ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 25 من 29

طوق الحمامة

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 25 من 291,790 كلمة في هذا الجزء

المقدمة | تقسيم الرسالة | الكلام في ماهية الحب | علامات الحب | من أحب في النوم | من أحب بالوصف | من أحب من نظرة واحدة | من لا يحب إلا مع المطاولة | من أحب صفة لم يستحسن بعدها غيرها مما يخالفها | التعريض بالقول | الإشارة بالعين | المراسلة | السفير | طي السر | الإذاعة | الطاعة | المخالفة | العاذل | المساعد من الإخوان | الرقيب | الوشي | الوصل | الهجر | الوفاء | الغدر | البين | القنوع

| الضنى | السلو | الموت | قبح المعصية | فضل التعفف

NewPP limit report Parsed by mw‐web.codfw.main‐6d566bb99f‐k69fh Cached time: 20260918021743 Cache expiry: 2592000 Reduced expiry: false Complications: [vary‐revision‐sha1] CPU time usage: 0.091 seconds Real time usage: 0.116 seconds Preprocessor visited node count: 47/1000000 Revision size: 17113/2097152 bytes Post‐expand include size: 7923/2097152 bytes Template argument size: 0/2097152 bytes Highest expansion depth: 3/100 Expensive parser function count: 0/500 Unstrip recursion depth: 0/20 Unstrip post‐expand size: 7641/5000000 bytes Lua time usage: 0.023/10.000 seconds Lua memory usage: 1560988/52428800 bytes Number of Wikibase entities loaded: 0/500

Transclusion expansion time report (%,ms,calls,template) 100.00% 93.031 1 -total 54.34% 50.551 1 قالب:ترويسة 42.95% 39.955 3 قالب:أبيات 2.12% 1.969 1 قالب:طوق_الحمامة

Render ID 214c89b5-b307-11f1-8dfb-15625640463f

Saved in parser cache with key arwikisource:pcache:4943:|#|:idhash:canonical and timestamp 20260918021743 and revision id 478380. Rendering was triggered because: page_view

قبح المعصية

قال المصنف رحمه الله تعالى: وكثير من الناس يطيعون أنفسهم ويعصون عقولهم ويتبعون أهواءهم، ويرفضون أديانهم، ويتجنبوا ما حض الله تعالى عليه ورتبه في الألباب السليمة من العفة وترك المعاصي ومقارعة الهوى ويخالفون الله ربهم، ويوافقون إبليس فيما يحبه من الشهوة المعطية فيواقعون المعصية في حبهم. وقد علمنا أن الله عز وجل ركب في الإنسان طبيعتين متضادتين: إحداهما لا تشير إلا بخير ولا تحض إلا على حسن ولا يتصور فيها إلا كل أمر مرضي، وهي العقل، وقائده العدل. والثانية: ضد لها لا تشير إلا إلى

الشهوات، ولا تقود إلا إلى الردى، وهي النفس، وقائدها الشهوة. والله تعالى يقول: "إن النفس لأمارة بالسوء". وكنى بالقلب عن العقل فقال: "إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد". وقال تعالى: "وحبب ألكم الإيمان وزينه في قلوبكم". وخاطب أولي الألباب.

فهاتان الطبيعتان قطبان في الإنسان، وهما قوتان من قوى الجسد الفعال بهما، ومطرحان من مطارح شعاعات هذين الجوهرين العجيبين الرفيعين العلويين ففي كل جسد منهما حظه على قدر مقابلته لهما في تقدير الواحد الصمد، تقدست أسماؤه حين خلقه وهيأه. فهما يتقابلان أبداً ويتنازعان دأباً، فإذا غلب العقل النفس ارتدع الإنسان وقمع عوارضه المدخولة واستضاء بنور الله واتبع العدل وإذا غلبت النفس العقل عميت البصيرة، ولم يصح الفرق بين الحسن والقبيح، وعظم الالتباس وتردى في هوة الردى ومهواة الهلكة، وبهذا حسن الأمر والنهي، ووجب الاكتمال، وصح

الثواب والعقاب، واستحق الجزاء. والروح وأصل بين هاتين الطبيعتين، وموصل ما بينهما، وحامل الالتقاء بهما وإن الوقوف عند حد الطاعة لمعدوم إلا بطول الرياضة وصحة المعرفة ونفاذ التمييز، ومع ذلك اجتناب التعرض للفتن ومداخله الناس جملة والجلوس في البيوت، وبالحري أن تقع السلامة المضمونة أن يكون الرجل حصوراً لا أرب له في النساء ولا جارحة له تعبنه عليهن قديماً.

وورد: من وقى شر لقلقه وقبقبه وذبذبه فقد وقى شر الدنيا بحذافيراها. واللقلق: اللسان. والقبقب: البطن. والذبذب: الفرج ولقد أخبرني أبو حفص الكاتب هو من ولد روح بن زنباع الجذامي، أنه سمع بعض المتسمين باسم الفقه من أهل الرواية المشاهير، وقد سئل عن هذا الحديث فقال: القبقب. البطيخ.

وحدثنا أحمد بن محمد بن أحمد، ثنا وهب بن مسرة ومحمد بن أبي دليم عن محمد بن وضاح عن يحيى بن يحيى عن مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن عطاء ابن يسار، أن رسول الله ﷺ قال في حديث طويل: "من وقاه الله شر اثنتين دخل الجنة". فسئل عن ذلك فقال: "ما بين لحييه وما بين رجليه".

وإني لأسمع كثيراً ممن يقول: الوفاء في قمع الشهوات في الرجال دون النساء فأطيل العجب من ذلك، وإن لي قولاً لا أحول عنه: الرجال والنساء في الجنوح إلى هذين الشيئين سواه، وما رجل عرضت له امرأة جميلة بالحب وطال ذلك ولم يكن ثم من مانع إلا وقع في شرك الشيطان واستهوته المعاصي واستفزه الحرص وتغوله الطمع، وما امرأة دعاها رجل بمثل هذه الحالة إلا وأمكنته، حتماً مقضياً وحكماً نافذا لا محيد عنه البتة.

ولقد أخبرني ثقة صدق من إخواني من أهل النماء في الفقه والكلام المعرفة وذو صلابة في دينه، أنه أحب جارية نبيلة أديبة ذات جمال بارع، قال: فعرضت لها فنفرت، ثم عرضت فأبت. فلم يزل الأمر يطول وحبها يزيد، وهي لا تطيع البتة، إلى أن حملني فرط حبي لها مع عمي الصبي على أن نذرت أني متى نلت منها مرادي أن أتوب إلى الله توبة صادقة. قال: فما مرت الأيام والليالي حتى أذعنت بعد شماس ونفار. فقلت له: أنا فلان، وفيت بعهدك؟ فقال: أي والله، فضحكت.

وذكرت بهذه الفعلة ما لم يزل يداول في أسماعنا من أن في بلاد البربر التي تجاور أندلسنا يتعهد الفاسق على أنه إذا قضى وطره ممن أراد أن يتوب إلى الله، فلا يمنع من ذلك. وينكرون على من تعرض له بكلمة ويقولون له: أتحرم رجلاً مسلماً التوبة.

قال: ولعهدي بها تبكي وتقول: والله لقد بلغتني بملغاً ما خطر قط لي ببال، ولا قدرت أن أجيب إليه أحداً.

ولست أبعد أن يكون الصلاح في الرجال والنساء موجوداً. وأعوذ بالله أن أظن غير هذا، وإني رأيت الناس يغلطون في معنى هذه الكلمة، أعني الصلاح، غلطاً بعيداً والصحيح في حقيقة تفسيرها أن الصالحة من النساء هي التي إذا ضبطت انضبطت، وإذا قطعت عنها الذرائع أمسكت. والفاسدة هي التي إذا ضبطت لم تنضبط، وإذا حيل بينها وبين الأسباب التي تسهل الفواحش تحيلت في أن تتوصل إليها بضروب من الحيل. والصالح من الرجال من لا يداخل أهل الفسوق ولا يتعرض إلى المناظر الجالبة للأهواء، ولا يرفع طرفه

إلى الصور البديعة الصنعة، ويتصدى للمشاهد المؤذية، ويحب الخلوات المهلكات والصالحان من الرحال والنساء كالنار الكامنة في الرماد لا تحرق من جاورها إلا بأن تحرك والفاسقان كالنار المشتعلة تحرق كل شيء.

وأما امرأة مهملة ورجل متعرض فقد هلكا وتلفا. ولهذا حرم على المسلم الالتذاذ بسماع نغمة امرأة أجنبية. وقد جعلت النظرة الأولى لك والأخرى عليك وقد قال رسول الله ﷺ : "من تأمل امرأة وهو صائم حتى يرى حجم عظامها فقد أفطر". وإن فيما ورد من النهي عن الهوى بنص التتريل لشيئاً مقنعاً. وفي إيقاع هذه الكلمة، أعني الهوى. اسماً على معان، واشتقاقها عند العرب، وذلك دليل على ميل النفوس وهويها إلى هذه المقامات. وإن المتمسك عنها مقارع لنفسه محارب لها.

وشيء أصفه لك تراه عياناً، وهو أني ما رأيت قط امرأة في مكان تحس أن رجلاً يراها أو يسمع حسها إلا وأحدثت حركة فاضلة كانت عنها بمعزل، وأنت بكلام زائد كانت عنه في غنية، مخالفين لكلامها وحركتها قبل ذلك. ورأيت التهمم لمخارج لفظها وهيئة تقلبها لائحاً فيها ظاهراً عليها لا خفاء به. والرجال كذلك إذا أحسوا بالنساء. وأما إظهار الزينة وترتيب المشي وإيقاع المزح عند خطور المرأة بالرجل واجتياز الرجل بالمرأة فهذا أشهر من الشمس في كل مكان. والله عز وجل يقول: "وقل للمؤمنين يغضوا

من أبصارهم ويحفظوا فروجهم"، وقال تقدست أسماؤه: "ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن". فلولا علم الله عز وجل برقة إغماضهن في السعي لإيصال حبهن إلى القلوب، ولطف كيدهن في التحيل لاستجلاب الهوى، لما كشف الله عن هذا المعنى البعيد الغامض الذي ليس وراءه مرمى، وهذا حد التعرض فكيف بما دونه.

ولقد اطلعت من سر معتقد الرجال والنساء في هذا على أمر عظيم، وأصل ذلك أني لم أحسن قط بأحد ظنا في هذا الشأن، مع غيرة شديدة ركبت في. وحدثنا أبو عمر وأحمد بن أحمد، ثنا أحمد، ثنا محمد بن علي بن رفاعة، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام عن شيوخه: أن رسول الله ﷺ قال: "الغيرة من الإيمان". فلم أزل باحثاً عن أخبارهن كاشفاً عن أسرارهن، وكن قد أنسن مني بكتمان، فكن يطلعنني على غوامض أمورهن. ولولا أن أكون منبهاً

على عورات يستعاذ بالله منها لأوردت من تنبهن في السر ومكرهن فيه عجائب تذهل الألباب، وإني لأعرف هذا وأتقنه، ومع هذا يعلم الله وكفى به علماً أني بريء الساحة، سليم الأديم، صحيح البشرة، نقي الحجزة، وإني أقسم بالله أجل الأقسام أني ما حللت مئزري على فرج حرام قط، ولا يحاسبني ربي بكبيرة الزنا مذ علقت إلى يومي هذا. والله المحمود على ذلك والمشكور فيما مضى والمستعصم فيما بقي.

حدثنا القاضي أبو عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن حجاف المعافري، وإنه لأفضل قاض رأيته، عن محمد بن إبراهيم الطليطلي عن القاضي بمصر بكر بن العلاء في قول الله عز وجل: "وأما بنعمة ربك فحدث". أن لبعض المتقدمين فيه قولا، وهو أن المسلم يكون مخبراً عن نفسه بما أنعم الله تعالى به عليه من طاعة ربه التي هي من أعظم النعم، ولا سيما في المفترض على المسلمين اجتنابه وأتباعه. وكان السبب فيما ذكرته أني كنت وقت تأجج نار الصبا وشرة الحداثة وتمكن

غرارة الفتوة مقصوراً محظراً على بين رقباء ورقائب، فلما ملكت نفسي عقلت صحبت أبا علي الحسين بن علي الفاس في مجلس أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي يزيد الأزدي شيخنا وأستاذي رضي الله عنه، وكان أبو علي المذكور عاقلاً عاملاً عالماً ممن تقدم في الصلاح والنسك الصحيح في الزهد في الدنيا والاجتهاد للآخرة، وأحسبه كان حصوراً لأنه لم تكن له امرأة قط، وما رأيت مثله جملة علماً وعملاً وديناً وورعاً، فنفعني الله به كثيراً وعلمت موقع الإساءة وقبح المعاصي: ومات أبو علي رحمه الله في

الطريق الحج.

ولقد ضمنى المبيت ليلة في بعض الأزمان عند امرأة من بعض معارفي مشهورة بالصلاح والخير والحزم، ومعها جارية من بعض قراباتها من اللاتي قد ضمنها معي النشأة في الصبا، ثم غبت عنها أعواماً كثيرة. وكنت تركتها حين أعصرت ووجدتها قد جرى على وجهها ماء الشباب ففاض وأنساب، وتفجرت عليها ينابيع الملاحة فترددت وتحيرت، وطلعت في سماء وجهها نجوم الحسن فأشرقت وتوقدت، وانبعث في خديها أزاهير الجمال فتمت وأعتمت، فأتت كما أقول:

خريدة صاغها الرحمن من نور

جلت ملاحتها عن كل تقدير

لو جاءني عملي في حسن صورتها

يوم الحساب ويم النفخ في الصور

لكنت أحظى عباد الله كلهم

بالجنتين وقرب الخرد الحور

وكانت من أهل بيت صباحة، وقد ظهرت على صورة تعجز الوصاف، وقد طبق وصف شبابها قرطبة، فبت عندها ثلاث ليال متوالية ولم تحجب عني على جاري العادة في التربية. فلعمري لقد كاد قلبي أن يصبو ويثوب إليه مرفوض الهوى، ويعاوده منسى الغزل. ولقد امتنعت بعد ذلك من دخول تلك الدار خوفاً على لبي أن يزدهيه الاستحسان. ولقد كانت هي وجميع أهلها ممن لا تتعدى الأطماع إليهن، ولكن الشيطان غير مأمون الغوائل. وفي ذلك أقول:

لا تتبع النفس الهوى

ودع التعرض للمحن

إبليس حي لم يمت

والعين باب للفتن

وأقول:

وقائل لي هذا

ظن يزيدك غياً

فقلت دع عنك لومي

أليس إبليس حياً

وما أورد الله تعالى علينا من قصة يوسف بن يعقوب وداود بن إيشى رسل الله عليهم السلام إلا ليعلمنا نقصاننا وفاقتنا إلى عصمته، وأن بنيتنا مدخولة ضعيفة، فإذا كانا صلى الله عليهما وهما نبيان رسولان أبناء أنبياء رسل ومن أهل بيت نبوة ورسالة متكررين في الحفظ مغموسين في الولاية، محفوفين بالكلاءة، مؤيدين بالعصمة، لا يجعل للشيطان عليهما سبيل ولا فتح لوسواسه نحوهما طريق وبلغا حيث نص الله عز وجل علينا في قرءانه المترل بالجبلة الموكلة والطبع البشري والخلقة الأصلية، لا بتعمد الخطيئة ولا القصد إليها،