له فعلاته ويقول أبو تمام إذا لهجاني عنه معروفه عندي ومتى كان احتج وهجا واحدا في المعنى وكذلك الحكم في جميع ما ذكرناه فليس يتصور في نفس عاقل أن يكون قول البحتري وأحب آفاق البلاد إلى الفتى أرض ينال بها كريم المطلب وقول المتنبي وكل مكان ينبت العز طيب سواء واعلم أن قولنا الصورة إنما هو تمثيل وقياس لما نعلمه بعقولنا على الذي نراه بأبصارنا فلما رأينا البينونة بين آحاد الأجناس تكون من جهة الصورة فكان بين إنسان
من إنسان وفرس من فرس بخصوصية تكون في صورة هذا لا تكون في صورة ذاك وكذلك كان الأمر في المصنوعات فكان تبين خاتم من خاتم وسوار من سوار بذلك ثم وجدنا بين المعنى في أحد البيتين وبينه في الآخر بينونة في عقولنا وفرقا عبرنا عن ذلك الفرق وتلك البينونة بأن قلنا للمعنى في هذا صورة غير صورته في ذلك وليس العبارة عن ذلك بالصورة شيئا نحن ابتدأناه فينكره منكر بل هو مستعمل مشهور في كلام العلماء ويكفيك قول الجاحظ وإنما الشعر صناعة وضرب من التصوير
واعلم أنه لو كان المعنى في أحد البيتين يكون على هيئته وصفته في البيت الآخر وكان التالي من الشاعرين يجيئك به معادا على وجهه لم يحدث فيه شيئا ولم يغير له صفة لكان قول العلماء في شاعر إنه أخذ المعنى من صاحبه فأحسن وأجاد وفي آخر إنه أساء وقصر لغوا من القول من حيث كان محالا أن يحسن أو يسيء في شيء لا يصنع به شيئا وكذلك كان يكون جعلهم البيت نظيرا للبيت ومناسبا له خطأ منهم لأنه محال أن يناسب الشيء نفسه وأن يكون
نظيرا لنفسه وأمر ثالث وهو أنهم يقولون في واحد إنه أخذ المعنى فظهر أخذه وفي آخر إنه أخذه فأخفى أخذه ولو كان المعنى يكون معادا على صورته وهيئته وكان الآخذ له من صاحبه لا يصنع شيئا غير أن يبدل لفظا مكان لفظ لكان الإخفاء فيه محالا لأن اللفظ لا يخفى المعنى وإنما يخفيه إخراجه في صورة غير التي كان عليها مثال ذلك أن القاضي أبا الحسن ذكر فيما ذكر فيه تناسب المعاني بيت أبي نواس مجزوء الرمل حليت والحسن تأخذه تنتقي منه وتنتخب وبيت عبد
الله بن مصعب الوافر كأنك جئت محتكما عليهم تخير في الأبوة ما تشاء وذكر أنهما معا من بيت بشار الطويل
خلقت على ما في غير مخير هوايولو خيرت كنت المهذبا والأمر في تناسب هذه الثلاثة ظاهر ثم إنه ذكر أن أبا تمام قد تناوله فأخفاه وقال الوافر فلو صورت نفسك لم تزدها على ما فيك من كرم الطباع ومن العجب في ذلك ما تراه إذا أنت تأملت قول أبي العتاهية الكامل جزي البخيل علي صالحة عني لخفته على ظهري أعلى وأكرم عن يديه يدي فعلت ونزه قدره قدري ورزقت من جدواه عافية أن لا يضيق بشكره صدري وغنيت خلوا من تفضله أحنو عليه بأحسن العذر
ما فاتني خير امرىء وضعت عني يداه مؤونة الشكر ثم نظرت إلى قول الذي يقول المنسرح أعتقني سوء ما صنعت من الررق فيا بردها على كبدي فصرت عبدا للسوء فيك وما أحسن سوءا قبلي إلى أحد ومما هو في غاية الندرة من هذا الباب ما صنعه الجاحظ بقول نصيب الطويل ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
حين نثره فقال وكتب به إلى ابن الزيات نحن أعزك الله نسحر بالبيان ونموه بالقول والناس ينظرون إلى الحال ويقضون بالعيان فأثر في أمرنا أثرا ينطق إذا سكتنا فإن المدعي بغير بينة متعرض للتكذيب وهذه جملة من وصفهم للشعر وعمله وإدلالهم به أبو حية النمري الكامل إن القصائد قد علمن بأنني صنع اللسان بهن لا أتنحل وإذا ابتدأت عروض نسج ريض جعلت تذل لما أريد وتسهل حتى تطاوعني ولو يرتاضها غيري لحاول صعبة لا تقبل تميم بن مقبل الطويل إذا مت عن ذكر القوافي فلن
ترى لها قائلا بعدي أطب وأشعرا وأكثر بيتا سائرا ضربت له حزون جبال الشعر حتى تيسرا أغر غريبا يمسح الناس وجهه كما تمسح الأيدي الأغر المشهرا عدي بن الرقاع الكامل وقصيدة قد بت أجمع بينها حتى أقوم ميلها وسنادها نظر المثقف في كعوب قناته حتى يقيم ثقافه منآدها كعب بن زهير الطويل فمن للقوافي شانها من يحوكها إذا ما ثوى كعب وفوز جرول يقومها حتى تلين متونها فيقصر عنها كل ما يتمثل بشار الطويل عميت جنينا والذكاء من العمى فجئت عجيب الظن للعلم موئلا وغاض
ضياء العين للعلم رافدا لقلب إذا ما ضيع الناس حصلا وشعر كنور الروض لاءمت بينه بقول إذا ما أحزن الشعر أسهلا وله المنسرح زور ملوك عليه أبهة يغرف من شعره ومن خطبه لله ما راح في جوانحه من لؤلؤ لا ينام عن طلبه يخرج من فيه للندي كما يخرج ضوء النهار من لهبه أبو شريح العمير الوافر فإن أهلك فقد أبقيت بعدي قوافي تعجب المتمثلينا لذيذات المقاطع محكمات لو أن الشعر يلبس لارتدينا الفرزدق الوافر بلغن الشمس حين تكون شرقا ومسقط قرنها من حيث غابا
بكل ثنية وبكل ثغر غرائبهن تنتسب أنتسابا ابن ميادة من الطويل فجرنا ينابيع الكلام وبحره فأصبح فيه ذو الرواية يسبح وما الشعر إلا شعر قيس وخندف وشعر سواهم كلفة وتملح وقال عقال بن هاشم القيني يرد عليه الطويل ألا بلغ الرماح نقض مقالة بها خطل الرماح أو كان يمزح لئن كان في قيس وخندف ألسن طوال وشعر سائر ليس يقدح لقد خرق الحي اليمانون قبلهم بحور الكلام تستقى وهي طفح وهم علموا من بعدهم فتعلموا وهم أعربوا هذا الكلام وأوضحوا فللسابقين الفضل لا تجحدونه وليس
لمسبوق عليهم تبجح أبو تمام الطويل كشفت قناع الشعر عن حر وجهه وطيرته عن وكره وهو واقع
بغر يراها من يراها بسمعه ويدنو إليها ذو الحجا وهو شاسع يود ودادا أن أعضاء جسمه إذا أنشدت شوقا إليها مسامع وله الكامل حذاء تملأ كل أذن حكمة وبلاغة وتدر كل وريد كالدر والمرجان ألف نظمه بالشذر في عنق الفتاة الرود كشقيقة البرد المنمنم وشيه في أرض مهرة أو بلاد تزيد يعطي بها البشرى الكريم ويرتدي بردائها في المحفل المشهود بشرى الغني أبي البنات تتابعت بشراؤه بالفارس المولود وله الكامل جاءتك من نظم اللسان قلادة سمطان فيها اللؤلؤ المكنون أحذاكها صنع الضمير يمده جفر إذا
نضب الكلام معين أخذ لفظ الصنع من قول أبي حية بأنني صنع اللسان بهن لا أتنحل ونقله إلى الضمير وقد جعل حسان أيضا اللسان صنعا وذلك في قوله البسيط أهدى لهم مدحا قلب مؤازره فيما أحب لسان حائك صنع ولأبي تمام من الطويل إليك أرحنا عازب الشعر بعدما تمهل في روض المعاني العجائب غرائب لاقت في فنائك أنسها من المجد فهي الآن غير غرائب ولو كان يفنى الشعر أفناه ما قرت حياضك منه في السنين الذواهب ولكنه صوب العقول إذا انجلت سحائب منه أعقبت بسحائب
البحتري الطويل ألست الموالي فيك نظم قصائد هي الأنجم اقتادت مع الليل أنجما ثناء كأن الروض منه منورا ضحى وكأن الوشي منه منمنما وله البسيط أحسن أبا حسن بالشعر إذ جعلت عليك أنجمه بالمدح تنتثر فقد أتتك القوافي غب فائدة كما تفتح غب الوابل الزهر وله الطويل
إليك القوافي نازعات قواصد يسير ضاحي وشيها وينمنم ومشرقة في النظم غر يزينها بهاء وحسنا أنها لك تنظم وله الطويل بمنقوشة نقش الدنانير ينتقى لها اللفظ مختارا كما ينتقى التبر وله الطويل أيذهب هذا الدهر لم ير موضعي ولم يدر ما مقدار حلي ولا عقدي ويكسد مثلي وهو تاجر سؤدد يبيع ثمينات المكارم والمجد سوائر شعر جامع بدد العلى تعلقن من قبلي وأتعبن من بعدي يقدر فيها صانع متعمل لإحكامها تقدير داود في السرد وله الكامل الله يسهر في مديحك ليله متململا وتنام دون ثوابه
يقظان ينتحل الكلام كأنه جيش لديه يريد أن يلقى به فأتى به كالسيف رقرق صيقل ما بين قائم سنخه وذبابه ومن نادر وصفه للبلاغة قوله الخفيف في نظام من البلاغة ما شكك امرؤ أنه نظام فريد وبديع كأنه الزهر الضاحك في رونق الربيع الجديد مشرق في جوانب السمع ما يخلقه عوده على المستعيد
حجج تخرس الألد بألفاظ فرادى كالجوهر المعدود ومعان لو فصلتها القوافي هجنت شعر جرول ولبيد حزن مستعمل الكلام اختيارا وتجنبن ظلمة التعقيد وركبن اللفظ القريب فأدركن به غاية المراد البعيد كالعذارى غدون في الحلل الصفر إذا رحن في الخطوط السود الغرض من كتب هذه الأبيات الاستظهارحتى إن حمل حامل نفسه على الغرر والتقحم على غير بصيرة فزعم أن الإعجاز في مذاقة الحروف وفي سلامتها مما يثقل على اللسان علم بالنظر فيها فساد ظنه وقبح غلطه من حيث يرى عيانا أن ليس كلامهم كلام من خطر
ذلك منه ببال ولا صفاتهم صفات تصلح له على حال إذ لا يخفى على عاقل أن لم يكن ضرب تميم لحزون جبال الشعر لأن تسلم ألفاظه من حروف تثقل على اللسان ولا كان تقويم عدي لشعره ولا تشبيهه نظره فيه بنظر المثقف في كعوب قناته ذلك وأنه محال أن يكون له جعل بشار نور العين قد غاض فصار إلى قبله وأن يكون اللؤلؤ الذي كان لا ينام عن طلبه وأن ليس هو صوب العقول الذي إذا انجلت سحائب منه أعقبت بسحائب وأن ليس هو الدر
والمرجان مؤلفا بالشذر في العقد ولا الذي له كان البحتري مقدرا تقدير داود في السرد كيف وهذه كلها عبارات عما يدرك بالعقل ويستنبط بالفكر وليس الفكر الطريق إلى تمييز ما يثقل على اللسان مما لا يثقل إنما الطريق إلى ذلك الحس ولولا أن البلوى قد عظمت بهذا الرأي الفاسد وأن الذين قد استهلكوا فيه قد صاروا من فرط شغفهم به يصغون إلى كل شيء يسمعونه حتى لو أن إنسانا قال باقلى حار يريهم أنه يريد نصرة مذهبهم لأقبلوا بأوجههم عليه فألقوا أسماعهم إليه لكان اطراحه
وترك الاشتغال به أصوب لأنه قول لا يتصل منه جانب بالصواب البتة ذلك لأنه أول شيء يؤدي إلى أن يكون القرآن معجزا لا بما به كان قرآنا وكلام الله عز وجل
لأنه على كل حال إنما كان قرآنا وكلام الله عز وجل بالنظم الذي هو عليه ومعلوم أن ليس النظم من مذاقة الحروف وسلامتها مما يثقل على اللسان في شيء ثم إنه اتفاق من العقلاء أن الوصف الذي به تناهى القرآن إلى حد عجز عنه المخلوقون هو الفصاحة والبلاغة وما رأينا عاقلا جعل القرآن فصيحا أو بليغا بأن لا يكون في حروفه ما يثقل على اللسان لأنه لو كان يصح ذلك لكان يجب أن يكون السوقي الساقط من الكلام والسفساف الرديء من الشعر فصيحا إذا خفت
حروفه وأعجب من هذا أنه يلزم منه أنه لو عمد عامد إلى حركات الإعراب فجعل مكان كل ضمة وكسرة فتحة فقال الحمد لله بفتح الدال واللام والهاء وجرى على هذا في القرآن كله أن لا يسلبه ذلك الوصف الذي هو معجز به بل كان ينبغي أن يزيد فيه لأن الفتحة كما لا يخفى أخف من كل واحدة من الضمة والكسرة فإن قال إن ذلك يحيل المعنى قيل له إذا كان المعنى والعلة في كونه معجزا خفة اللفظ وسهولته فينبغي أن يكون مع إحالة المعنى معجزا
لأنه إذا كان معجز الوصف يخص لفظه دون معناه كان محالا أن يخرج عن كونه معجزا مع قيام ذلك الوصف فيه ودع هذا وهب أنه لا يلزم شيء منه فإنه يكفي في الدلالة على سقوطه وقلة تمييز القائل به أن يقتضي إسقاط الكناية والاستعارة والتمثيل والمجاز والإيجاز جملة واطراح جميعها رأسا مع أنها الأقطاب التي تدور البلاغة عليها والأعضاد التي تستند الفصاحة إليها والطلبة التي يتنازعها المحسنون والرهان الذي تجرب فيه الجياد والنضال الذي تعرف به الأيدي الشداد وهي التي نوه بذكرها البلغاء ورفع من