ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 21 من 29

طوق الحمامة

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 21 من 291,615 كلمة في هذا الجزء

القنوع

ولا بد للمحب، إذا حرم الوصل، من القنوع بما يجد! وإن في ذلك لمتعللاً للنفس، وشغلاً للرجا، وتجديداً للمنى، وبعض الراحة. وهو مراتب على قدر الإصابة والتمكن. فأولها الزيارة، وإنها لأمل من الآمال، ومن سرى ما يسنح في الدهر مع ما تبدى من الخفر والحياء، لما يعلمه كل واحد منها مما نفس صاحبه. وهي على وجهين: أحدهما أن يزور المحب محبوبه، وهذا الوجه واسع. والوجه الثاني أن يزور المحبوب محبه. ولكن لا سبيل إلى غير النظر والحديث الظاهر. وفي ذلك أقول:

فإن تنأ عني بالوصال فإنني

سأرضى بلحظ العين إن لم يكن وصل

فحسبي أن ألقاك في اليوم مرة

وما كنت أرضى ضعف ذامنك لي قبل

كذا همه الوالي تكون رفيعة

ويرضى خلاص النفس إن وقع العزل

وأما رجع السلام والمخاطبة فأمل من الآمال، وإن كنت أنا أقول في قصيدة لي:

فها أنا ذا أخفي وأقنع راضياً

برجع سلام إن تيسر في الحين

فإنما هذا لمن ينتقل من مرتبة إلى ما هو أدنى منها. وإنما يتفاضل المخلوقات في جميع الأوصاف على قدر إضافتها إلى ما هو فوقها أو دونها.

وإني لأعلم من كان يقول لمحبوبه: عدني واكذب، قنوعاً بأن يسلى نفسه في وعده وإن كان غير صادق. فقلت في ذلك:

إن كان وصلك ليس فيه مطمع

والقرت ممنوع فعدني واكذب

فعسى التعلل بالتقائك ممسك

لحياة قلب بالصدود معذب

فلقد يسلى المجدبين إذا رأوا

في الأفق يلع ضوء برق خلب

وما يدخل في هذا الباب شيء رأيته ورآه غيري معي، أن رجلاً من إخواني جرحه من كان يحبه بمدية، فلقد رأيته وهو يقبل مكان الجرح ويندبه مرة بعد مرة. فقلت في ذلك:

يقولون شجك من همت فيه

فقلت لعمري ما شجى

ولكن أحس دمى قربه

فطار إليه ولم ينثن

قافيا تلى ظلماً محسناً

فديتك من ظالم محسن

ومن القنوع أن يسر الإنسان ويرضى ببعض آلات محبوبه، وإن له من النفس لموقعاً حسناً وإن لم يكن فيه إلا ما نص الله تعالى علينا، ومن ارتداد يعقوب بصيراً حين شم قميص يوسف عليهما السلام، وفي ذلك أقول:

لما منعت القرب من سيدي

ولج في هجري ولم ينصف

صرت بإبصاري أثوابه

أو بعض ما قد مسه أكتفي

كذاك يعقوب نبي الهدى

إذ شفه الحزن على يوسف

شم قميصاً جاء من عنده

وكان مكفوفاً فمنه شفي

وما رأيت قط متعاشقين إلا وهما يتهاديان خصل الشعر مبخرة بالعنبر مرشوشة بماء الورد، وقد جمعت في أصلها بالمصطكي وبالشمع الأبيض المصفى ولفت في تطاريف الوشي والخز وما أشبه ذلك لتكون تذكرة عند البين.

وأما تهادي المساويك بعد مضغها والمصطكي إثر استعمالها فكثير بين كل متحابين قد حظر عليهما اللقاء. وفي ذلك أقول قطعة منها:

أرى ريقها ماء الحياة تيقناً

على أنها لم تبق لي في الهوى حشى

خبر: وأخبرني بعض إخواني عن سليمان بن أحمد الشاعر أنه رأى ابن سهل الحاجب بجزيرة صقلبة، وذكر أنه كان غاية في الجمال، فشاهده يوماً في بعض المتترهات ماشيا وامرأة خلفه تمشي إليه، فلما أبعد أتت إلى المكان الذي قد أثر فيه مشيه فجعلت تقبله وتلثم الأرض التي فيها أثر رجله. وفي ذلك أقول قطعة، أولها:

يلومونني في موطى خفه خطا

ولو علموا عاد الذي لام يحسد

طوق الحمامة ( المخطوط )

المقدمة | تقسيم الرسالة | الكلام في ماهية الحب | علامات الحب | من أحب في النوم | من أحب بالوصف | من أحب من نظرة واحدة | من لا يحب إلا مع المطاولة | من أحب صفة لم يستحسن بعدها غيرها مما يخالفها | التعريض بالقول | الإشارة بالعين | المراسلة | السفير | طي السر | الإذاعة | الطاعة | المخالفة | العاذل | المساعد من الإخوان | الرقيب | الوشي | الوصل | الهجر | الوفاء | الغدر | البين | القنوع

| الضنى | السلو | الموت | قبح المعصية | فضل التعفف

NewPP limit report Parsed by mw‐web.eqiad.main‐bb4c6c8c4‐rcq5g Cached time: 20260917200129 Cache expiry: 2592000 Reduced expiry: false Complications: [vary‐revision‐sha1] CPU time usage: 0.082 seconds Real time usage: 0.106 seconds Preprocessor visited node count: 75/1000000 Revision size: 4939/2097152 bytes Post‐expand include size: 9849/2097152 bytes Template argument size: 0/2097152 bytes Highest expansion depth: 3/100 Expensive parser function count: 0/500 Unstrip recursion depth: 0/20 Unstrip post‐expand size: 16261/5000000 bytes Lua time usage: 0.026/10.000 seconds Lua memory usage: 1768214/52428800 bytes Number of Wikibase entities loaded: 0/500

Transclusion expansion time report (%,ms,calls,template) 100.00% 90.877 1 -total 62.67% 56.956 1 قالب:ترويسة 34.29% 31.157 7 قالب:أبيات 2.16% 1.963 1 قالب:طوق_الحمامة

Render ID 922584cc-b2d2-11f1-a6f5-3df64b13cb76

Saved in parser cache with key arwikisource:pcache:4983:|#|:idhash:canonical and timestamp 20260917200129 and revision id 478384. Rendering was triggered because: page_view

الضنى

ولا بد لكل محب صادق المودة ممنوع الوصل، إما ببين وإما بهجر وإما بكتمان واقع لمعنى، من أن يؤول إلى حد السقام والضنى والنحول، وربما أضجعه ذلك. وهذا الأمر كثير جداً موجود أبداً، والأعراض الواقعة من المحبة غير العلل الواقعة من هجمات العلل، ويميزها الطبيب الحاذق والمتفرس الناقد. وفي ذلك أقول:

يقول لي الطبيب بغير علم

تداو فأنت يا هذا عليل

ودائي ليس يدريه سوائي

ورب قادر ملك جليل

أأكتمه ويكشفه شهيق

يلازمني وإطراق طويل

ووجه شاهدات الحزن فيه

وجسم كالخيال ضن نحيل

وأثبت ما يكون الأمر يوماً

بلا شك إذا صح الدليل

فقلت له أبن عني قليلاً

فلا والله تعرف ما تقول

فقال أرى نحولاً زادجداً

وعلتك التي تشكو ذبول

فقلت له الذبول تعل منه ال

جوارح وهي حمى تستحيل

وما أشكو لعمر الله حمى

وإن الحر في جسمي قليل

فقال أرى التفاتاً وارتقاباً

وأفكاراً وصمتاً لا يزول

وأحسب أنها السوء فانظر

لنفسك إنها عرض ثقيل

فقلت له كلامك ذا محال

فما للدمع من عيني يسيل

فأطرق باهتاً مما رآه

ألا في مثل ذا بهت النبيل

فقلت له دوائي منه دائي

ألا في مثل ذا ضلت عقول

وشاهد ما أقول يرى عياناً

فروع النبت إن عكست أصول

وترياق الأفاعي ليس شيء

سواه ببره ما لدغت كفيل

وحدثني أبو بكر محمد بن بقي الحجري، وكان حكيم الطبع عاقلاً فهيماً، عن رجل من شيوخنا لا يمكن ذكره، أنه كان ببغداد في خان من خاناتها فرأى ابنة لوكيلة الخان فأحبها وتزوجها، فلما خلا بها نظرت إليه وكانت بكراً، وهو قد تكشف لبعض حاجته، فراعها كبر أيره، ففرت إلى أمها وتفادت منه. فرام بها كل من حواليها أن ترد إليه، فأبت وكادت أن تموت، ففارقها ثم ندم، ورام أن يراجعها فلم يمكنه، واستعان بالأبهري وغيره. فلم يقدر أحد منهم على حيلة في أمره، فاختلط عقله

وأقام في المارستان يعاني مدة طويلة حتى نقه وسلا وما كاد، ولقد كان إذا ذكرها يتنفس الصعداء.

قد تقدم في أشعاري المذكورة في هذه الرسالة: من صفة النحول مفرقاً ما استغنيت به عن أن أذكر هنا من سواها شيئاً خوف الإطالة. والله المعين والمستعان.

وربما ترقت إلى أن يغلب المرء على عقله ويحال بينه وبين ذهنه فيوسوس.

خبر: وإني لأعرف جارية من ذوات المناصب والجمال والشرف من بنات القواد، وقد بلغ بها حب فتى من إخواني جداً من أبناء الكتاب مبلغ هيجان المرار الأسود، وكادت تختلط. واشتهر الأمر وشاع جداً حتى علمه الأباعد، إلى أن تدوركت بالعلاج، وهذا إنما يتولد عن إدمان الفكر، فإذا غلبت الفكرة وتمكن الخلط وترك التداوي خرج الأمر عن حد الحب إلى حد الوله والجنون، وإذا أغفل التداوي في الأول إلى المعاناة قوى جداً ولم يوجد له دواء سوى الوصال. ومن بعض ما كتبت إليه قطعة، منها:

قد سلبت الفؤاد منها اختلاساً

أي خلق يعيش دون فؤاد

فأغثها بالوصل تحي شريفاً

وتفز بالثواب يوم المعاد

وأراها تعتاض أن دام هذا

من خلاخيلها حلي الأقياد

أنت حقاً متيم الشمس حتى

عشقها بين ذا الورى لك بادي

خبر: وحدثني جعفر مولى أحمد بن محمد بن جدير، المعروف بالبلبيني: أن سبب اختلاط مروان بن يحيى بن أحمد بن جدير وذهاب عقله اعتلاقه بجارية لأخيه، فمنعها وباعها لغيره، وما كان في إخوته مثله ولا أتم أدباً منه.

وأخبرني أبو العافية مولى محمد بن عباس بن أبي عبدة، أن سبب جنون يحيى بن أحمد بن عباس بن أبي عبدة بيع جارية له كان يجد بها وجداً شديداً، كانت أمه أباعتها وذهبت إلى إنكاحه من بعض العامريات.

فهذان رجلان جليلان مشهوران فقدا عقولهما واختلطا وصارا في القيود والأغلال، فأما مروان فأصابته ضربة مخطئة يوم دخول البربر قرطبة وانتهائهم إليها، فتوفى رحمه الله. وأما يحيى بن محمد فهو حي على حالته المذكورة في حين كتابتي لرسالتي هذه، وقد رأيته أنا مراراً وجالسته في القصر قبل أن يمتحن بهذه المحنة. وكان أستاذي وأستاذه الفقيه أبو الخيار اللغوي. وكان يحيى لعمري حلواً من الفتيان نبيلاً.

وأما من دون هذه الطبقة فقد رأينا منهم كثيراً، ولكن لم نسمهم لخفائهم وهذه درجة إذا بلغ المشغوف إليها فقد أنيت الرجاء وانصرم الطمع، فلا دواء له بالوصل ولا بغيره، إذ قد استحكم الفساد في الدماغ، وتلفت المعرفة وتغلبت الآفة. أعاذنا الله من البلاء بطوله، وكفانا النقم منه.

طوق الحمامة ( المخطوط )

المقدمة | تقسيم الرسالة | الكلام في ماهية الحب | علامات الحب | من أحب في النوم | من أحب بالوصف | من أحب من نظرة واحدة | من لا يحب إلا مع المطاولة | من أحب صفة لم يستحسن بعدها غيرها مما يخالفها | التعريض بالقول | الإشارة بالعين | المراسلة | السفير | طي السر | الإذاعة | الطاعة | المخالفة | العاذل | المساعد من الإخوان | الرقيب | الوشي | الوصل | الهجر | الوفاء | الغدر | البين | القنوع

| الضنى | السلو | الموت | قبح المعصية | فضل التعفف

NewPP limit report Parsed by mw‐web.eqiad.main‐bb4c6c8c4‐fljg7 Cached time: 20260917193223 Cache expiry: 2592000 Reduced expiry: false Complications: [vary‐revision‐sha1] CPU time usage: 0.090 seconds Real time usage: 0.121 seconds Preprocessor visited node count: 40/1000000 Revision size: 6636/2097152 bytes Post‐expand include size: 10273/2097152 bytes Template argument size: 0/2097152 bytes Highest expansion depth: 3/100 Expensive parser function count: 0/500 Unstrip recursion depth: 0/20 Unstrip post‐expand size: 5486/5000000 bytes Lua time usage: 0.026/10.000 seconds Lua memory usage: 1561166/52428800 bytes Number of Wikibase entities loaded: 0/500

Transclusion expansion time report (%,ms,calls,template) 100.00% 104.899 1 -total 67.61% 70.922 1 قالب:ترويسة 29.91% 31.375 2 قالب:أبيات 2.03% 2.127 1 قالب:طوق_الحمامة

Render ID 817307d7-b2ce-11f1-94e3-e7194f8255fa

Saved in parser cache with key arwikisource:pcache:4946:|#|:idhash:canonical and timestamp 20260917193223 and revision id 478381. Rendering was triggered because: page_view