فيجب على من امتحن بمخالطة من هذه صفته على أي وجه كان ألا يستفرغ عامة جهده في محبته، وأن يقيم اليأس من دوامه خصما لنفسه؛ فإذا لاحت له مخايل الملل قاطعة أياماً حتى ينشط باله، ويبعد به عنه، ثم يعاوده، فربما دامت المودة مع هذا. وفي ذلك أقول:
لا ترجون ملولاً
ليس الملول بعده
ود الملول فدعه
عارية مسترده
ومن الهجر ضرب يكون متوليه المحب، وذلك عندما يرى من جفاء محبوبه والميل عنه إلى غيره، أو لثقيل يلازمه، فيرى الموت ويتجرع غصص الأسى، والعض على نقيف الحنظل أهون من رؤية مايكره، فينقطع وكبده تتقطع، وفي ذلك أقول:
هجرت من أهواه لا عن قلى
يا عجباً للعاشق الهاجر
لكن عيني لم تطق نظرة
إلى محبا الرشأ الغادر
فالموت أحلى مطمعاً من هوى
يباح للوارد والصادر
وفي الفؤاد النار مذكية
فاعجب لصب جزع صابر
وقد أباح الله في دينه
تقية المأسور للآسر
خبر: ومن عجيب ما يكون فيها وشنيعه أني أعرف من هام قلبه بمتناه عنه نافر منه، فقاسى الوجد زمناً طويلاً، ثم سنحت له الأيام بسانحة عجيبة من الوصل أشرف بها على بلوغ أمله، فحين لم يكن بينه وبين غاية رجائه إلا كهؤلاء عاد الهجر والبعد إلى أكثر ما كان قبل. فقلت في ذلك:
كانت إلى دهري لي حاجة
مقرونة في البعد بالمشترى
فساقها باللطف حتى إذا
كانت من القرب على محجر
أبعدها عني فعادت كأن
لم تبد للعين ولم تظهر
وقلت:
دنا أملي حتى مددت لأخذه
يداً فانثني نحو المجرة راحلاً
فأصبحت لا أرجو وقد كنت موقناً
وأضحى مع الشعري وقد كان حاصلاً
وقد كنت محسوداً فأصبحت حاسداً
وقد كنت مأمولاً فأصبحت آملاً
كذا الدهر في كراته وانتقاله
فلا يأمنن الدهر من كان عاقلاً
ثم هجر القلى، وهنا ضلت الأساطير ونفدت الحيل وعظم البلاء؛ وهو الذي خلى العقول ذواهل، فمن دهى بهذه الداهية فليتصد لمحبوب محبوبه، وليتعمد ما يعرف أنه يستحسنه. ويجب أن يجتنب ما يدري أنه يكرهه، فربما عطفه ذلك عليه إن كان المحبوب ممن يدري قدر الموافقة والرغبة فيه، وأما من لم يعلم قدر هذا فلا طمع في استصرافه، بل حسناتك عنده ذنوب. فإن لم يقدر المرء على استصرافه فليتعمد السلوان وليحاسب نفسه بما هو فيه من البلاء والحرمان، ويسعى في نيل رغبته على أي وجه أمكنه.
ولقد رأيت من هذه صفته، وفي ذلك أقول قطعة أولها:
دهيت بمن لو أدفع الموت دونه
لقال إذاً يا ليتني في المقابر
ومنها:
ولا ذنب لي إذ صرت أحدو ركائبي
إلى الورد والدنيا تسيء مصادري
وماذا على الشمس المنيرة بالضحى
إذا قصرت عنها ضعاف البصائر
وأقول:
ما أقبح الهجر بعد وصل
وأحسن الوصل بعد هجر
كالو فر تحويه بعد فقر
والفقر يأتيك بعد وفر
وأقول:
معهود أخلاقك قسمان
والدهر فيك اليوم صنفان
فإنك النعمان فيما مضى
وكان للنعمان يومان
يوم نعيم فيه سعد الورى
ويوم بأساه وعدوان
فيوم نعماك لغيري ويو
مى منك ذو بؤس وهجران
أليس حبي لك مساهلاً
لأن تجازيه بإحسان
وأقول قطعة منها:
يا من جميع الحسن منتظم
فيه كنظم الدر في العقد
ما بال حتفي منك يطرقني
قصداً ووجهك طالع السعد
وأقول قصيدة أولها:
أساعة توديعك أم ساعة الحشر
وليلة بيني منك أم ليلة القشر
وهجرك تعذيب الموحد ينقضي
ويرجو التلاقي أم عذاب ذوي الكفر
ومنها:
سقى الله أياماً مضت وليالياً
تحاكي لنا النيلوفر الغض في النشر
فأوراقه الأيام حسناً وبهجة
وأوسطه الليل المقصر للعمر
لهونا بها في غمرة وتآلف
تمر فلا ندري وتأتي فلا ندري
فأعقبنا منه زمان كأنه
ولا شك حسن العقد أعقب بالغدر
ومنها:
فلا تيأسي يا نفس عل زماننا
يعود بوجه مقبل غير مدبر
كما صرف الرحمن ملك أمية
إليهم ولوذي بالتجمل والصبر
وفي هذه القصيدة أمدح أبا بكر هشام بن محمد أخا أمير المؤمنين عبد الرحمن المرتضى رحمه الله. فأقول:
أليس يحيط الروح فينا بكل ما
دنا وتناءى وهو في حجب الصدر
كذا الدهر جسم وهو في الدهر روحه
محيط بما فيه وإن شئت فاستقر
ومنها:
إتاوتها تهدي إليه ومنه
تقبلها منهم يقاوم بالشكر
كذا كل نهر في البلاد وأن طمت
غزارته ينصب في لجج البحر
طوق الحمامة ( المخطوط )
المقدمة | تقسيم الرسالة | الكلام في ماهية الحب | علامات الحب | من أحب في النوم | من أحب بالوصف | من أحب من نظرة واحدة | من لا يحب إلا مع المطاولة | من أحب صفة لم يستحسن بعدها غيرها مما يخالفها | التعريض بالقول | الإشارة بالعين | المراسلة | السفير | طي السر | الإذاعة | الطاعة | المخالفة | العاذل | المساعد من الإخوان | الرقيب | الوشي | الوصل | الهجر | الوفاء | الغدر | البين | القنوع
| الضنى | السلو | الموت | قبح المعصية | فضل التعفف
NewPP limit report Parsed by mw‐web.eqiad.main‐f9854c69d‐pqbmz Cached time: 20260917214846 Cache expiry: 2592000 Reduced expiry: false Complications: [vary‐revision‐sha1] CPU time usage: 0.089 seconds Real time usage: 0.112 seconds Preprocessor visited node count: 222/1000000 Revision size: 23574/2097152 bytes Post‐expand include size: 33515/2097152 bytes Template argument size: 0/2097152 bytes Highest expansion depth: 3/100 Expensive parser function count: 0/500 Unstrip recursion depth: 0/20 Unstrip post‐expand size: 61516/5000000 bytes Lua time usage: 0.030/10.000 seconds Lua memory usage: 2886613/52428800 bytes Number of Wikibase entities loaded: 0/500
Transclusion expansion time report (%,ms,calls,template) 100.00% 91.397 1 -total 49.37% 45.119 1 قالب:ترويسة 46.97% 42.929 28 قالب:أبيات 1.54% 1.409 1 قالب:طوق_الحمامة
Render ID 8ee5bfd1-b2e1-11f1-9911-cb847c2c6e17
Saved in parser cache with key arwikisource:pcache:4941:|#|:idhash:canonical and timestamp 20260917214846 and revision id 478378. Rendering was triggered because: page_view
الوفاء
ومن حميد الغرائز وكريم الشيم وفاضل الأخلاق في الحب وغيره الوفاء، وإنه لمن أقوى الدلائل وأوضح البراهين على طيب الأصل وشرف العنصر، يتفاضل بالتفاضل اللازم للمخلوقات. وفي ذلك أقول قطعة منها:
أفعال كل أمرئ تنبى بعنصره
والعين تغنيك عن أن تطلب الأثرا
ومنها:
وهل ترى قط دفلى أنبتت عنباً
أو تذخر النحل في أوكارها الصبرا
وأول مراتب الوفاء أن يفي الإنسان لمن يفي له، وهذا فرض لازم وحق واجب على المحب والمحبوب، لا يحول عنه إلا خبيث المحتد لا خلاق له ولا خير عنده. ولولا أن رسالتنا هذه لم نقصد بها الكلام في أخلاق الإنسان وصفاته المطبوعة والتطبع وما يزيد من المطبوع بالتطبع وما يضمحل من التطبع بعد الطبع، لزدت في هذا المكان ما يجب أن يوضع في مثله، ولكنا إنما قصدنا التكلم فيما رغبته من أمر الحب فقط. وهذا أمر كان يطول جداً إذ الكلام فيه يتفتن كثيراً.
خبر: ومن أرفع ما شاهدته من الوفاء في هذا المعنى وأهوله شأناً قصة رأيتها عياناً، وهو أني أعرف من رضي بقطيعة محبوبه وأعز الناس عليه؛ ومن كان الموت عنده أحلى من هجر ساعة في جنب طيه لسر أودعه، وألزوم محبوبه يميناً غليظة ألا يكلمه أبداً ولا يكون بينهما خبر أو يفضح إليه ذلك السر. على أن صاحب ذلك السر كان غائباً فأبى من ذلك وتمادى وهو على كتمانه والثاني على هجرانه إلى أن فرقت بينهما الأيام.
ثم مرتبة ثانية وهو الوفاء لمن غدر، وهي للمحب دون المحبوب، وليس للمحبوب هاهنا طريق ولا يلزمه ذلك، وهي خطة لا يطيقها إلا جلد قوي واسع الصدر حر النفس عظيم الحلم جليل الصبر حصيف العقل ماجد الخلق سالم النية. ومن قابل الغدر بمثله فليس بمستأهل للملامة، ولكن الحال التي قدمنا تفوفها جدا وتفوتها بعداً. وغاية الوفاء في هذه الحال ترك مكافأة الأذى بمثله، والكف عن سيء المعارضة بالفعل والقول، والتأني في جر حبل الصحبة ما أمكن، ورجيت الألفة، وطمع في الرجعة، ولاحت للعودة أدنى مخيلة،
وشيمت منها أقل بارقة، أو توجس منها أيسر علامة. فإذا وقع اليأس واستحكم الغيظ حينئذ والسلامة من غرك والأمن من ضرك والنجاة من أذاك، وأن يكون ذكر ما سلف مانعاً من شفاء الغيظ فيما وقع، فرعى الأذمة حق وكيد على أهل العقول، والحنين إلى ما مضى وألا ينسى ما قد فرغ منه وفنيت مدته أثبت الدلائل على صحة الوفاء وهذه الصفة حسنة جداً وواجب استعمالها في كل وجه من وجوه معاملات الناس فيما بينهم على أي حال كانت.
خبر: ولعهدي برجل من صفوة إخواني قد تعلق بجارية فتأكد الود بينهما، ثم غدرت بعهده ونقضت وده وشاع خبرهما، فوجد لذلك وجداً شديداً.
خبر: وكان لي مرة صديق ففسدت نيته بعد وكيد مودة لا يكفر بمثلها، وكان علم كل واحد منا سر صاحبه، وسقطت المؤونة، فلما تغير علي أفشى كل ما اطلع لي عليه مما كنت اطلعت منه على أضعافه، ثم اتصل به أن قوله في قد بلغني، فجزع لذلك وخشي أن أقارضه على قبيح فعلته. وبلغني ذلك فكتبت إليه شعراً أؤنسه فيه وأعمله أني لا أقارضه. خبر: ومما يدخل في هذا الدرج، وإن كان ليس منه ولا هذا الفصل المتقدم من جنس الرسالة والباب ولكنه شبيه له
على ما قد ذكرنا وشرطنا، وذلك أن محمد بن وليد بن مكسير الكاتب كان متصلاً بي ومنقطعاً إلى أيام وزارة أبي رحمة الله عليه، فلما وقع بقرطبة ما وقع وتغيرت أحوال خرج إلى بعض النواحي فاتصل بصاحبها فعرض جاهه وحدثت له وجاهة وحال حسنة. فحللت أنا تلك الناحية في بعض رحلتي فلم يوفني حقي بل ثقل عليه مكاني وأساء معاملتي وصحبتي، وكلفته في خلال ذلك حاجة لم يقم فيها ولا قعد واشتغل عنها لما ليس في مثله شغل. فكتبت إليه شعراً أعاتبه فيه، فجاوبني مستعتباً
على ذلك. فما كلفته حاجة بعدها. ومما لي في هذا المعنى وليس من جنس الباب ولكنه يشبهه أبياتاً قلتها، منها:
وليس يحمد كتمان لمكتتم
لكن كتمك ما أفشاه مغشيه
كالجود بالوفر أسنى ما يكون إذا
قل الوجود له أوضن معطيه
ثم مرتبة ثالثة وهي الوفاء مع اليأس البات، وبعد حلول المنايا وفجاءات المنون. وإن الوفاء في هذه الحالة لأجل وأحسن منه في الحياة ومع رجاء اللقاء.
وخبر: ولقد حدثتني امرأة أثق بها أنها رأت في دار محمد بن أحمد بن وهب المعروف بابن الركيزة من ولد بدر الداخل مع الإمام عبد الرحمن بن معاوية رضي الله عنه جارية رائعة جميلة كان لها مولى فجاءته المنية فبيعت في تركته، فأبت أن ترضى، بالرجال بعده وما جامعها رجل إلى أن لقيت الله عز وجل. وكانت تحسن الغناء فأنكرت علمها به ورضيت بالخدمة والخروج عن جملة المتخذات للنسل واللذة والحال الحسنة، وفاء منها لمن قد دثرووارته الأرض والتأمت عليه الصفائح ولقد رامها سيدها المذكور
أن يضمها إلى فراشه مع جواريه ويخرجها مما هي فيه فأبت، فضربها غير مرة وأوقع بها الأدب، فصبرت على ذلك كله. فأقامت على امتناعها. وإن هذا من الوفاء غريب جداً.
وأعلم أن الوفاء على المحب أوجلب منه على المحبوب وشرطه له الزم، لأن المحب هو البادي باللصوق والتعرض لعقد الأذمة والقاصد لتأكيد المودة والمستدعى صحة العشرة، ولا أول في عدد طلاب الأصفياء، والسابق في ابتغاء اللذة باكتساب الخلة، والمقيد نفسه بزمام المحبة قد عقلها بأوثق عقال وخطمها بأشد خطام، فمن قسره على هذا كله إن لم يرد إتمامه؟ ومن أجبره على استجلاب المقة وإن لم ينو ختمها بالوفاء لمن أراده عليها؟ والمحبوب إنما هو مجلوب إليه ومقصود نحوه ومخير في القبول أو الترك فإن قبل
فغاية الرجاء، وإن أبى فغير مستحق للذم. وليس التعرض للوصل والإلحاح فيه والتأني لكل ما يستجلب به من الموافقة وتصفية الحضرة والمغيب من الوفاء في شيء فحظ نفسه أراد الطالب، وفي سروره سعى وله احتطب. والحب يدعوه ويحدوه على ذلك شاء أو أبى، وإنما يحمد الوفاء ممن يقدر على تركه. وللوفاء شروط على المحبين لازمة. فأولها أن يحفظ عهد محبوبه ويرعى غيبته، وتستوي علانيته وسريرته، ويطوي شره وينشر خيره، ويغطي على عيوبه ويحسن أفعاله، ويتغافل عما يقع منه على سبيل الهفوة ويرضى بما حمله ولا