ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 10 من 14

دلائل الإعجاز — الجزء الخامس

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 10 من 141,778 كلمة في هذا الجزء

أقدارها العلماء وصنفوا فيها الكتب ووكلوا بها الهمم وصرفوا إليها الخواطر حتى صار الكلام فيها نوعا من العلم مفردا وصناعة على حدة ولم يتعاط أحد من الناس القول في الإعجاز إلا ذكرها وجعلها العمد والأركان فيما يوجب الفضل والمزية وخصوصا الاستعارة والإيجاز فإنك تراهم يجعلونهما عنوان ما يذكرون وأول ما يوردون وتراهم يذكرون من الاستعارة قوله عز وجل واشتعل الرأس شيبا وقوله وأشربوا في قلوبهم العجل وقوله عز وجل وآية لهم الليل نسلخ منه النهار وقوله عز وجل فاصدع بما تؤمر وقوله فلما استيأسوا منه

خلصوا نجيا وقوله تعالى حتى تضع الحرب أوزارها وقوله فما ربحت تجارتهم ومن الإيجاز قوله تعالى وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء وقوله تعالى ولا ينبئك مثل خبير وقوله فشرد بهم من خلفهم وتراهم على لسان واحد في أن المجاز والإيجاز من الأركان في أمر الإعجاز وإذا كان الأمر كذلك عند كافة العلماء الذين تكلموا في المزايا التي للقرآن فينبغي أن ينظر في أمر الذي يسلم نفسه إلى الغرور فيزعم أن الوصف الذي كان له القرآن معجزا هو سلامة حروفه مما يثقل

على اللسان أيصح له القول بذلك إلا من بعد أن يدعي الغلط على العقلاء قاطبة فيما قالوه والخطأ فيما أجمعوا عليه وإذا نظرنا وجدناه لا يصح له ذلك إلا بأن يقتحم هذه الجهالة اللهم إلا أن يخرج إلى الضحكة فيزعم مثلا أن من شأن الاستعارة والإيجاز إذا دخلا الكلام أن يحدث بهما في حروفه خفة ويتجدد فيها سهولة ونسأل الله تعالى العصمة والتوفيق واعلم أنا لا نأبى أن تكون مذاقة الحروف وسلامتها مما يثقل على اللسان داخلا فيما يوجب الفضيلة وأن تكون مما يؤكد أمر

الإعجاز وإنما الذي ننكره ونفيل رأي من يذهب إليه أن يجعله معجزا به وحده ويجعله الأصل والعمدة فيخرج إلى ما ذكرنا من الشناعات ثم إن العجب كل العجب ممن يجعل كل الفضيلة في شيء هو إذا انفرد لم يجب به فضل البتة ولم يدخل في اعتداد بحال وذلك أنه لا يخفى على عاقل أنه لا يكون بسهولة الألفاظ وسلامتها مما يثقل على اللسان اعتداد حتى يكون قد ألف منها كلام ثم كان ذلك الكلام صحيحا في نظمه والغرض الذي أريد به وأنه لو عمد عامد

إلى ألفاظ فجمعها من غير أن يراعي فيها معنى ويؤلف منها كلاما لم تر عاقلا يعتد السهولة فيها فضيلة لأن الألفاظ لا تراد لأنفسها وإنما تراد لتجعل أدلة على المعاني فإذا عدمت الذي له تراد أو اختل أمرها فيه لم يعتد بالأوصاف التي تكون في أنفسها عليها وكانت السهولة وغير السهولة فيها واحدا ومن هاهنا رأيت العلماء يذمون من يحمله تطلب السجع والتجنيس على أن يضم لهما المعنى ويدخل الخلل عليه من أجلهما وعلى أن يتعسف في الاستعارة بسببهما ويركب الوعورة ويسلك المسالك المجهولة كالذي

صنع أبو تمام في قوله البسيط

سيف الإمام الذي سمته هيبته لما تخرم أهل الأرض مخترما قرت بقران عين الدين وانتشرت بالأشترين عيون الشرك فاصطلما وقوله الكامل ذهبت بمذهبه السماحة والتوت فيه الظنون أمذهب أم مذهب ويصنعه المتكلفون في الأسجاع وذلك أنه لا يتصور أن يجب بهما ومن حيث هما فضل ويقع بهما مع الخلو من المعنى اعتداد وإذا نظرت إلى تجنيس أبي تمام أمذهب أم مذهب فاستضعفته وإلى تجنيس القائل البسيط حتى نجا من خوفه وما نجا وقول المحدث الخفيف ناظراه فيما جنى ناظراه أو دعاني أمت بما أودعاني فاستحسنته

لم تشك بحال أن ذلك لم يكن لأمر يرجع إلى اللفظ ولكن لأنك رأيت الفائدة ضعفت في الأول وقويت في الثاني وذلك أنك رأيت أبا تمام لم يزدك ب مذهب ومذهب على أن أسمعك حروفا مكررة لا تجد لها فائدة إن وجدت إلا متكلفة متمحلة ورأيت الآخر قد أعاد عليك اللفظة كأنه يخدعك عن الفائدة وقد أعطاها ويوهمك أنه لم يزدك وقد أحسن الزيادة ووفاها ولهذه النكتة

كان التجنيس وخصوصا المستوفى منه مثل نجا ونجا من حلي الشعر والقول فيما يحسن وفيما لا يحسن من التجنيس والسجع يطول ولم يكن غرضنا من ذكرهما شرح أمرهما ولكن توكيد ما انتهى بنا القول إليه من استحالة أن يكون الإعجاز في مجرد السهولة وسلامة الألفاظ مما يثقل على اللسان وجملة الأمر أنا ما رأينا في الدنيا عاقلا اطرح النظم والمحاسن التي هو السبب فيها في الاستعارة والكناية والتمثيل وضروب المجاز والإيجاز وصد بوجهه عن جميعها وجعل الفضل كله والمزية أجمعها في سلامة الحروف مما يثقل

كيف وهو يؤدي إلى السخف والخروج من العقل كما بينا واعلم أنه قد آن لنا أن نعود إلى ما هو الأمر الأعظم والغرض الأهم والذي كأنه هو الطلبة وكل ما عداه ذرائع إليه وهو المرام وما سواه أسباب للتسلق عليه وهو بيان العلل التي لها وجب أن يكون لنظم مزية على نظم وأن يعم أمر التفاضل فيه ويتناهى إلى الغايات البعيدة ونحن نسأل الله تعالى العون على ذلك والتوفيق له والهداية إليه

بسم الله الرحمن الرحيم

فصل في أهمية السياق للمعنى

ما أظن بك أيها القارىء لكتابنا إن كنت وفيته حقه من النظر وتدبرته حق التدبر إلا أنك قد علمت علما أبى أن يكون للشك فيه نصيب وللتوقف نحوك مذهب أن ليس النظم شيئا إلا توخي معاني النحو وأحكامه ووجوهه وفروقه فيما بين معاني الكلم وأنك قد تبينت أنه إذا رفع معاني النحو وأحكامه مما بين الكلم حتى لا تراد فيها في جملة ولا تفصيل خرجت الكلم المنطوق ببعضها في أثر بعض في البيت من الشعر

والفصل من النثر عن أن يكون لكونها في مواضعها التي وضعت فيها موجب ومقتض وعن أن يتصور أن يقال في كلمة منها إنها مرتبطة بصاحبة لها ومتعلقة بها وكائنة بسبب منها وأن حسن تصورك لذلك قد ثبت فيه قدمك وملأ من الثقة نفسك وباعدك من أن تحن إلى الذي كنت عليه وأن يجرك الإلف والاعتياد إليه وأنك جعلت ما قلناه نقشا في صدرك وأثبته في سويداء قلبك وصادقت بينه وبين نفسك فإن كان الأمر كما ظنناه رجونا أن يصادف الذي نريد أن نستأنفه بعون الله

تعالى منك نية حسنة تقيك الملل ورغبة صادقة تدفع عنك السأم وأريحية يخف معها عليك تعب الفكر وكد النظر والله تعالى ولي توفيقك وتوفيقنا بمنه وفضله

ونبدأ فنقول فإذا ثبت الآن أن لا شك ولا مرية في أن ليس النظم شيئا غير توخي معاني النحو وأحكامه فيما يبن معاني الكلم ثبت من ذلك أن طالب دليل الإعجاز من نظم القرآن إذا هو لم يطلبه في معاني النحو وأحكامه ووجوهه وفروقه ولم يعلم أنها معدنه ومعانه وموضعه ومكانه وأنه لا مستنبط له سواها وأن لا وجه لطلبه فيما عداها غار نفسه بالكاذب من الطمع ومسلم لها إلى الخدع وأنه إن أبى أن يكون فيها كان قد أبى أن يكون القرآن معجزا بنظمه

ولزمه أن يثبت شيئا آخر يكون معجزا به وأن يلحق بأصحاب الصرفة فيدفع الإعجاز من أصله وهذا تقرير لا يدفعه إلا معاند يعد الرجوع عن باطل قد اعتقده عجزا والثبات عليه من بعد لزوم الحجة جلدا ومن وضع نفسه في هذه المنزلة كان قد باعدها من الإنسانية ونسأل الله تعالى العصمة والتوفيق وهذه أصول يحتاج إلى معرفتها قبل الذي عمدنا به اعلم أن معاني الكلام كلها معان لا تتصور إلا فيما بين شيئين والأصل والأول هو الخبر وإذا أحكمت العلم بهذا المعنى فيه عرفته في

الجميع ومن الثابت في العقول والقائم في النفوس أنه لا يكون خبر حتى يكون مخبر به ومخبر عنه لأنه ينقسم إلى إثبات ونفي والإثبات يقتضي مثبتا ومثبتا له والنفي يقتضي منفيا ومنفيا عنه فلو حاولت أن يتصور إثبات معنى أو نفيه من دون أن يكون هناك مثبت له ومنفي عنه حاولت ما لا يصح في عقل

ولا يقع في وهم ومن أجل ذلك امتنع أن يكون لك قصد إلى شيء مظهر أو مقدر مضمر وكان لفظك به إذا أنت لم ترد ذلك وصوت تصوته سواء وإن أردت أن تستحكم معرفة ذلك في نفسك فانظر إليك إذا قيل لك ما فعل زيد فقلت خرج هل يتصور أن يقع في خلدك من خرج معنى من دون أن تنوي فيه ضمير زيد وهل تكون إن أنت زعمت أنك لم تنو ذلك إلا مخرجا نفسك إلا الهذيان وكذلك فانظر إذا قيل لك كيف زيد فقلت

صالح هل يكون لقولك صالح أثر في نفسك من دون أن تريد هو صالح أم هل يعقل السامع منه شيئا إن هو لم يعتقد ذلك فإنه مما لا يبقى معه لعاقل شك أن الخبر معنى لا يتصور إلا بين شيئين يكون أحدهما مثبتا والآخر مثبتا له أو يكون أحدهما منفيا والآخر منفيا عنه وأنه لا يتصور مثبت من غير مثبت له ومنفي من دون منفي عنه ولما كان الأمر كذلك أوجب ذلك أن لا يعقل إلا من مجموع جملة فعل واسم كقولنا خرج زيد أو

اسم واسم كقولنا زيد منطلق فليس في الدنيا خبر يعرف من غير هذا السبيل وبغير هذا الدليل وهو شيء يعرفه العقلاء في كل جيل وأمة وحكم يجري عليه الأمر في كل لسان ولغة وإذ قد عرفت أنه لا يتصور الخبر إلا فيما بين شيئين مخبر به ومخبر عنه فينبغي أن يعلم أنه يحتاج من بعد هذين إلى ثالث وذلك أنه كما لا يتصور أن يكون هاهنا خبر حتى يكون مخبر به ومخبر عنه كذلك لا يتصور أن يكون خبر حتى يكون له مخبر يصدر عنه

ويحصل من جهته ويكون له نسبة إليه وتعود التبعة فيه عليه فيكون هو الموصوف بالصدق إن كان صدقا وبالكذب إن كان كذبا

أفلا ترى أن من المعلوم أنه لا يكون إثبات ونفي حتى يكون مثبت وناف يكون مصدرهما من جهته ويكون هو المزجي لهما والمبرم والناقض فيهما ويكون بهما موافقا ومخالفا ومصيبا ومخطئا ومحسنا ومسيئا وجملة الأمر أن الخبر وجميع الكلام معان ينشئها الإنسان في نفسه ويصرفها في فكره ويناجي بها قلبه ويراجع فيها عقله وتوصف بأنها مقاصد وأغراض وأعظمها شأنا الخبر فهو الذي يتصور بالصور الكثيرة وتقع فيه الصناعات العجيبة وفيه يكون في الأمر الأعم المزايا التي بها يقع التفاضل في الفصاحة كما شرحنا فيما تقدم

ونشرحه فيما نقول من بعد إن شاء الله تعالى واعلم أنك إذا فتشت أصحاب اللفظ عما في نفوسهم وجدتهم قد توهموا في الخبر أنه صفة للفظ وأن المعنى في كونه إثباتا أنه لفظ يدل على وجود المعنى من الشيء أو فيه وفي كونه نفيا أنه لفظ يدل على عدمه وانتفائه عن الشيء وهو شيء قد لزمهم وسرى في عروقهم وامتزج بطباعهم حتى صار الظن بأكثرهم أن القول لا ينجع فيهم والدليل على بطلان ما اعتقدوه أنه محال أن يكون اللفظ قد نصب دليلا على شيء

ثم لا يحصل منه العلم بذلك الشيء إذ لا معنى لكون الشيء دليلا إلا إفادته إياك العلم بما هو دليل عليه وإذا كان هذا كذلك علم منه أن ليس الأمر على ما قالوه من أن المعنى في وصفنا اللفظ بأنه خبر أنه قد وضع لأن يدل على وجود المعنى أو عدمه لأنه لو كان كذلك لكان ينبغي أن لا يقع من سامع شك في خبر يسمعه وأن لا تسمع الرجل يثبت وينفي إلا علمت وجود ما أثبت وانتفاء ما نفى وذلك مما لا يشك في

بطلانه وإذا لم يكن ذلك مما يشك في بطلانه وجب أن يعلم أن مدلول اللفظ ليس هو وجود المعنى أو عدمه ولكن الحكم بوجود المعنى أو عدمه وأن ذلك أي الحكم بوجود المعنى أو عدمه حقيقة الخبر إلا أنه إذا كان بوجود المعنى من الشيء أو فيه يسمى إثباتا وإذا كان بعدم المعنى وانتفائه عن الشيء يسمى نفيا ومن الدليل على فساد ما زعموه أنه لو كان معنى الإثبات الدلالة على وجود المعنى وإعلامه السامع أيضا لكان ينبغي إذا قال واحد زيد عالم وقال آخر