فصل في الألفاظ المفردة والوضع والنظم
وإذا ثبت أن الجملة إذا بني عليها حصل منها ومن الذي بني عليها في الكثير معنى يجب فيه أن ينسب إلى واحد مخصوص فإن ذلك يقتضي لا محالة أن يكون الخبر في نفسه معنى هو غير المخبر به والمخبر عنه ذاك لعلمنا باستحالة أن يكون للمعنى المخبر به نسبة إلى المخبر وأن يكون المستنبط والمستخرج والمستعان على تصويره بالفكر فليس يشك عاقل أنه محال أن يكون للحمل في قوله وما حملت أم امرىء في ضلوعها نسبة إلى الفرزدق وأن يكون الفكر منه كان فيه نفسه
وأن يكون معناه الذي قيل إنه استنبطه واستخرجه وغاص عليه وهكذا السبيل أبدا لا يتصور أن يكون للمعنى المخبر به نسبة إلى الشاعر وأن يبلغ من أمره أن يصير خاصا به فاعرفه ومن الدليل القاطع فيه ما يبناه في الكناية والاستعارة والتمثيل وشرحناه من أن من شأن هذه الأجناس أن توجب الحسن والمزية وأن المعاني تتصور من أجلها بالصور المختلفة
وأن العلم بإيجابها ذلك ثابت في العقول ومركوز في غرائز النفوس وبينا كذلك أنه محال أن تكون المزايا التي تحدث بها حادثة في المعنى المخبر به المثبت أو المنفي لعلمنا باستحالة أن تكون المزية التي تجدها لقولنا هو طويل النجاد علىقولنا طويل القامة في الطول والتي تجدها لقولنا هو كثير رماد القدر على قولنا هو كثير القرى والضيفاة في كثرة القرى وإذا كان ذلك محالا ثبت أن المزية والحسن يكونان في إثبات ما يراد أن يوصف به المذكور والإخبار به عنه وإذا ثبت ذلك ثبت
أن الإثبات معنى لأن حصول المزية والحسن فيما ليس بمعنى محال بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي وعليه اعتمادي اعلم أن هاهنا أصلا أنت ترى الناس فيه في صورة من يعرف من جانب وينكر من آخر وهو أن الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة لم توضع لتعرف معانيها في أنفسها ولكن لأن يضم بعضها إلى بعض فيعرف فيما بينها فوائد وهذا علم شريف وأصل عظيم والدليل على ذلك أنا إن زعمنا أن الألفاظ التي هي أوضاع اللغة إنما وضعت ليعرف بها معانيها في أنفسها لأدى
ذلك إلى ما لا يشك عاقل في استحالته وهو أن يكونوا قد وضعوا للأجناس الأسماء التي وضعوها لها لتعرفها بها حتى كأنهم لو لم يكونوا قالوا رجل وفرس ودار لما كان يكون لنا علم بمعانيها وحتى لو لم يكونوا قالوا فعل ويفعل لما كنا نعرف الخبر في نفسه ومن أصله ولو لم يكونوا قد قالوا افعل لما كنا نعرف الأمر من أصله ولا نجده في نفوسنا وحتى لو لم يكونوا قد وضعوا الحروف لكنا نجهل معانيها فلا نعقل نفيا ولا نهيا ولا استفهاما ولا استثناء
وكيف والمواضعة لا تكون ولا تتصور إلا على معلوم فمحال أن يوضع اسم أو غير اسم لغير معلوم ولأن المواضعة كالإشارة فكما أنك إذا قلت خذ ذاك لم تكن هذه الإشارة لتعرف السامع المشار إليه في نفسه ولكن ليعلم أنه المقصود من بين سائر الأشياء التي تراها وتبصرها كذلك حكم اللفظ مع ما وضع له ومن هذا الذي يشك أنا لم نعرف الرجل والفرس والضرب والقتل إلا من أساميها لو كان لذلك مساغ في العقل لكان ينبغي إذا قيل زيد أن تعرف المسمى بهذا الاسم
من غير أن تكون قد شاهدته أو ذكر لك بصفة وإذا قلنا في العلم واللغات من مبتدأ الأمر إنه كان إلهاما فإن الإلهام في ذلك إنما يكون بين شيئين يكون أحدهما مثبتا والآخر مثبتا له أو يكون أحدهما منفيا والآخر منفيا عنه
وأنه لا يتصور مثبت من غير مثبت له ومنفي من غير منفي عنه فلما كان الأمر كذلك أوجب ذلك أن لا يعقل إلا من مجموع جملة فعل واسم كقولنا خرج زيد أو اسم واسم كقولنا زيد خارج فما عقلناه منه وهو نسبة الخروج إلى زيد لا يرجع إلى معاني اللغات ولكن إلى كون ألفاظ اللغات سمات لذلك المعنى وكونها مرادة بها أفلا ترى إلى قوله تعالى وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين أفترى أنه قيل لهم
أنبئوني بأسماء هؤلاء وهم لا يعرفون المشار إليهم بهؤلاء ثم إنا إذا نظرنا في المعاني التي يصفها العقلاء بأنها معان مستنبطة ولطائف مستخرجة ويجعلون لها اختصاصا بقائل دون قائل كمثل قولهم في معان من الشعر إنه معنى لم يسبق إليه فلان وإنه الذي فطن له واستخرجه وإنه الذي غاص عليه بفكره وإنه أبو عذره لم تجد تلك المعاني في الأمر الأعم شيئا غير الخبر الذي هو إثبات المعنى للشيء ونفيه عنه يدلك على ذلك أنا لا ننظر إلى شيء من المعاني الغريبة التي تختص بقائل
دون قائل إلا وجدت الأصل فيه والأساس الإثبات والنفي وإن أردت في ذلك مثالا فانظر إلى يبت الفرزدق الطويل وما حملت أم امرىء في ضلوعها أعق من الجاني عليها هجائيا فإنك إذا نظرت لم تشك في الأصل والأساس هو قوله وما حملت أم امرىء وأن ما جاوز ذلك من الكلمات إلى آخر البيت مستند إليه ومبني عليه وأنك إن رفعته لم تجد لشيء منها بيانا ولا رأيت لذكرها معنى بل ترى ذكرك لها إن ذكرتها هذيانا والسبب الذي من أجله كان كذلك أن من حكم
كل ما عدا جزءي الجملة الفعل والفاعل والمبتدأ والخبر أن يكون تحقيقا للمعنى المثبت والمنفي فقوله في ضلوعها يفيد أولا أنه لم يرد نفي الحمل على الإطلاق ولكن الحمل في الضلوع وقوله أعق يفيد أنه لم يرد هذا الحمل الذي هو حمل في الضلوع أيضا على الإطلاق ولكن حملا في الضلوع محموله أعق من الجاني عليها هجاءه وإذا كان ذلك كله تخصيصا للحمل لم يتصور أن يعقل من دون أن يعقل نفي الحمل لأنه لا يتصور تخصيص شيء لم يدخل في نفي ولا إثبات ولا
ما كان في سبيلهما من الأمر به والنهي عنه والاستخبار عنه
وإذ قد ثبت أن الخبر وسائر معاني الكلام معان ينشئها الإنسان في نفسه ويصرفها في فكره ويناجي بها قلبه ويراجع فيها لبه فاعلم أن الفائدة في العلم بها واقعة من المنشىء لها صادرة عن القاصد إليها وإذا قلت في الفعل إنه موضوع للخبر لم يكن المعنى فيه أنه موضوع لأن يعلم به الخبر في نفسه وجنسه ومن أصله وما هو ولكن المعنى أنه موضوع حتى إذا ضممته إلى اسم عقل منه ومن الاسم أن الحكم بالمعنى الذي اشتق ذلك الفعل منه على مسمى ذلك الاسم
واقع منك أيها المتكلم
بسم الله الرحمن الرحيم