التعريض بالقول
ولا بد لكل مطلوب من مدخل إليه، وسبب يتوصل به نحوه فلم ينفرد بالاختراع دون واسطة إلا العليم الأول جل ثناؤه. فأول ما يستعمل طلاب أوصل وأهل المحبة في كشف ما يجدونه إلى أحبتهم التعريض بالقول، إما بإنشاد شعر، أوبإرسأ ومثل، أو تعمية بيت، أو طرح لغز، أو تسليط كلام وللناس يختلفون في ذلك على قدر إدراكهم، وعلى حسب مايرونه من أحبتهم من نفار أو أنس أو فطنة أو بلادة. وإني لأعرف من ابتدأ كشف محبته إلى من كان يحب بأبيات قلتها. فهذا وشبهه يبتدئ
به الطالب للمودة، فإن رأى أنسا وتسهيلاً زاد، وإن يعاين شيئاً من هذه الأمور في حين إنشاده لشيء مما ذكرنا، أو إيراده لبعض المعاني التي حددنا، فانتظاره الجواب، إما بلفظ أو هيئة الوجه والحركات، لموقف بين أرجاء واليأس هائل، وإن كان حيناً قصيراً، ولكنه إشراف على بلوغ الأمل أو انقطاعه.
ومن التعريض بالقول: جنس ثان، ولا يكون إلا بعد الاتفاق ومعرفة المحبة من المحبوب، فحينئذ يقع التشكي وعقد المواعيد والتغرير وأحكم المودات بالتعريض، وبكلام يظهر لسامعه منه معنى غير ما يذهبان إليه، فيجيب السامع عنه بجواب غير ما يتأدى إلى المقصود بالكلام، على حسب ما يتأدى إلى سمعه ويسبق إلى وهمه، وقد فهم كل واحد منهما عن صاحبه وأجابه بما لا يفهمه غيرهما إلا من أيد بحس نافذ، وأعين بذكاء، وأمد بتجربة، ولا سيما إن أحس من معانيهما بشيء وقلما يغيب عن المتوسم المجيد، فهنالك
لا خفاء عليه فيما يريدان.
وأنا أعرف فتى وجارية كانا يتحابان، فأرادها في بعض وصلها على بعض مالا يجمل. فقالت: والله لأشكونك في الملإ علانية ولأفضحنك فضيحة مستورة. فلما كان بعد أيام حضرت الجارية مجلس بعض أكابر الملوك وأركان الدولة وأجل رجال الخلافة، وفيه ممن يتوقى أمره من النساء والخدم عدد كثير، وفي جملة الحاضرين ذلك الفتى، لأنه كان بسبب من الرئيس، وفي المجلس مغنيات غيرها فلما انتهى الغناء إليها سوت عودها واندفعت تغني بأبيات قديمة، وهي:
غزال قد حكى بدر التمام
كشمس قد تجلت من غمام
سبى قلبي بألحاظ مراض
وقد الغصن في حسن القوام
خضعت خضوع صب مستكين
له وذللت ذلة مستهام
فصلني يا فديتك في حلال
فما أهوى وصالاً في حرام
وعلمت أنا هذا الأمر فقلت:
عتاب واقع وشكاة ظلم
أتت من ظالم حكم وخصم
تشكت ما بها لم يدر خلق
سوى المشكو ما كانت تسمى
طوق الحمامة ( المخطوط )
المقدمة | تقسيم الرسالة | الكلام في ماهية الحب | علامات الحب | من أحب في النوم | من أحب بالوصف | من أحب من نظرة واحدة | من لا يحب إلا مع المطاولة | من أحب صفة لم يستحسن بعدها غيرها مما يخالفها | التعريض بالقول | الإشارة بالعين | المراسلة | السفير | طي السر | الإذاعة | الطاعة | المخالفة | العاذل | المساعد من الإخوان | الرقيب | الوشي | الوصل | الهجر | الوفاء | الغدر | البين | القنوع
| الضنى | السلو | الموت | قبح المعصية | فضل التعفف
NewPP limit report Parsed by mw‐web.eqiad.main‐f9854c69d‐jfbtq Cached time: 20260918010640 Cache expiry: 2592000 Reduced expiry: false Complications: [vary‐revision‐sha1] CPU time usage: 0.077 seconds Real time usage: 0.105 seconds Preprocessor visited node count: 40/1000000 Revision size: 4039/2097152 bytes Post‐expand include size: 6720/2097152 bytes Template argument size: 0/2097152 bytes Highest expansion depth: 3/100 Expensive parser function count: 0/500 Unstrip recursion depth: 0/20 Unstrip post‐expand size: 5486/5000000 bytes Lua time usage: 0.022/10.000 seconds Lua memory usage: 1554120/52428800 bytes Number of Wikibase entities loaded: 0/500
Transclusion expansion time report (%,ms,calls,template) 100.00% 88.452 1 -total 64.45% 57.005 1 قالب:ترويسة 31.90% 28.219 2 قالب:أبيات 2.99% 2.648 1 قالب:طوق_الحمامة
Render ID 345a630f-b2fd-11f1-a5ba-912ac612a2b5
Saved in parser cache with key arwikisource:pcache:4761:|#|:idhash:canonical and timestamp 20260918010640 and revision id 478363. Rendering was triggered because: page_view
الإشارة بالعين
ثم يتلو التعريض بالقبول، إذا وقع القبول والموافقة، الإشارة بلحظ العين وإنه ليقوم في هذا المعنى المقام المحمود، ويبلغ المبلغ العجيب، ويقطع به ويتواصل، ويوعد ويهدد، وينتهر ويبسط ويؤمر وينهي، وتضرب به الوعود، وينبه على الرقيب، ويضحك ويحزن، ويسأل ويجاب، ويمنع ويعطي.
ولكل واحد من هذه المعاني ضرب من هيئة اللحظ لا يوقف على تحديده إلا بالرؤية، ولا يمكن تصويره ولا وصفه إلا بالأقل منه. وأنا واصف ما تيسر من هذه المعاني: فالإشارة بمؤخر العين الواحدة نهى عن الأمر، وتفتيرها إعلام بالقبول وإدامة نظرها دليل على التوجع والأسف، وكسر نظرها آية الفرح.
والإشارة إلى إطباقها دليل على التهديد، وقلب الحدقة إلى جهة ما ثم صرفها بسرعة تنبيه على مشار إليه.
والإشارة الخفية بمؤخر العينين كلتاهما سؤال، وقلب الحدقة من وسط العين إلى الموق بسرعة شاهد المنع، وترعيد الحدقتين من وسط العينين نهي عام. وسائر ذلك لا يدرك إلا بالمشاهدة.
وأعلم أن العين تنوب عن الرسل، ويدرك بها المراد والحواس الأربع أبواب إلى القلب ومنافذ نحو النفس، والعين أبلغها وأصحها دلالة وأوعاها عملاً وهي رائد النفس الصادق ودليلها الهادي ومرآتها المجلوة التي بها تقف على الحقائق وتميز الصفات وتفهم المحسوسات. وقد قيل ليس المخبر كالمعاين وقد ذكر ذلك افليمون صاحب الفراسة وجعلها معتمدة في الحكم وبحسبك من قوة إدراك العين أنها إذا لاقى شعاعها شعاعاً مجلواً صافياً، إما حديداً مفصولاً أو زجاجاً أو ماء أو بعض الحجارة الصافية أو سائر الأشياء المجلوة البراقة ذوات الرفيف
والبصيص واللمعان، يتصل أقصى حدوده بجسم كثيف ساتر مناع كدر، انعكس شعاعها فأدرك الناظر نفسه وما زاها عياناً. وهو الذي ترى في المرآة، فأنت حينئذ كالناظر إليك بعين غيرك. ودليل عياني على هذا أنك تأخذ مرآتين كبيرتين فتمسك إحداهما بيمينك خلف رأسك والثانية بيسارك قبالة وجهك ثم تزويها قليلاً حتى يلتقيان بالمقابلة، فإنك ترى قفاك وكل ما وراءك. وذلك لانعكاس ضوء العين إلى ضوء المرآة التي خلفك، إذ لم تجد منفذاً في التي بين يديك، ولما لم يجد وراء هذه الثانية منفذاً انصرف إلى ما
قابله من الجسم. وإن صالح غلام أبي إسحاق النظام خالف في الإدراك فهو قول ساقط لم يوافقه عليه أحد ولو لم يكن من فضل العين إلا أن جوهرها أرفع الجواهر وأعلاها مكاناً، لأنها نورية لاتدرك الألوان بسواها، ولا شيء أبعد مرمى ولا أنأى غاية منها، لأنها تدرك بها أجرام الكواكب التي في الأفلاك البعيدة، وترى بها السماء على شدة ارتفاعها وبعدها، وليس ذلك إلا لاتصالها في طبع خلقتها بهذه المرآة، فهي تدركها وتصل إليها بالنظر، لا على قطع الأماكن والحلول في المواضع وتنقل الحركات، وليس
هذا لشيء من الحواس مثل الذوق واللمس لا يدركان إلا بالمجاورة، والسمع والشم لا يدركان إلا من قريب. ودليل على ما ذكرناه من النظر أنك ترى المصوت قبل سماع الصوت، وإن تعمدت إدراكهما معاً. وإن كان إدراكهما واحداً لما تقدمت العين السمع.
طوق الحمامة ( المخطوط )
المقدمة | تقسيم الرسالة | الكلام في ماهية الحب | علامات الحب | من أحب في النوم | من أحب بالوصف | من أحب من نظرة واحدة | من لا يحب إلا مع المطاولة | من أحب صفة لم يستحسن بعدها غيرها مما يخالفها | التعريض بالقول | الإشارة بالعين | المراسلة | السفير | طي السر | الإذاعة | الطاعة | المخالفة | العاذل | المساعد من الإخوان | الرقيب | الوشي | الوصل | الهجر | الوفاء | الغدر | البين | القنوع
| الضنى | السلو | الموت | قبح المعصية | فضل التعفف
NewPP limit report Parsed by mw‐api‐ext.eqiad.main‐58f67cf59c‐q2qj5 Cached time: 20260913180336 Cache expiry: 2592000 Reduced expiry: false Complications: [] CPU time usage: 0.051 seconds Real time usage: 0.071 seconds Preprocessor visited node count: 26/1000000 Revision size: 4919/2097152 bytes Post‐expand include size: 4634/2097152 bytes Template argument size: 0/2097152 bytes Highest expansion depth: 3/100 Expensive parser function count: 0/500 Unstrip recursion depth: 0/20 Unstrip post‐expand size: 1176/5000000 bytes Lua time usage: 0.015/10.000 seconds Lua memory usage: 1345833/52428800 bytes Number of Wikibase entities loaded: 0/500
Transclusion expansion time report (%,ms,calls,template) 100.00% 58.120 1 -total 93.96% 54.607 1 قالب:ترويسة 5.66% 3.291 1 قالب:طوق_الحمامة
Render ID 70a85d72-af9d-11f1-8854-3560d87c997a
Saved in parser cache with key arwikisource:pcache:4762:|#|:idhash:canonical and timestamp 20260913180336 and revision id 284288. Rendering was triggered because: api-parse