ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 4 من 14

دلائل الإعجاز — الجزء الخامس

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 4 من 141,785 كلمة في هذا الجزء

ووجوهه والعمل بقوانينه وأصوله وليست معاني النحو معاني الألفاظ فيتصور أن يكون لها تفسير وجملة الأمر أن النظم إنما هو أن الحمد من قوله تعالى الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مبتدأ ولله خبر ورب صفة لاسم الله تعالى ومضاف إلى العالمين والعالمين مضاف إليه والرحمن الرحيم صفتان كالرب ومالك من قوله مالك يوم الدين صفة أيضا ومضاف إلى يوم ويوم مضاف إلى الدين وإياك ضمير اسم الله تعالى مما هو ضمير يقع موقع الاسم إذا كان الاسم منصوبا معنى ذلك أنك لو ذكرت اسم

الله مكانه لقلت الله نعبد ثم أن نعبد هو المقتضي معنى النصب فيه وكذلك حكم إياك نستعين ثم إن جملة إياك نستعين معطوف بالواو على جملة إياك نعبد والصراط مفعول والمستقيم صفة للصراط وصراط الذين بدل من الصراط المستقيم وأنعمت عليهم صلة الذين وغير المغضوب عليهم صفة الذين والضالين معطوف على المغضوب عليهم

فانظر الآن هل يتصور في شيء من هذه المعاني أن يكون معنى اللفظ وهل يكون كون الحمد مبتدأ معنى لفظ الحمد أم يكون كون رب صفة وكونه مضافا إلى العالمين معنى لفظ الرب فإن قيل إنه إن لم تكن هذه المعاني أنفس الألفاظ فإنها تعلم على كل حال من ترتيب الألفاظ ومن الإعراب فبالرفع في الدال من الحمد يعلم أنه مبتدأ وبالجر في الباء من رب يعلم أنه صفة وبالياء في العالمين يعلم أنه مضاف إليه وعلى هذا قياس الكل قيل ترتيب اللفظ لا يكون

لفظا والإعراب وإن كان يكون لفظا فإنه لا يتصور أن يكون هاهنا لفظان كلاهما علامة إعراب ثم يكون أحدهما تفسيرا للآخر وزيادة القول في هذا من خطل الرأي فإنه مما يعلمه العاقل ببديهة النظر ومن لم يتنبه له في أول ما يسمع لم يكن أهلا لأن يكلم ونعود إلى رأس الحديث فنقول قد بطل الآن من كل وجه وكل طريق أن تكون الفصاحة وصفا للفظ من حيث هو لفظ ونطق لسان وإذا كان هذا صورة الحال وجملة الأمر ثم لم تر القوم تفكروا في شيء

مما شرحناه بحال ولا أخطروه لهم ببال بان وظهر أنهم لم يأتوا الأمر من بابه ولم يطلبوه من معدنه ولم يسلكوا إليه طريقه وأنهم لم يزيدوا على أن أوهموا أنفسهم وهما كاذبا أنهم قد أبانوا الوجه الذي به كان القرآن معجزا والوصف الذي به بان من كلام المخلوقين من غير أن يكونوا قد قالوا فيه قولا يشفي من شاك غليلا ويكون على علم دليلا وإلى معرفة ما قصدوا إليه سبيلا واعلم أنه إذا نظر العاقل إلى هذه الأدلة فرأى ظهورها استبعد أن يكون قد ظن

ظان في الفصاحة أنها من صفة اللفظ صريحا ولعمري إنه كذلك ينبغي إلا أنا ننظر إلى جدهم وتشددهم وبتهم الحكم بأن المعاني لا تتزايد وإنما تتزايد الألفاظ فلئن كانوا قد قالوا الألفاظ وهم لا يريدونها أنفسها وإنما يريدون لطائف معان تفهم منها لقد كان ينبغي أن يتبعوا ذلك من قولهم ما ينبىء عن غرضهم وأن يذكروا أنهم عنوا بألفاظ ضربا من المعنى وأن غرضهم مفهوم خاص هذا وأمر النظم في أنه ليس شيئا غير توخي معاني النحو فيما بين الكلم وأنك ترتب

المعاني أولا في نفسك ثم تحذو على ترتيبها الألفاظ في نطقك وإنا لو فرضنا أن تخلو ألفاظ من المعاني لم يتصور أن يجب فيها نظم وترتيب في غاية القوة والظهور ثم ترى الذين لهجوا بأمر اللفظ قد أبوا إلا أن يجعلوا النظم في الألفاظ فترى الرجل منهم يرى ويعلم أن الإنسان لا يستطيع أن يجيء بالألفاظ مرتبة إلا من بعد أن يفكر في المعاني ويرتبها في نفسه على ما أعلمناك ثم تفتشه فتراه لا يعرف الأمر بحقيقته وتراه ينظر إلى حال السامع فإذا رأى المعاني

لا تقع مرتبة في نفسه إلا من بعد أن تقع الألفاظ مرتبة في سمعه نسي حال نفسه واعتبر حال من يسمع منه سبب ذلك قصر الهمة وضعف العناية وترك النظر والأنس بالتقليد وما يغني وضوح الدلالة مع من لا ينظر فيها وإن الصبح ليملأ الأفق ثم لا يراه النائم ومن قد أطبق جفنه واعلم أنك لا ترى في الدنيا علما قد جرى الأمر فيه بديئا وأخيرا على ما جرى عليه في علم الفصاحة والبيان أما البديء فهو أنك لا ترى نوعا من أنواع العلوم إلا

وإذا تأملت كلام الأولين الذين علموا الناس وجدت لعبارة فيه أكثر من الإشارة والتصريح أغلب من التلويح والأمر في علم الفصاحة بالضد من هذا فإنك إذا قرأت ما قاله العلماء فيه وجدت جله أو كله رمزا ووحيا وكناية وتعريضا وإيماء إلى الغرض من وجه لا يفطن له إلا من غلغل الفكر وأدق النظر ومن يرجع من طبعه إلى ألمعية يقوى معها على الغامض ويصل بها إلى الخفي حتى كان بسلا حراما أن تتجلى معانيهم سافرة الأوجه لا نقاب لها وبادية الصفحة لا حجاب دونها وحتى

كأن الإفصاح بها حرام وذكرها إلا على سبيل الكناية والتعريض غير سائغ وأما الأخير فهو أنا لم نر العقلاء قد رضوا من أنفسهم في شيء من العلوم أن يحفظوا كلاما للأولين ويتدارسوه ويكلم به بعضهم بعضا من غير أن يعرفوا له معنى ويقفوا منه على غرض صحيح ويكون عندهم إن يسألوا عنه بيان له وتفسير إلا علم الفصاحة فإنك ترى طبقات من الناس يتداولون فيما بينهم ألفاظا للقدماء وعبارات من غير أن يعرفوا لها معنى أصلا أو يستطيعوا إن سئلوا عنها أن يذكروا لها تفسيرا

يصح فمن أقرب ذلك أنك تراهم يقولون إذا هم تكلموا في مزية كلام على كلام إن ذلك يكون بجزالة اللفظ وإذا تكلموا في زيادة نظم على نظم إن ذلك يكون لوقوعه على طريقة مخصوصة وعلى وجه دون وجه ثم لا تجدهم يفسرون الجزالة بشيء ويقولون في المراد بالطريقة والوجه ما يحلى منه السامع بطائل ويقرؤون في كتب البلغاء ضروب كلام قد وصفوا اللفظ فيها بأوصاف تعلم ضرورة أنها لا ترجع إليه من حيث هو لفظ ونطق لسان وصدى حرف كقولهم لفظ متمكن غير قلق ولا

ناب به موضعه وإنه جيد السبك صحيح الطابع وإنه ليس فيه فضل عن معناه وكقولهم إن من حق اللفظ أن يكون طبقا للمعنى لا يزيد عليه ولا ينقص عنه كقول بعض من وصف رجلا من البلغاء كانت ألفاظه قوالب لمعانيه هذا إذا مدحوه وقولهم إذا ذموه هو لفظ معقد وإنه بتعقيده قد استهلك المعنى وأشباه لهذا ثم لا يخطر ببالهم أنه يجب أن يطلب لما قالوه معنى وتعلم له فائدة ويجشم فيه فكر وأن يعتقد على الجملة أقل ما في الباب أنه كلام لا يصح

حمله على ظاهره وأن يكون المراد باللفظ فيه نطق اللسان فالوصف بالتمكن والقلق في اللفظ محال فإنما يتمكن الشيء ويعلق إذا كان شيئا يثبت في مكان والألفاظ حروف لا يوجد منها حرف حتى يعدم الذي كان قبله وقولهم متمكن أو قلق وصف للكلمة بأسرها لا حرف حرف منها ثم إنه لو كان يصح في حروف الكلمة أن تكون باقية بمجموعها لكان ذلك فيها محالا أيضا من حيث إن الشيء إنما يتمكن ويقلق في مكانه الذي يوجد فيه ومكان الحروف إنما هو الحلق والفم واللسان والشفتان

فلو كان يصح عليها أن توصف بأنها تتمكن وتقلق لكان يكون ذلك

التمكن وذلك القلق منها في إمكانها من الحلق والفم واللسان والشفتين وكذلك قولهم لفظ ليس فيه فضل عن معناه محال أن يكون المراد به اللفظ لأنه ليس هاهنا اسم أو فعل أو حرف يزيد على معناه أو ينقص عنه كيف وليس بالذرع وضعت الألفاظ على المعاني وإن اعتبرنا المعاني المستفادة من الجمل فكذلك وذلك أنه ليس هاهنا جملة من مبتدأ وخبر أو فعل وفاعل يحصل بها الإثبات أو النفي أتم أو أنقص مما يحصل بأخرى وإنما فضل اللفظ عن المعنى أن تريد الدلالة بمعنى على

معنى فتدخل في أثناء ذلك شيئا لا حاجة بالمعنى المدلول عليه إليه وكذلك السبيل ي السبك والطابع وأشباههما لا يحتمل شيء من ذلك أن يكون المراد به اللفظ من حيث هو لفظ فإن أردت الصدق فإنك لا ترى في الدنيا شأنا أعجب من شأن الناس مع اللفظ ولا فساد رأي مازج النفوس وخامرها واستحكم فيها وصار كإحدى طبائعها أغرب من فساد رأيهم في اللفظ فقد بلغ من ملكته لهم وقوته عليهم أن تركهم وكأنهم إذا نوظروا فيه أخذوا عن أنفسهم وغيبوا عن عقولهم وحيل بينهم

وبين أن يكون لهم فيما يسمعونه نظر ويرى لهم إيراد في الإصغاء وصدر فلست ترى إلا نفوسا قد جعلت ترك النظر دأبها ووصلت بالهوينا أسبابها فهي تغتر بالأضاليل وتتباعد عن التحصيل وتلقي بأيديها إلى الشبه وتسرع إلى القول المموه ولقد بلغ من قلة نظرهم أن قوما منهم لما رأوا الكتب المصنفة في اللغة قد شاع فيها أن توصف الألفاظ المفردة بالفصاحة ورأوا أبا العباس ثعلبا قد سمى كتابه الفصيح مع أنه لم يذكر فيه إلا اللغه والألفاظ المفردة وكان محالا إذا قيل إن الشمع بفتح

الميم أفصح من الشمع بإسكانه أن يكون ذلك من أجل المعنى إذ ليس تفيد الفتحة في الميم شيئا في الذي سمي به سبق إلى قلوبهم أن حكم الوصف بالفصاحة أينما كان وفي أي شيء كان أن لا يكون له مرجع إلى المعنى البتة وأن يكون وصفا للفظ في نفسه ومن حيث هو لفظ ونطق لسان ولم يعلموا أن المعنى في وصف الألفاظ المفردة بالفصاحة أنها في اللغة أثبت وفي استعمال الفصحاء أكثر أو أنها أجرى على مقاييس اللغة والقوانين التي وضعوها وأن الذي هو معنى

الفصاحة في أصل اللغة هو الإبانة عن المعنى بدلالة قولهم فصيح

وأعجم أفصح الأعجمي وفصح اللحان وأفصح الرجل بكذا إذا صرح به وأنه لو كان وصفهم هو لها من حيث هي ألفاظ ونطق لسان لوجب إذا وجدت كلمة يقال إنها فصيحة على صفة في اللفظ أن لا توجد كلمة على تلك الصفة إلا وجب لها أن تكون فصيحة وحتى يجب إذا كان فقهت الحديث بالكسر أفصح منه بالفتح أن يكون سبيل كل فعل مثله في الزنة أن يكون الكسر فيه أفصح من الفتح ثم إن فيما أودعه ثعلب كتابه ما هو أفصح من أجل أن لم

يكن فيه حرف كان فيما جعله أفصح منه مثل إن وقفت افصح من أوقفت أفترى أنه حدث في الواو والقاف والفاء بأن لم يكن معها الهمزة فضيلة وجب لها أن تكون أفصح وكفى برأي هذا مؤداه تهافتا وخطلا وجملة الأمر أنه لا بد لقولنا الفصاحة من معنى يعرف فإن كان ذلك المعنى وصفا في ألفاظ الكلمات المفردة فينبغي أن يشار لنا إليه وتوضع اليد عليه ومن أبين ما يدل على قلة نظرهم أنه لا شبهة على من نظر في كتاب تذكر فيه الفصاحة أن الاستعارة

عنوان ما يجعل به اللفظ فصيحا وأن المجاز جملته والإيجاز من معظم ما يوجب للفظ الفصاحة وأنت تراهم يذكرون ذلك ويعتمدونه ثم يذهب عنهم أن إيجابهم الفصاحة للفظ بهذه المعاني اعتراف بصحة ما نحن ندعوهم إلى القول به من أنه يكون فصيحا لمعناه أما الاستعارة فإنهم إن أغفلوا فيها الذي قلناه من أن المستعار بالحقيقة يكون معنى اللفظ واللفظ تبع من حيث إنا لا نقول رأيت أسدا ونحن نعني رجلا إلا على أنا ندعي أنا رأينا أسدا بالحقيقة من حيث نجعله لا يتميز عن الأسد

في بأسه وبطشه وجراءة قلبه فإنهم على كل حال لا يستطيعون أن يجعلوا الاستعارة وصفا للفظ من حيث هو لفظ مع أن اعتقادهم أنك إذا قلت رأيت أسدا كنت نقلت اسم الأسد إلى الرجل أو جعلته هكذا غفلا ساذجا في معنى شجاع أفترى أن لفظ الأسد لما نقل عن السبع إلى الرجل المشبه به أحدث هذا النقل في أجراس حروفه ومذاقتها وصفا صار بذلك الوصف فصيحا ثم إن من الاستعارة قبيلا لا يصح أن يكون المستعار فيه اللفظ البتة ولا يصح أن تقع الاستعارة فيه

إلا على المعنى وذلك ما كان مثل اليد في قول لبيد الكامل