.main‐bb4c6c8c4‐cctwk Cached time: 20260917195948 Cache expiry: 2592000 Reduced expiry: false Complications: [vary‐revision‐sha1] CPU time usage: 0.142 seconds Real time usage: 0.176 seconds Preprocessor visited node count: 145/1000000 Revision size: 18390/2097152 bytes Post‐expand include size: 19441/2097152 bytes Template argument size: 0/2097152 bytes Highest expansion depth: 3/100 Expensive parser function count: 0/500 Unstrip recursion depth: 0/20 Unstrip post‐expand size: 37811/5000000 bytes Lua time usage: 0.043/10.000 seconds Lua memory usage: 2517402/52428800 bytes Number of Wikibase entities loaded: 0/500

Transclusion expansion time report (%,ms,calls,template) 100.00% 140.938 1 -total 55.22% 77.833 1 قالب:ترويسة 41.49% 58.474 17 قالب:أبيات 1.82% 2.569 1 قالب:طوق_الحمامة

Render ID 55f2189f-b2d2-11f1-9829-2d17120207fd

Saved in parser cache with key arwikisource:pcache:4796:|#|:idhash:canonical and timestamp 20260917195948 and revision id 478373. Rendering was triggered because: page_view