ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 26 من 29

طوق الحمامة

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 26 من 291,789 كلمة في هذا الجزء

إذ النبيون مبرؤون من كل ما خالف طاعة الله عز وجلن لكنه استحسان طبيعي في النفس للصور، فمن ذا الذي يصف نفسه مملكها ويتعاطى ضبطها إلا بحول الله وقوته. وأول دم سفك في الأرض فدم أحد ابني آدم على سبب المنافسة في النساء. ورسول الله ﷺ يقول: "باعدوا بين أنفاس الرجال والنساء". وهذه امرأة من العرب تقول وقد حبلت من ذي قرابة لها حين سئلت: ما ببطنك يا هند؟ فقالت: قرب الوساد وطول السواد. وفي ذلك أقول شعراً، منه:

لا تلم من عرض النفس لما

ليس يرضى غيره عند المحن

لا تقرب عرفجاً من لهب

ومتى قربته قامت دحن

تصرف ثقة في أحد

فسد الناس جميعاً والزمن

خلق النسوان للفحل كما

خلق الفحل بلا شك لهن

كل شكل يتشهى شكله

لا تكن عن أحد تنفى الظنن

صفة الصالح من إن صنته

عن قبيح أظهر الطوع الحسن

وسواه من إذا ثقفته

أعمل الحيلة في خلع الرسن

وإني لأعلم فتى من أهل الصيانة قد أولع بهوى له، فاجتاز بعض إخوانه فوجده قاعداً مع من كان يحب، فاستجلبه إلى مترله، فأجابه إلى مترله بامتثال المسير بعده. فمضى داعيه إلى مترله وانتظره حتى طال عليه التربص فلم يأته. فلما كان بعد ذلك اجتمع به داعيه فعدد عليه وأطال لومه على إخلافه موعده، فاعتذر وورى. فقلت أنا للذي دعاه: أنا أكشف عذره صحيحاً من كتاب الله عز وجل إذ يقول: "ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم". فضحك من حضر. وكلفت أن

أقول في ذلك شيئاً فقلت:

وجرحك لي جرح جبار فلا تلم

ولكن جرح الحب غير جبار

وقد صارت الخيلان وسط بياضه

كنيلوفر حفته روض بهار

وكم قال لي من مت وجداً بحبه

مقالة محلول المقالة زاري

وقد كثرت مني إليه مطالب

ألح عليه تارة وأداري

أما في التوائي ما يبرد غلة

ويذهب شوقاً في ضلوعك ساري

فقلت له لو كان ذلك لم تكن

عداوة جار في الأنام لجار

وقد تتراءى العسكر أن لدي الوغي

وبينهما للموت سيل بوار

ولي كلمتان قلتهما معرضاً بل مصرحاً برجل من أصحابنا كنا نعرفه كلنا من أهل الطلب والعناية والورع وقيام الليل واقتفاء آثار النساك وسلوك مذاهب المتصوفين القدماء باحثاً مجتهداً، وقد كنا نتجنب المزاح بحضرته، فلم يمض الزمن حتى مكن الشيطان من نفسه، وفتك بعد لباس النساك، وملك إبليس من خطامه فسول له الغرور، وزين له الويل والثبور، وأجره رسنه بعد إباء. وأعطاه ناصيته بعد شماس، فخب في طاعته وأوضع، واشتهر بعد ما ذكرته في بعض المعاصي القبيحة الوضرة، ولقد أطلت ملامه وتشددت في عذله إذ أعلن

بالمعصية بعد استتار، إلى أن أفسد ذلك ضميره علي، وخبثت نيته لي، وتربص بي دوائر السوء، وكان بعض أصحابنا يساعده بالكلام استجراراً إليه، فيأنس به ويظهر له عداوتي، إلى أن أظهر الله سريرته، فعلمها البادي والحاضر، وسقط من عيون الناس كلهم بعد أن كان مقصداً للعلماء ومنتاباً للفضلاء، ورذل عند إخوانه جملة. أعاذنا الله من البلاء، وسترنا في كفايته، ولا سلبنا ما بنا من نعمته. فيا سوءتاه لمن بدأ باستقامة ولم يعلم أن الخذلان يحل به وأن العصمة ستفارقه، لا إله إلا الله، ما أشنع

هذا وأفظعه. لقد دهمته إحدى بنات الحرس، وألقت عصاها به أم طبق. من كان لله أولاً ثم صار للشيطان آخراً، ومن إحدى الكلمتين:

أما الغلام فقد حانت فضيحته

وأنه كان مستوراً فقد هتكا

مازال يضحك من أهل الهوى عجباً

فالآن كل جهول منه قد ضحكا

إليك لا تلح صبا هائماً كلفاً

يرى التهتك في دين الهوى نسكاً

ذو مخبر وكتاب لا يفارقه

نحو المحدث يسعى حيث ما سلكا

فاعتلص من سمر أقلام بنان فتي

كأنه من لجين صبغ أو سبكاً

يا لائمي سفهاً في ذاك قل فلم

تشهد جبينين يوم الملتقى اشتبكا

دعني ووردي في الآبار أطلبه

إليك عني كذا لا أبتغي البركا

إذا تعففت عف الحب عنك وإن

تركت يوماً فإن الحب قد تركا

ولا تحل من الهجران منعقداً

إلا إذا ما حللت الأزر والتككا

ولا تصحح للسلطان مملكة

أو تدخل البرد عن إنفاذه السككا

ولا بغير كثير المسح يذهب ما

يعلو الحديد من الأصداء إن سبكا

وكان هذا المذكور من أصحابنا قد أحكم القراءات إحكاماً جيداً، واختصر كتاب الأنباري في الوقف والابتداء اختصاراً حسناً أعجب به من رآه من المقرئين، وكان دائباً على طلب الحديث وتقييده، والمتولي لقراءة ما يسمعه على الشيوخ المحدثين، مثابراً على النسخ مجتهداً به.

فلما امتحن بهذه البلية مع بعض الغلمان رفض ما كان معتنياً وباع أكثر كتبه واستحال استحالة كلية، نعوذ بالله من الخذلان، وقلت فيه كلمة وهي التالية للكلمة التي ذكرت منها في أول خبره ثم تركتها.

وقد ذكر أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الرويدي في كتاب اللفظ والإصلاح: أن إبراهيم بن سيار النظام رأس المعتزلة، من علو طبقته في الكلام وتمكنه وتحكمه في المعرفة، تسبب إلى ما حرم الله عليه من فتى نصراني عشقه بأن وضع له كتاباً في تفضيل التثليث على التوحيد.

فيا غوثاه عياذك يا رب من تولج الشيطان ووقوع الخذلان. وقد يعظم البلاء، وتكلب الشهوة، ويهون القبيح وبرق الدين حتى يرضى الإنسان في جنب وصوله إلى مراده بالقبائح والفضائح، كمثل ما دهم عبيد الله بن يحيى الأزدي المعروف بابن الحزيري، فإنه رضي بإهمال داره وإباحة حريمه والتعريض بأهله طمعاً في الحصول على بغيته من فتى كان علقه. نعوذ بالله من الضلال ونسأله الحياطة وتحسين آثارنا وإطابة أخبارنا، حتى لقد صار المسكين حديثاً تعمر به المحافل، وتصاغ فيه الأشعار، وهو الذي تسميه العرب الديوث. وهو مشتق

من التدييث، وهو التسهيل. وما بعد تسهيل من تسمح نفسه بهذا الشأن تسهيل، ومنه بعير مديث. أي مذلل. ولعمري إن الغيرة لتوجد في الحيوان بالخلقة، فكيف وقد أكدتها عندنا الشريعة، وما بعد هذا مصاب. ولقد كنت أعرف هذا المذكور مستوراً إلى أن استهواه الشيطان ونعوذ بالله من الخذلان. وفيه يقول عيسى بن محمد بن محمل الحولاني:

يا جاعلاً إخراج حر نسائه

شركا لصيد جآذر الغزلان

إني أرى شركا يمزق ثم لا

تحظى بغير مذلة الحرمان

وأقول أنا أيضاً:

أباح أبو مروان حر نسائه

ليبلغ ما يهوى من الرشأ الفرد

فعاتبته الديوث في قبح فعله

فأنشدني مستبصر جلد

لقد كنت أدركت المني غير أنني

يعيرني قومي بإداركها وحدي

وأقول أيضاً:

رأيت الحزيرى فيما يعاني

قليل الرشاد كثير السفاه

يبيع ويبتاع عرضاً بعرض

أمور وجدك ذات اشتباه

ويأخذ ميما بإعطاء هاء

ألا هكذا فليكن ذو النواهي

وبيدل أرضاً تغذي النبات

بأرض تحف بشوك العضاه

لقد خاب في تجره ذو ابتياع

مهب الرياح بمجرى المياه

ولقد سمعته في المسجد الجامع يستعيذ بالله من العصمة كما يستعاذ به من الخذلان.

ومما يشبه هذا أني أذكر أني كنت في مجلس فيه إخوان لنا عند بعض مياسير أهل بلدنان فرأيت بين بعض من حضر وبين من كان بالحضرة أيضاً من أهل صاحب المجلس أمراً أنكرته وغمزاً استبشعته، وخلوات الحين بعد الحين، وصاحب المجلس كالغائب أو النائم، فنبهته بالتعريض فلم ينتبه، وكحرمته بالتصريح فلم يتحرك، فجعلت أكرر عليه بيتين قديمين لعله يفطن. وهما هذان:

إن إخوانه المقيمين بالأمس

أتوا للزناء لا للغناء

قطعوا أمرهم وأنت حمار

موقر من بلادة وغباء

وأكثرت من إنشادهن حتى قال لي صاحب المجلس: قد أمللتنا من سماعهما فتفضل بتركهما أو إنشاد غيرهما. فأمسكت وأنا لا أدري أغافل هو أم متغافل. وما أذكر أني عدت إلى ذلك المجلس بعدها. فقلت فيه قطعة منها:

أنت لا شك أحسن الناس ظناً

ويقيناً ونية وضميراً

فانتبه أن بعض من كان بالأمس

جليساً لنا يعاني كبيراً

ليس كل الركوع فاعلم صلاة

لا ولا كل ذي لحاظ بصيراً

وحدثني ثعلب بن موسى الكلاذاني قال: حدثني سليمان بن أحمد الشاعر قال: حدثتني امرأة اسمها هند كنت رأيتها في المشرق، وكانت قد حجت خمس حجات، وهي من المتعبدات المجتهدات، قال سليمان: فقالت لي: يا بن أخي، لا تحسن الظن بامرأة قط فإني أخبرك عن نفسي بما يعلمه الله عز وجل: ركبت البحر منصرفة من الحج وقد رفضت الدنيا وأنا خامسة نسوة، كلهن قد حججن، وصرنا في مركب في بحر القلزم، وفي بعض ملاحي السفينة رجل مضمر الخلق مديد القامة واسع الأكناف حسن التركيب، فرأيته أول

ليلة قد أتى إلى إحدى صواحبي فوضع إحليله في يدها وكان ضخماً جداً. فأمكنته في الوقت من نفسها. ثم مر عليهن كلهن في ليالي متواليات، فلم يبق له غيرها، تعني نفسها، قالت: فقلت في نفسي: لأنتقمن منك. فأخذت موسى وأمسكتها بيدي. فأتى في الليل على جاري عادته. فلما فعل كفعله في سائل الليالي سقطت الموسى عليه فارتاع وقام لينهض. قالت: فأشفقت عليه وقلت له: وقد أمسكته: لا زلت أو آخذ نصيبي منك. قالت العجوز: فقضى وطره وأستغفر الله. وإن للشعراء من لطف التعريض عن الكناية

لعجبا. ومن بعض ذلك قولي حيث أقول:

أتاني وماء المزن في الجو يسفك

كمحض لجين إذ يمد ويسبك

هلال الدياجي انحط من جو أفقه

فقل في محب نال ما ليس يدرك

وكان الذي إن كنت لي عنه سائلاً

فمالي جواب غير أني أضحك

لفرط سروري خلتني عنه نائماً

فيا عجباً من موقنه يتشكك

وأقول أيضاً قطعة منها:

أتيتني وهلال الجو مطلع

قبيل قرع التساري للنواقيس

كحاجب الشيخ عم الشيب أكثره

وإخمص الرجل في لطف وتقويس

ولاح في الأفق قوس الله مكتسياً

من كل لون كأذناب الطواويس

وإن فيما يبدو إلينا من تعادي المتواصلين في غير ذات الله تعالى بعد الألفة، وتدابرهم بعد الوصال، وتقاطعهم بعد المودة، وتباغضهم بعد المحبة، واستحكام الضغائن وتأكد السخائم في صدورهم، لكاشفاً ناهياً لو صادف عقولاً سليمة وآراء نافذة وعزائم صحيحة. فكيف بما أعد اله لمن عصاه من النكال الشديد يوم الحساب وفي دار الجزاء، ومن الكشف على رؤوس الخلائق: "يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد". جعلنا الله ممن يفوز برضاه ويستحق

رحمته.

ولقد رأيت امرأة كانت مودتها في غير ذات الله عز وجل. فعهدتها أصفى من الماء وألطف من الهواء وأثبت من الجبال وأقوى من الحديد وأشد امتزاجاً من اللون في الملون، وأنفذا استحكاماً من الأعراض في الأجسام، وأضوأ من الشمس، وأصح من العيان، وأثقب من ألنجم، وأصدق من كدر القطا وأعجب من الدهر، وأحسن من البر، وأجمل من وجه أبي عامر، وألذ من العافية وأحلى من المنى، وأدنى من النفس، وأقرب من النسب، وأرسخ من النقش في الحجر ثم لم ألبث أن رأيت تلك المودة قد

استحالت عداوة أفظع من الموت، وأنفذ من السهم، وأمر من السقم، وأوحش من زوال النعم، وأقبح من حلول النقم وامضى من عقم الرياح، وأضر من الحمق، وأدمر من غلبة العدو، وأشد من الأسر، وأقسى من الصخر، وأبغض من كشف الأستار، وأنأى من الجوزاء، وأصعب من معاناة السماء، وأكبر من رؤية المصاب، وأشنع من خرق العادات وأقطع من فجأة البلاء، وأبشع من السم الزعاف؛ وما لا يتولد مثله عن الذحول والترات وقتل الآباء وسبي الأمهات.

وتلك عادة الله في أهل الفسق القاصدين سواه، الأميين غيره؛ وذلك قوله عز وجل: "يا ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني". فيجب على اللبيب الاستجارة بالله مما يورط فيه الهوى. فهذا خلف مولى يوسف بن قمقام القائد المشهور، كان أحد القائمين مع هشام بن سليمان بن الناصر، فلما أسر هشام وقتل وهرب الذين وازروه فر خلف في جملتهم ونجا. فلما أتى القسطلات لم يطق الصبر عن جارية كانت له بقرطبة فكر راجعاً. فظفر به أمير المؤمنين المهدي، فأمر بصلبه.

فلعهدي به مصلوباً في المرج على النهر الأعظم وكأنه القنفذ من النبل.

ولقد أخبرني أبو بكر محمد بن الوزير عبد الرحمن بن الليث رحمه الله أن سبب هروبه إلى محلة البرابر أيام تحولهم مع سليمان الظافر إنما كن لجارية يكلف بها تصيرت عند بعض من كان في تلك الناحية؛ ولقد كاد أن يتلف في تلك السفرة.