ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 20 من 29

طوق الحمامة

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 20 من 29967 كلمة في هذا الجزء

أمرت عليها بالبلى الملوان

على دارسات مقفرات عواطل

كأن المغاني في الخفاء معاني

واختلف الناس في أي الأمرين أشد: البين أم الهجر؟ وكلاهما مرتقى صعب ومرت أحمر وبلية سوداء وسنة شهباء. وكل يستبشع من هذين ما ضاد طبعه، فأما ذو النفس الأبية، الألوف الحنانة، الثابتة على العهد، فلا شيء يعدل عنده مصيبة البين، لأنه أتى قصداً، وتعمدته النوائب عمداً، فلا يجد شيئاً يسلى نفسه ولا يصرف فكرته في معنى من المعاني إلا وجد باعثاً على صبابته؛ ومحركاً لأشجانه، وعليه لا له، وحجة لوجوده. وخاضا على البكاء على إلفه. وأما الهجر فهو داعية السلو، ورائد الإقلاع.

وأما ذو النفس التواقة الكثيرة التروع والتطلع، القلوق العزوف، فالهجر داؤه وجالب حتفه. والبين له مسلاة ومنساة.

وأما أنا فالموت عندي أسهل من الفراق، وما الهجر إلا جالب للكمد فقط. ويوشك إن دام أن يحدث إضراراً، وفي ذلك أقول:

وقالوا ارتحل فلعل السلو

يكون وترغب أن ترغبه

فقلت الردي لي قبل السلو

ومن يشرب السم عن تجربه

وأقول:

سبي مهجي هواه

وأودت بها نواه

كأن الغرام ضيف

وروحي غدا قراه

ولقد رأيت من يستعمل هجر محبوبه ويتعمده خوفاً من مرارة يوم البين وما يحدث به من لوعة الأسف عند التفرق، وهذا وإن لم يكن عندي من المذاهب المرضية، فهو حجة قاطعة. على أن البين أصعب من الهجر، وكيف لا وفي الناس من يلوذ بالهجر خوفاً من البين، ولم أجد أحداً في الدنيا يلوذ بالبين خوفاً من الهجر، إنما يأخذ الناس أبداً الأسهل ويتكلفون الأهون. وإنما قلنا إنه ليس من المذاهب المحمودة لأن أصحابه قد استعجلوا البلاء قبل نزوله، وتجرعوا غصة الصبر قبل وقتها ولعل ما

تخوفوه لا يكون وليس من يتعجل المكروه، وهو على غير يقين مما يتعجل، بحكيم، وفيه أقول شعراً، منه:

ليس الصب للصبابة بيناً

لسي من جانب الأحبة منا

كغي العيش عيش فقير

خوف نقرو نقره قداً ما

وأذكر لابن عمي أبي المغيرة هذا المعنى، من أن البين أصعب من الصد، أبياتاً من قصيدة خاطبني بها وهو ابن سبعة عشر عاماً أو نحوها، وهي:

أجزعت أن أزف الرحيل

وولهت أن نص الذميل

كلا مصابك فادح

وأجل فراقهم جليل

كذب الألى زعموا بأن

الصد مرتعه وبيل

لم يعرفوا كنه الغليل

وقد تحملت الحمول

أما الفراق فإنه

للموت إن أهوى دليل

ولي في هذا المعنى قصيدة مطولة، أولها:

لا مثل يومك ضحوة التنعيم

في منظر حسن وفي تنغيم

قد كان ذاك اليوم ندرة عاقر

وصواب خاطئة وولد عقيم

أيام برق الوصل ليس بخلب

عندي ولا روض الهوى بهشيم

من كل غانية تقول ثديها

سيرى أمامك والإزار أقيمى

كل يجاذبها فحمرة خدها

خجل من التأخير والتقديم

ما بي سوى تلك العيون وليس في

برئي سواها في الورى بزعيم

مثل الأفاعي ليس في شيء سوى

أجسادها إباء لدغ سليم

والبين أبكى الشعراء على المعاهد فأدروا على الرسوم الدموع، وسقوا الديار ماء الشوق، وتذكر ما قد سلف لهم فيها فأعولوا وانتخبوا، وأحيت الآثار دفين شوقهم فناحوا وبكوا.

ولقد أخبرني بعض الوراد من قرطبة وقد استخبرته عنها، أنه رأى دورنا ببلاط مغيث، في الجانب الغربي منها وقد امحت رسومها، وطمست أعلامها، وخفيت معاهدها، وغيرها البلى وصارت صحاري مجدبة بعد العمران، وقيافي موحشة بعد الأنس، وخرائب منقطعة بعد الحسن، وشعاباً مفزعة بعد الأمن ومأوى للذئاب، ومعازف للغيلان، وملاعب للجان، ومكامن للوحوش، بعد رجال كالليوث، وخرائد كالدمى تفيض لديهم النعم الفاشية. تبدد شملهم فصاروا في البلاد أيادي سبا، فكأن تلك المحارب المنمقة. والمقاصير المزينة، التي كانت تشرق إشراق الشمس، ويجلو الهموم حسن منظرها، حين شملها

الخراب، وعمها الهدم، كأفواه السباع فاغرة، تؤذن بفناء الدنيا، وتريك عواقب أهلها، وتخبرك عما يصير إليه كل من تراه قائماً فيها. وتزهد في طلبها بعد أن طالما زهدت في تركها، وتذكرت أيامي بها ولذاتي فيها وشهور صباي لديها، مع كواعب إلى مثلهن صبا الحليم، ومثلت لنفسي كونهن تحت الثرى وفي الآثار النائية والنواحي البعيدة وقد فرقتهن يد الجلاء، ومزقتهن أكف النوى، وخيل إلى بصرى بقاء تلك النصبة بعد ما علمته من حسنها وغضارتها والمراتب المحكمة التي نشأت فيما لديها، وخلاء تلك الأفنية بعد تضايقها بأهلها،

وأوهمت سمعي صوت الصدى والهام عليها، بعد حركة تلك الجماعات التي ربيت بينهم فيها، وكان ليلها تبعاً لنهارها في انتشار ساكنها والتقاء عمارها، فعاد نهارها تبعاً لليلها في الهدوء والاستيحاش، فأبكى عيني، وأوجع قلبي، وقرع صفاة كبدي، وزاد في بلاء لبي، فقلت شعراً منه:

لئن كان أظلمانا فقد طالما سقى

وإن ساءنا فيها فقد طالما سرا

والبين يولد الحنين والاهتياج والتذكر. وفي ذلك أقول:

ليت الغراب يعيد اليوم لي فعسى

يبين بينهم عني فقد وقفا

أقول والليل قد أرخى أجلته

وقد تألى بألا ينقضي فوفى

وللنجم قد حار في أفق السماء فما

يمضي ولا هو للتغوير منصرفاً

تخاله مخطئاً أو خائفاً وجلاً

أو راقباً موعداً أو عاشقاً دنفا

طوق الحمامة ( المخطوط )

المقدمة | تقسيم الرسالة | الكلام في ماهية الحب | علامات الحب | من أحب في النوم | من أحب بالوصف | من أحب من نظرة واحدة | من لا يحب إلا مع المطاولة | من أحب صفة لم يستحسن بعدها غيرها مما يخالفها | التعريض بالقول | الإشارة بالعين | المراسلة | السفير | طي السر | الإذاعة | الطاعة | المخالفة | العاذل | المساعد من الإخوان | الرقيب | الوشي | الوصل | الهجر | الوفاء | الغدر | البين | القنوع

| الضنى | السلو | الموت | قبح المعصية | فضل التعفف

NewPP limit report Parsed by mw‐web.eqiad.main‐bb4c6c8c4‐54sjc Cached time: 20260917203329 Cache expiry: 2592000 Reduced expiry: false Complications: [vary‐revision‐sha1] CPU time usage: 0.096 seconds Real time usage: 0.114 seconds Preprocessor visited node count: 250/1000000 Revision size: 25022/2097152 bytes Post‐expand include size: 33717/2097152 bytes Template argument size: 0/2097152 bytes Highest expansion depth: 3/100 Expensive parser function count: 0/500 Unstrip recursion depth: 0/20 Unstrip post‐expand size: 70136/5000000 bytes Lua time usage: 0.035/10.000 seconds Lua memory usage: 2892641/52428800 bytes Number of Wikibase entities loaded: 0/500

Transclusion expansion time report (%,ms,calls,template) 100.00% 93.524 1 -total 51.95% 48.582 32 قالب:أبيات 43.18% 40.387 1 قالب:ترويسة 1.59% 1.484 1 قالب:طوق_الحمامة

Render ID 0a8e3a18-b2d7-11f1-b9da-3347af92760a

Saved in parser cache with key arwikisource:pcache:4982:|#|:idhash:canonical and timestamp 20260917203329 and revision id 478383. Rendering was triggered because: page_view