ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 9 من 14

دلائل الإعجاز — الجزء الخامس

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 9 من 141,746 كلمة في هذا الجزء

له فعلاته ويقول أبو تمام إذا لهجاني عنه معروفه عندي ومتى كان احتج وهجا واحدا في المعنى وكذلك الحكم في جميع ما ذكرناه فليس يتصور في نفس عاقل أن يكون قول البحتري وأحب آفاق البلاد إلى الفتى أرض ينال بها كريم المطلب وقول المتنبي وكل مكان ينبت العز طيب سواء واعلم أن قولنا الصورة إنما هو تمثيل وقياس لما نعلمه بعقولنا على الذي نراه بأبصارنا فلما رأينا البينونة بين آحاد الأجناس تكون من جهة الصورة فكان بين إنسان

من إنسان وفرس من فرس بخصوصية تكون في صورة هذا لا تكون في صورة ذاك وكذلك كان الأمر في المصنوعات فكان تبين خاتم من خاتم وسوار من سوار بذلك ثم وجدنا بين المعنى في أحد البيتين وبينه في الآخر بينونة في عقولنا وفرقا عبرنا عن ذلك الفرق وتلك البينونة بأن قلنا للمعنى في هذا صورة غير صورته في ذلك وليس العبارة عن ذلك بالصورة شيئا نحن ابتدأناه فينكره منكر بل هو مستعمل مشهور في كلام العلماء ويكفيك قول الجاحظ وإنما الشعر صناعة وضرب من التصوير

واعلم أنه لو كان المعنى في أحد البيتين يكون على هيئته وصفته في البيت الآخر وكان التالي من الشاعرين يجيئك به معادا على وجهه لم يحدث فيه شيئا ولم يغير له صفة لكان قول العلماء في شاعر إنه أخذ المعنى من صاحبه فأحسن وأجاد وفي آخر إنه أساء وقصر لغوا من القول من حيث كان محالا أن يحسن أو يسيء في شيء لا يصنع به شيئا وكذلك كان يكون جعلهم البيت نظيرا للبيت ومناسبا له خطأ منهم لأنه محال أن يناسب الشيء نفسه وأن يكون

نظيرا لنفسه وأمر ثالث وهو أنهم يقولون في واحد إنه أخذ المعنى فظهر أخذه وفي آخر إنه أخذه فأخفى أخذه ولو كان المعنى يكون معادا على صورته وهيئته وكان الآخذ له من صاحبه لا يصنع شيئا غير أن يبدل لفظا مكان لفظ لكان الإخفاء فيه محالا لأن اللفظ لا يخفى المعنى وإنما يخفيه إخراجه في صورة غير التي كان عليها مثال ذلك أن القاضي أبا الحسن ذكر فيما ذكر فيه تناسب المعاني بيت أبي نواس مجزوء الرمل حليت والحسن تأخذه تنتقي منه وتنتخب وبيت عبد

الله بن مصعب الوافر كأنك جئت محتكما عليهم تخير في الأبوة ما تشاء وذكر أنهما معا من بيت بشار الطويل

خلقت على ما في غير مخير هوايولو خيرت كنت المهذبا والأمر في تناسب هذه الثلاثة ظاهر ثم إنه ذكر أن أبا تمام قد تناوله فأخفاه وقال الوافر فلو صورت نفسك لم تزدها على ما فيك من كرم الطباع ومن العجب في ذلك ما تراه إذا أنت تأملت قول أبي العتاهية الكامل جزي البخيل علي صالحة عني لخفته على ظهري أعلى وأكرم عن يديه يدي فعلت ونزه قدره قدري ورزقت من جدواه عافية أن لا يضيق بشكره صدري وغنيت خلوا من تفضله أحنو عليه بأحسن العذر

ما فاتني خير امرىء وضعت عني يداه مؤونة الشكر ثم نظرت إلى قول الذي يقول المنسرح أعتقني سوء ما صنعت من الررق فيا بردها على كبدي فصرت عبدا للسوء فيك وما أحسن سوءا قبلي إلى أحد ومما هو في غاية الندرة من هذا الباب ما صنعه الجاحظ بقول نصيب الطويل ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب

حين نثره فقال وكتب به إلى ابن الزيات نحن أعزك الله نسحر بالبيان ونموه بالقول والناس ينظرون إلى الحال ويقضون بالعيان فأثر في أمرنا أثرا ينطق إذا سكتنا فإن المدعي بغير بينة متعرض للتكذيب وهذه جملة من وصفهم للشعر وعمله وإدلالهم به أبو حية النمري الكامل إن القصائد قد علمن بأنني صنع اللسان بهن لا أتنحل وإذا ابتدأت عروض نسج ريض جعلت تذل لما أريد وتسهل حتى تطاوعني ولو يرتاضها غيري لحاول صعبة لا تقبل تميم بن مقبل الطويل إذا مت عن ذكر القوافي فلن

ترى لها قائلا بعدي أطب وأشعرا وأكثر بيتا سائرا ضربت له حزون جبال الشعر حتى تيسرا أغر غريبا يمسح الناس وجهه كما تمسح الأيدي الأغر المشهرا عدي بن الرقاع الكامل وقصيدة قد بت أجمع بينها حتى أقوم ميلها وسنادها نظر المثقف في كعوب قناته حتى يقيم ثقافه منآدها كعب بن زهير الطويل فمن للقوافي شانها من يحوكها إذا ما ثوى كعب وفوز جرول يقومها حتى تلين متونها فيقصر عنها كل ما يتمثل بشار الطويل عميت جنينا والذكاء من العمى فجئت عجيب الظن للعلم موئلا وغاض

ضياء العين للعلم رافدا لقلب إذا ما ضيع الناس حصلا وشعر كنور الروض لاءمت بينه بقول إذا ما أحزن الشعر أسهلا وله المنسرح زور ملوك عليه أبهة يغرف من شعره ومن خطبه لله ما راح في جوانحه من لؤلؤ لا ينام عن طلبه يخرج من فيه للندي كما يخرج ضوء النهار من لهبه أبو شريح العمير الوافر فإن أهلك فقد أبقيت بعدي قوافي تعجب المتمثلينا لذيذات المقاطع محكمات لو أن الشعر يلبس لارتدينا الفرزدق الوافر بلغن الشمس حين تكون شرقا ومسقط قرنها من حيث غابا

بكل ثنية وبكل ثغر غرائبهن تنتسب أنتسابا ابن ميادة من الطويل فجرنا ينابيع الكلام وبحره فأصبح فيه ذو الرواية يسبح وما الشعر إلا شعر قيس وخندف وشعر سواهم كلفة وتملح وقال عقال بن هاشم القيني يرد عليه الطويل ألا بلغ الرماح نقض مقالة بها خطل الرماح أو كان يمزح لئن كان في قيس وخندف ألسن طوال وشعر سائر ليس يقدح لقد خرق الحي اليمانون قبلهم بحور الكلام تستقى وهي طفح وهم علموا من بعدهم فتعلموا وهم أعربوا هذا الكلام وأوضحوا فللسابقين الفضل لا تجحدونه وليس

لمسبوق عليهم تبجح أبو تمام الطويل كشفت قناع الشعر عن حر وجهه وطيرته عن وكره وهو واقع

بغر يراها من يراها بسمعه ويدنو إليها ذو الحجا وهو شاسع يود ودادا أن أعضاء جسمه إذا أنشدت شوقا إليها مسامع وله الكامل حذاء تملأ كل أذن حكمة وبلاغة وتدر كل وريد كالدر والمرجان ألف نظمه بالشذر في عنق الفتاة الرود كشقيقة البرد المنمنم وشيه في أرض مهرة أو بلاد تزيد يعطي بها البشرى الكريم ويرتدي بردائها في المحفل المشهود بشرى الغني أبي البنات تتابعت بشراؤه بالفارس المولود وله الكامل جاءتك من نظم اللسان قلادة سمطان فيها اللؤلؤ المكنون أحذاكها صنع الضمير يمده جفر إذا

نضب الكلام معين أخذ لفظ الصنع من قول أبي حية بأنني صنع اللسان بهن لا أتنحل ونقله إلى الضمير وقد جعل حسان أيضا اللسان صنعا وذلك في قوله البسيط أهدى لهم مدحا قلب مؤازره فيما أحب لسان حائك صنع ولأبي تمام من الطويل إليك أرحنا عازب الشعر بعدما تمهل في روض المعاني العجائب غرائب لاقت في فنائك أنسها من المجد فهي الآن غير غرائب ولو كان يفنى الشعر أفناه ما قرت حياضك منه في السنين الذواهب ولكنه صوب العقول إذا انجلت سحائب منه أعقبت بسحائب

البحتري الطويل ألست الموالي فيك نظم قصائد هي الأنجم اقتادت مع الليل أنجما ثناء كأن الروض منه منورا ضحى وكأن الوشي منه منمنما وله البسيط أحسن أبا حسن بالشعر إذ جعلت عليك أنجمه بالمدح تنتثر فقد أتتك القوافي غب فائدة كما تفتح غب الوابل الزهر وله الطويل

إليك القوافي نازعات قواصد يسير ضاحي وشيها وينمنم ومشرقة في النظم غر يزينها بهاء وحسنا أنها لك تنظم وله الطويل بمنقوشة نقش الدنانير ينتقى لها اللفظ مختارا كما ينتقى التبر وله الطويل أيذهب هذا الدهر لم ير موضعي ولم يدر ما مقدار حلي ولا عقدي ويكسد مثلي وهو تاجر سؤدد يبيع ثمينات المكارم والمجد سوائر شعر جامع بدد العلى تعلقن من قبلي وأتعبن من بعدي يقدر فيها صانع متعمل لإحكامها تقدير داود في السرد وله الكامل الله يسهر في مديحك ليله متململا وتنام دون ثوابه

يقظان ينتحل الكلام كأنه جيش لديه يريد أن يلقى به فأتى به كالسيف رقرق صيقل ما بين قائم سنخه وذبابه ومن نادر وصفه للبلاغة قوله الخفيف في نظام من البلاغة ما شكك امرؤ أنه نظام فريد وبديع كأنه الزهر الضاحك في رونق الربيع الجديد مشرق في جوانب السمع ما يخلقه عوده على المستعيد

حجج تخرس الألد بألفاظ فرادى كالجوهر المعدود ومعان لو فصلتها القوافي هجنت شعر جرول ولبيد حزن مستعمل الكلام اختيارا وتجنبن ظلمة التعقيد وركبن اللفظ القريب فأدركن به غاية المراد البعيد كالعذارى غدون في الحلل الصفر إذا رحن في الخطوط السود الغرض من كتب هذه الأبيات الاستظهارحتى إن حمل حامل نفسه على الغرر والتقحم على غير بصيرة فزعم أن الإعجاز في مذاقة الحروف وفي سلامتها مما يثقل على اللسان علم بالنظر فيها فساد ظنه وقبح غلطه من حيث يرى عيانا أن ليس كلامهم كلام من خطر

ذلك منه ببال ولا صفاتهم صفات تصلح له على حال إذ لا يخفى على عاقل أن لم يكن ضرب تميم لحزون جبال الشعر لأن تسلم ألفاظه من حروف تثقل على اللسان ولا كان تقويم عدي لشعره ولا تشبيهه نظره فيه بنظر المثقف في كعوب قناته ذلك وأنه محال أن يكون له جعل بشار نور العين قد غاض فصار إلى قبله وأن يكون اللؤلؤ الذي كان لا ينام عن طلبه وأن ليس هو صوب العقول الذي إذا انجلت سحائب منه أعقبت بسحائب وأن ليس هو الدر

والمرجان مؤلفا بالشذر في العقد ولا الذي له كان البحتري مقدرا تقدير داود في السرد كيف وهذه كلها عبارات عما يدرك بالعقل ويستنبط بالفكر وليس الفكر الطريق إلى تمييز ما يثقل على اللسان مما لا يثقل إنما الطريق إلى ذلك الحس ولولا أن البلوى قد عظمت بهذا الرأي الفاسد وأن الذين قد استهلكوا فيه قد صاروا من فرط شغفهم به يصغون إلى كل شيء يسمعونه حتى لو أن إنسانا قال باقلى حار يريهم أنه يريد نصرة مذهبهم لأقبلوا بأوجههم عليه فألقوا أسماعهم إليه لكان اطراحه

وترك الاشتغال به أصوب لأنه قول لا يتصل منه جانب بالصواب البتة ذلك لأنه أول شيء يؤدي إلى أن يكون القرآن معجزا لا بما به كان قرآنا وكلام الله عز وجل

لأنه على كل حال إنما كان قرآنا وكلام الله عز وجل بالنظم الذي هو عليه ومعلوم أن ليس النظم من مذاقة الحروف وسلامتها مما يثقل على اللسان في شيء ثم إنه اتفاق من العقلاء أن الوصف الذي به تناهى القرآن إلى حد عجز عنه المخلوقون هو الفصاحة والبلاغة وما رأينا عاقلا جعل القرآن فصيحا أو بليغا بأن لا يكون في حروفه ما يثقل على اللسان لأنه لو كان يصح ذلك لكان يجب أن يكون السوقي الساقط من الكلام والسفساف الرديء من الشعر فصيحا إذا خفت

حروفه وأعجب من هذا أنه يلزم منه أنه لو عمد عامد إلى حركات الإعراب فجعل مكان كل ضمة وكسرة فتحة فقال الحمد لله بفتح الدال واللام والهاء وجرى على هذا في القرآن كله أن لا يسلبه ذلك الوصف الذي هو معجز به بل كان ينبغي أن يزيد فيه لأن الفتحة كما لا يخفى أخف من كل واحدة من الضمة والكسرة فإن قال إن ذلك يحيل المعنى قيل له إذا كان المعنى والعلة في كونه معجزا خفة اللفظ وسهولته فينبغي أن يكون مع إحالة المعنى معجزا

لأنه إذا كان معجز الوصف يخص لفظه دون معناه كان محالا أن يخرج عن كونه معجزا مع قيام ذلك الوصف فيه ودع هذا وهب أنه لا يلزم شيء منه فإنه يكفي في الدلالة على سقوطه وقلة تمييز القائل به أن يقتضي إسقاط الكناية والاستعارة والتمثيل والمجاز والإيجاز جملة واطراح جميعها رأسا مع أنها الأقطاب التي تدور البلاغة عليها والأعضاد التي تستند الفصاحة إليها والطلبة التي يتنازعها المحسنون والرهان الذي تجرب فيه الجياد والنضال الذي تعرف به الأيدي الشداد وهي التي نوه بذكرها البلغاء ورفع من