الجزء الخامس من النص الرقمي لكتاب دلائل الإعجاز؛ يعرض مسائل النظم والمعاني والصياغة والشواهد الأدبية. هذا مجلد من عمل متعدد الأجزاء، وتتوفر بقية المجلدات في المكتبة.
دلائل الإعجاز - الجزء الخامس
< دلائل الإعجاز
وتأبى الطباع على الناقل مزية على الذي يعقل من قولهم الطبع لا يتغير ولا يستطيع أن يخرج الإنسان عما جبل عليه وأن لا يرى لقول أبي نواس السريع وليس لله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد مزية على أن يقال غير بديع في قدرة الله تعالى أن يجمع فضائل الخلق كلهم في رجل واحد ومن أداه قول يقول إلى مثل هذا كان الكلام معه محالا وكنت إذا كلفته أن يعرف كمن يكلف أن يميز بحور الشعر بعضها من بعض فيعرف المديد الطويل والبسيط السريع من
ليس له ذوق يقيم به الشعر من أصله وإن اعترف بأن ذلك يكون قلنا له أخبرنا عنك أتقول في قوله وتأبى الطباع على الناقل إنه غاية في الفصاحة فإذا قال نعم قيل له أو كان كذلك عندك من أجل حروفه أم من أجل حسن ومزية حصلا في المعنى فإن قال من أجل حروفه دخل في الهذيان وإن قال من أجل حسن ومزية حصلا في المعنى قيل له فذاك ما أردناك عليه حين قلنا إن اللفظ يكون فصيحا من أجل مزية تقع في معناه لا من
أجل جرسه وصداه واعلم أن ليس شيء أيبن وأوضح وأحرى أن يكشف الشبهة عن متأمله في صحة ما قلناه من التشبيه فإنك تقول زيد كالأسد أو شبيه بالأسد فتجد ذلك كله تشبيها غفلا ساذجا ثم تقول كأن زيدا الأسد فيكون تشبيها أيضا
إلا أنك ترى بينه وبين الأول بونا بعيدا لأنك ترى له صورة خاصة وتجدك قد فخمت المعنى وزدت فيه بأن أفدت أنه من الشجاعة وشدة البطش وأن قلبه قلب لا يخامره الذعر ولا يدخله الروع بحيث يتوهم أنه الأسد بعينه ثم تقول لئن لقيته ليلقينك منه الأسد فتجده قد أفاد هذه المبالغة ولكن في صورة أحسن وصفة أخص وذلك أنك تجعله في كأن يتوهم أنه الأسد وتجعله هاهنا يرى منه الأسد على القطع فيخرج الأمر على حد التوهم إلى حد اليقين ثم إن نظرت إلى
قوله الطويل أأن أرعشت كفا أبيك وأصبحت يداك يدي ليث فإنك غالبه وجدته قد بدا لك في صورة آنق وأحسن ثم إن نظرت إلى قول أرطاة بن سهية البسيط إن تلقني لا ترى غيري بناظرة تنس السلاح وتعرف جبهة الأسد وجدته قد فضل الجميع ورأيته قد أخرج في صورة غير تلك الصور كلها واعلم أن من الباطل والمحال ما يعلم الإنسان بطلانه واستحالته بالرجوع إلى النفس حتى لا يشك ثم إنه إذا أراد بيان ما يجد في نفسه والدلالة عليه رأى المسلك إليه يغمض ويدق
وهذه الشبهة أعني قولهم إنه لو كان يجوز أن يكون الأمر على خلاف ما قالوه من أن الفصاحة وصف للفظ من حيث هو لفظ لكان ينبغي أن لا يكون للبيت من الشعر فضل على تفسير المفسر إلى آخره من ذاك وقد علقت لذلك بالنفوس وقويت فيها حتى إنك لا تلقي إلى أحد من المتعلقين بأمر اللفظ كلمة مما نحن فيه إلا كان هذا أول كلامه وإلا عجب
وقال إن التفسير بيان للمفسر فلا يجوز أن يبقى من معنى المفسر شيء لا يؤديه التفسير ولا يأتي عليه لأن في تجويز ذلك القول بالمحال وهو أن لا يزال يبقى من معنى المفسر شيء لا يكون إلى العلم به سبيل وإذا كان الأمر كذلك ثبت أن الصحيح من أنه لا يجوز أن يكون للفظ المفسر فضل من حيث المعنى على لفظ التفسير وإذا لم يجز أن يكون الفضل من حيث المعنى لم يبق إلا أن يكون من حيث اللفظ نفسه فهذا جملة ما يمكنهم أن
يقولوه في نصرة هذه الشبهة قد استقصيته لك وإذ قد عرفته فاسمع الجواب وإلى الله تعالى الرغبة في التوفيق للصواب اعلم أن قولهم إن التفسير يجب أن يكون كالمفسر دعوى لا تصح لهم إلا من بعد أن ينكروا الذي بيناه من أن من شأن المعاني أن تختلف بها الصور ويدفعوه أصلا حتى يدعوا أنه لا فرق بين الكناية والتصريح وأن حال المعنى مع الاستعارة كحاله مع ترك الاستعارة وحتى يطلبوا ما أطبق عليه العقلاء من أن المجاز يكون أبدا أبلغ من الحقيقة فيزعموا أن قولنا
طويل النجاد وطويل القامة واحد وأن حال المعنى في بيت ابن هرمة المنسرح ولا أبتاع إلا قريبة الأجل كحاله في قولك أنا مضياف وأنك إذا قلت رأيت أسدا لم يكن الأمر أقوى من أن تقول رأيت رجلا هو من الشجاعة بحيث لا ينقص عن الأسد ولم تكن قد زدت في المعنى بأن ادعيت له أنه أسد بالحقيقة ولا بالغت فيه وحتى يزعموا أنه لا فضل ولا مزية لقوله ألقيت حبله على غاربه على قولك في تفسيره خليته وما يريد وتركته يفعل ما يشاء وحتى لا
يجعلوا للمعنى في قوله تعالى وأشربوا في قلوبهم العجل مزية على أن يقال اشتدت محبتهم للعجل وغلبت على قلوبهم وأن تكون صورة المعنى في قوله عز وجل واشتعل الرأس شيبا صورته في قول من يقول وشاب رأسي كله وابيض رأسي كله وحتى لا يروا فرقا بين قوله تعالى فما ربحت تجارتهم وبين فما ربحوا في تجارتهم وحتى يرتكبوا جميع ما أريناك الشناعة فيه من أن لا يكون فرق بين قول المتنبي وتأبى الطباع على الناقل وبين قولهم إنك لا تقدر أن تغير طباع الإنسان ويجعلوا
حال المعنى في قول أبي نواس وليس لله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد كحاله في قولنا إنه ليس ببديع في قدرة الله أن يجمع فضائل الخلق كلهم في واحد ويرتكبوا ذلك في الكلام كله حتى يزعموا أنا إذا قلنا في قوله تعالى ولكم في القصاص حياة أن المعنى فيها أنه لما كان الإنسان إذا هم بقتل آخر لشيء غاظه منه فذكر أنه إن قتله قتل ارتدع صار المهموم بقتله كأنه قد استفاد حياة فيما يستقبل بالقصاص كما قد أدينا المعنى في تفسيرنا هذا على
صورته التي هو عليها في الآية حتى لا نعرف فضلا وحتى يكون حال الآية والتفسير حال اللفظتين إحداهما غريبة والأخرى مشهورة فتفسر الغريبة بالمشهورة مثل أن تقول مثلا في الشرجب إنه الطويل وفي القط إنه الكتاب وفي الدسر إنه المسامير ومن صار الأمر به إلى هذا كان الكلام معه محالا واعلم أنه ليس عجيب أعجب من حال من يرى كلامين أجزاء أحدهما مخالفة في معانيها لأجزاء الآخر ثم يرى أنه يسع في العقل أن يكون معنى أحد الكلامين مثل معنى الآخر سواء حتى يتصدى فيقول
إنه لو كان يكون الكلام فصيحا من أجل مزية تكون في معناه لكان ينبغي أن توجد تلك المزية في تفسيره ومثله في العجب أنه ينظر إلى قوله تعالى فما ربحت تجارتهم فيرى إعراب الاسم الذي هو التجارة قد تغير فصار مرفوعا بعد أن كان مجرورا ويرى أنه قد حذف من اللفظ بعض ما كان فيه وهو الواو في ربحوا وفي من قولنا في تجارتهم ثم لا نعلم أن ذلك يقتضي أن يكون المعنى قد تغير كما تغير اللفظ واعلم أنه ليس للحجج والدلائل في صحة
ما نحن عليه حد ونهاية وكلما انتهى منه باب انفتح فيه باب آخر وقد أردت أن آخذ في نوع آخر من الحجاج ومن البسط والشرح فتأمل ما أكتبه لك اعلم أن الكلام الفصيح ينقسم قسمين قسم تعزى المزية والحسن فيه إلى اللفظ وقسم يعزى ذلك فيه إلى النظم فالقسم الأول الكناية والاستعارة والتمثيل الكائن على حد الاستعارة وكل ما كان فيه على الجملة مجاز واتساع وعدول باللفظ عن الظاهر فما من ضرب من هذه الضروب إلا وهو إذا وقع على الصواب وعلى ما ينبغي أوجب
الفضل والمزية فإذا قلت هو كثير رماد القدر كان له موقع وحظ من القبول لا يكون إذا قلت هو كثير القرى والضيافة وكذا إذا قلت هو طويل النجاد كان له تأثير في النفس لا يكون إذا قلت هو طويل القامة وكذا إذا قلت رأيت أسدا كان له مزية لا تكون إذا قلت رأيت رجلا يشبه الأسد ويساويه في الشجاعة وكذلك إذا قلت أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى كان له موقع لا يكون إذا قلت أراك تتردد في الذي دعوتك إليه كمن يقول أخرج ولا أخرج
فيقدم رجلا ويؤخر أخرى وكذلك إذا قلت ألقى حبله على غاربه كان له مأخذ من القلب لا يكون إذا قلت هو كالبعير الذي يلقى حبله على غاربه حتى يرعى كيف يشاء ويذهب حيث يريد لا يجهل المزية فيه إلا عديم الحس ميت النفس وإلا من لا يكلم لأنه من مبادي المعرفة التي من عدمها لم يكن للكلام معه معنى وإذ قد عرفت هذه الجملة فينبغي أن تنظر إلى هذه المعاني واحدا واحدا وتعرف محصولها وحقائقهاوأن تنظر أولا إلى الكناية وإذا نظرت إليها وجدت حقيقتها ومحصول
أمرها أنها إثبات لمعنى أنت تعرف ذلك المعنى من طريق المعقول دون طريق اللفظ ألا ترى أنك لما نظرت إلى قولهم هو كثر رماد القدر وعرفت منه أنهم أرادوا أنه كثير القرى والضيافة لم تعرف ذلك من اللفظ ولكنك عرفته بأن رجعت إلى نفسك فقلت إنه كلام قد جاء عنهم في المدح ولا معنى للمدح بكثرة الرماد فليس إلا أنهم أرادوا أن يدلوا بكثرة الرماد على أنه تنصب له القدور الكثيرة ويطبخ فيها للقرى والضيافة وذلك لأنه إذا كثر الطبخ في القدور كثر إحراق الحطب
تحتها وإذا كثر إحراق الحطب كثر الرماد لا محالة وهكذا السبيل في كل ما كان كناية فليس من لفظ الشعر عرفت أن ابن هرمة أراد بقوله ولا أبتاع إلا قريبة الأجل التمدح بأنه مضياف ولكنك عرفته بالنظر اللطيف وبأن علمت أنه لا معنى للتمدح بظاهر ما يدل عليه اللفظ من قرب أجل ما يشتريه فطلبت له تأويلا فعلمت أنه أراد أن يشتري ما يشتريه للأضياف فإذا اشترى شاة أو بعيرا كان قد اشترى ما قد دنا أجله لأنه يذبح وينحر عن قريب وإذ قد عرفت
هذا في الكناية فالاستعارة في هذه القضية وذاك أن موضوعها على أنك تثبت بها معنى لا يعرف السامع ذلك المعنى من اللفظ ولكنه يعرفه من معنى اللفظ بيان هذا أنا نعلم أنك لا تقول رأيت أسدا إلا وغرضك أن تثبت للرجل أنه مساو للأسد في شجاعته وجرأته وشدة بطشه وإقدامه وفي أن الذعر لا يخامره والخوف لا يعرض له ثم تعلم أن السامع إذا عقل هذا المعنى لم يعقله من لفظ أسد ولكنه يعقله من معناه وهو أنه يعلم أنه لا معنى لجعله أسدا مع
العلم بأنه رجل إلا أنك أردت أنه بلغ من شدة مشابهته للأسد ومساواته إياه مبلغا يتوهم معه أنه أسد بالحقيقة فاعرف هذه الجملة وأحسن تأملها واعلم أنك ترى الناس وكأنهم يرون أنك إذا قلت رأيت أسدا وأنت تريد التشبيه كنت نقلت لفظ أسد عما وضع له في اللغة واستعملته في معنى غير معناه حتى كأن ليس الاستعارة إلا أن تعمد إلى اسم الشيء فتجعله اسما لشبيهه وحتى كأن لا فصل بين الاستعارة وبين تسمية المطر سماء والنبت غيثا والمزادة راوية وأشباه ذلك مما يوقع فيه
اسم الشيء على ما هو منه بسبب ويذهبون عما هو مركوز في الطباع من أن المعنى فيها المبالغة وأن يدعى في الرجل أنه ليس برجل ولكنه أسد بالحقيقة وأنه إنما يعار اللفظ من بعد أن يعار المعنى وأنه لا يشرك في اسم الأسد إلا من بعد أن يدخل في جنس الأسد لا ترى أحدا يعقل إلا وهو يعرف ذلك إذا رجع إلى نفسه أدنى رجوع ومن أجل أن كان الأمر كذلك رأيت العقلاء كلهم يثبتون القول بأن من شأن الاستعارة أن تكون أبدا أبلغ من



