ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 7 من 14

دلائل الإعجاز — الجزء الخامس

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 7 من 141,773 كلمة في هذا الجزء

فصل في اللفظ والاستعارة وشواهد تحليلية للمعنى

اعلم أنه لما كان الغلط الذي دخل على الناس في حديث اللفظ كالداء الذي يسري في العروق ويفسد مزاج البدن وجب أن يتوخى دائبا فيهم ما يتوخاه الطبيب في الناقه من تعهده بما يزيد في منته ويبقيه على صحته ويؤمنه النكس في علته وقد علمنا أن أصل الفساد وسبب الآفة هو ذهابهم عن أن من شأن المعاني أن تختلف عليها الصور وتحدث فيها خواص ومزايا من بعد أن لا تكون فإنك ترى الشاعر قد عمد إلى معنى مبتذل فصنع فيه ما يصنع الصانع الحاذق إذا

هو أغرب في صنعة خاتم وعمل شنف وغيرهما من أصناف الحلي فإن جهلهم بذلك من حالها هو الذي أغواهم واستهواهم وورطهم فيما تورطوا فيه من الجهالات وأداهم إلى التعلق بالمحالات وذلك أنهم لما جهلوا شأن الصورة وضعوا لأنفسهم أساسا وبنوا على قاعدة فقالوا إنه ليس إلا المعنى واللفظ ولا ثالث وإنه إذا كان كذلك وجب إذا كان لأحد الكلامين فضيلة لا تكون للآخر ثم كان الغرض من أحدهما هو الغرض من صاحبه أن يكون مرجع تلك الفضيلة إلى اللفظ خاصة وأن يكون لها مرجع إلى

المعنى من حيث إن ذلك زعموا يؤدي إلى التناقض وأن يكون معناهما متغايرا وغير متغاير معا ولما أقروا هذا في نفوسهم حملوا كلام العلماء في كل ما نسبوا فيه الفضيلة إلى اللفظ على ظاهره وأبوا أن ينظروا في الأوصاف التي أتبعوها نسبتهم الفضيلة إلى اللفظ مثل قولهم لفظ متمكن غير قلق ولا ناب به موضعه إلى سائر ما ذكرناه قبل فيعلموا أنهم لم يوجبوا للفظ ما أوجبوه من الفضيلة وهم يعنون نطق اللسان وأجراس الحروف ولكن جعلوا كالمواضعة فيما بينهم أن يقولوا اللفظ وهم يريدون

الصورة

التي تحدث في المعنى والخاصة التي حدثت فيه ويعنون الذي عناه الجاحظ حيث قال وذهب الشيخ إلى استحسان المعاني والمعاني مطروحة وسط الطريق يعرفها العربي والعجمي والحضري والبدوي وإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير وما يعنونه إذا قالوا إنه يأخذ الحديث فيشنفه ويقرطه ويأخذ المعنى خرزة فيرده جوهرة وعباءة فيجعله ديباجة ويأخذه عاطلا فيرده حاليا وليس كون هذا مرادهم بحيث كان ينبغي أن يخفى هذا الخفاء ويشتبه هذا الاشتباه ولكن إذا تعاطى الشيء غير أهله وتولى الأمر غير البصير به أعضل الداء واشتد البلاء ولو

لم يكن من الدليل على أنهم لم ينحلوا اللفظ الفضيلة وهم يريدونه نفسه وعلى الحقيقة إلا واحد وهو وصفهم له بأنه يزين المعنى وأنه حلي له لكان فيه الكفاية وذاك أن الألفاظ أدلة على المعاني وليس للدليل إلا أن يعلمك الشيء على ما يكون عليه فأما أن يصير بالدليل على صفة لم يكن عليها فمما لا يقوم في عقل ولا يتصور في وهم ومما إذا تفكر فيه العاقل أطال التعجب من أمر الناس ومن شدة غفلتهم قول العلماء حيث ذكروا الأخذ والسرقة إن من أخذ

معنى عاريا فكساه لفظا من عنده كان أحق به وهو كلام مشهور متداول يقرؤه الصبيان في أول كتاب عبد الرحمن ثم لا ترى أحدا من هؤلاء الذين لهجوا بجعل الفضيلة في اللفظ يفكر في ذلك فيقول من أين يتصور أن يكون هاهنا معنى عار من لفظ يدل عليه ثم من أين يعقل أن يجيء الواحد منا لمعنى من المعاني بلفظ من عنده إن كان المراد باللفظ نطق اللسان ثم هب أنه يصح له أن يفعل ذلك فمن أين يجب إذا وضع لفظا على معنى أن

يصير أحق من صاحبه الذي أخذه منه إن كان هولا يصنع بالمعنى شيئا ولا يحدث فيه صفة ولا يكسبه فضيلة وإذا كان كذلك فهل يكون لكلامهم هذا وجه سوى أن يكون اللفظ في قولهم فكساه لفظا من عنده عبارة عن صورة يحدثها الشاعر أو غير الشاعر للمعنى فإن قالوا بلى يكون وهو أن يستعير للمعنى لفظا قيل الشأن في أنهم قالوا إذا أخذ معنى عاريا فكساه لفظا من عنده كان أحق به

والاستعارة عندكم مقصورة على مجرد اللفظ ولا ترون المستعير يصنع بالمعنى شيئا وترون أنه لا يحدث فيه مزية على وجه من الوجوه وإذا كان كذلك فمن أين ليت شعري يكون أحق به فاعرفه ثم إن أردت مثالا في ذلك فإن من أحسن شيء فيه ما صنع أبو تمام في بيت أبي نخيلة وذلك أن أبا نخيلة قال في مسلمة بن عبد الملك الطويل أمسلم إني يابن كل خليفة ويا جبل الدنيا ويا واحد الأرض شكرتك إن الشكر حبل من التقى وما كل من أوليته صالحا

يقضي وأنبهت لي ذكري وما كان خاملا ولكن بعض الذكر أنبه من بعض فعمد أبو تمام إلى هذا البيت الأخير فقال الطويل لقد زدت أوضاحي امتدادا ولم أكن بهيما ولا أرضى من الأرض مجهلا ولكن أياد صادفتني جسامها أغر فأوفت بي أغر محجلا وفي كتاب الشعر والشعراء للمرزباني فصل في هذا المعنى حسن قال ومن الأمثال القديمة قولهم حرا أخاف على جاني كمأة لا قرا يضرب مثلا للذي يخاف من شيء فيسلم منه ويصيبه غيره مما لم يخفه فأخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال الكامل

وحذرت من أمر فمر بجانبي لم ينكني ولقيت ما لم أحذر وقال لبيد المنسرح أخشى على أربد الحتوف ولا أرهب نوء السماك والأسد قال وأخذه البحتري فأحسن وطغى اقتدارا على العبارة واتساعا في المعنى فقال الكامل لو أنني أوفي التجارب حقها فيما أرت لرجوت ما أخشاه وشبيه بهذا الفصل فصل آخر من هذا الكتاب أيضا أنشد لإبراهيم بن المهدي السريع يا من لقلب صيغ من صخرة في جسد من لؤلؤ رطب جرحت خديه بلحظي فيما برحت حتى اقتص من قلبي ثم قال قال علي بن

هارون أخذه أحمد بن فنن معنى ولفظا فقال الكامل

أدميت باللحظات وجنته فاقتص ناظره من القلب قال ولكنه بنقاء عبارته وحسن مأخذه قد صار أولى به ففي هذا دليل لمن عقل أنهم لا يعنون بحسن العبارة مجرد اللفظ ولكن صورة وصفة وخصوصية تحدث في المعنى وشيئا طريق معرفته على الجملة العقل دون السمع فإنه على كل حال لم يقل في البحتري إنه أحسن فطغى اقتدارا على العبارة من أجل حروف لو أنني أوفي التجارب حقها وكذلك لم يصف ابن أبي فنن بنقاء العبارة من أجل حروف أدميت باللحظات وجنته واعلم أنك إذا سبرت أحوال

هؤلاء الذين زعموا أنه إذا كان المعبر عنه واحدا والعبارة اثنتين ثم كانت إحدى العبارتين أفصح من الأخرى وأحسن فإنه ينبغي أن يكون السبب في كونها أفصح وأحسن اللفظ نفسه وجدتهم قد قالوا ذلك من حيث قاسوا الكلامين على الكلمتين فلما رأوا أنه إذا قيل في الكلمتين إن معناهما واحد لم يكن بينهما تفاوت ولم يكن المعنى في إحداهما حال لا يكون له في الأخرى ظنوا أن سبيل الكلامين هذا السبيل ولقد غلطوا فأفحشوا لأنه لا يتصور أن تكون صورة المعنى في أحد الكلامين أو

البيتين مثل صورته في الآخر البتة اللهم إلا أن يعمد عامد إلى بيت فيضع مكان كل لفظة منه لفظة في معناها ولا يعرض لنظمه وتأليفه كمثل أن يقول في بيت الحطيئة البسيط دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي ذر المفاخر لا تذهب لمطلبها واجلس فإنك أنت الآكل اللابس وما كان هذا سبيله كان بمعزل من أن يكون به اعتداد وأن يدخل في قبيل ما يفاضل فيه بين عبارتين بل لا يصح أن يجعل ذلك عبارة ثانية ولا أن يجعل الذي يتعاطاه

بمحل من يوصف بأنه أخذ معنى ذلك لأنه لا يكون بذلك صانعا شيئا يستحق أن يدعى من أجله واضع كلام ومستأنف عبارة وقائل شعر ذاك لأن بيت الحطيئة لم يكن كلاما وشعرا من أجل معاني الألفاظ المفردة التي تراها فيه مجردة معراة من معاني النظم والتأليف بل منها متوخى فيها ما ترى من كون المكارم مفعولا ل دع وكون قوله لا ترحل لبغيتها جملة أكدت الجملة قبلها وكون اقعد معطوفا بالواو على مجموع ما مضى وكون جملة أنت الطاعم الكاسي معطوفة بالفاء على اقعد فالذي

يجيء فلا يغير شيئا من هذا الذي به كان كلاما وشعرا لا يكون قد أتى بكلام ثان وعبارة ثانية بل لا يكون قد قال من عند نفسه شيئا البتة وجملة الأمر أنه كما لا تكون الفضة أو الذهب خاتما أو سوارا أو غيرهما من أصناف الحلي بأنفسهما ولكن بما يحدث فيهما من الصورة كذلك لا تكون الكلم المفردة التي هي أسماء وحروف كلاما وشعرا من غير أن يحدث فيها النظم الذي حقيقته توخي معاني النحو وأحكامه فإذا ليس لمن يتصدى لما ذكرنا من أن يعمد

إلى بيت فيضع مكان كل لفظة منها لفظة في معناها إلا أن يسترك عقله ويستخف ويعد معد الذي حكي أنه قال إني قلت بيتا هو أشعر من بيت حسان قال حسان الكامل يغشون حتى ما تهر كلابهم لا يسألون عن السواد المقبل وقلت يغشون حتى ما تهر كلابهم أبدا ولا يسلون من ذا المقبل فقيل

هو بيت حسان ولكنك قد أفسدته واعلم أنه إنما أتي القوم من قلة نظرهم في الكتب التي وضعها العلماء في اختلاف العبارتين على المعنى الواحد وفي كلامهم في أخذ الشاعر من الشاعر وفي أن يقول الشاعران على الجملة في معنى واحد وفي الأشعار التي دونوها في هذا المعنى ولو أنهم كانوا أخذوا أنفسهم بالنظر في تلك الكتب وتدبروا ما فيها حق التدبر لكان يكون ذلك قد أيقظهم من غفلتهم وكشف الغطاء عن أعينهم وقد أردت أن اكتب جملة من الشعر الذي أنت ترى الشاعرين فيه

قد قالا في معنى واحد وهو ينقسم قسمين قسم أنت ترى أحد الشاعرين فيه قد أتى بالمعنى غفلا ساذجا وترى الآخر قد أخرجه في صورة تروق وتعجب وقسم أنت ترى كل واحد من الشاعرين قد صنع في المعنى وصور وأبدأ بالقسم الأول الذي يكون المعنى في أحد البيتين غفلا وفي الآخر مصورا مصنوعا ويكون ذلك إما لأن متأخرا قصر عن متقدم وإما لأن هدي متأخر لشيء لم يهتد إليه المتقدم ومثال ذلك قول المتنبي السريع بئس الليالي سهدت من طربي شوقا إلى من يبيت يرقدها

مع قول البحتري الكامل ليل يصادفني ومرهفة الحشا ضدين أسهره لها وتنامه وقول البحتري البسيط ولو وملكت زماعا ظل يجذبني قودا لكان ندى كفيك من عقلي مع قول المتنبي الطويل وقيدت نفسي في ذراك محبة ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا وقول المتنبي الكامل إذا اعتل سيف الدولة اعتلت الأرض ومن فوقها والبأس والكرم المحض مع قول البحتري الكامل ظللنا نعود الجود من وعكك الذي وجدت وقلنا اعتل عضو من المجد وقول المتنبي الكامل يعطيك مبتدئا فإن أعجلته أعطاك معتذرا كمن قد أجرما مع قول أبي

تمام الكامل أخو عزمات فعله فعل محسن إلينا ولكن عذره عذر مذنب وقول المتنبي الطويل كريم متى استوهبت ما أنت راكب وقد لقحت حرب فإنك نازل مع قول البحتري من البسيط ماض على عزمه في الجود لو وهب الششباب يوم لقاء البيض ما ندما وقول المتنبي الخفيف والذي يشهد الوغى ساكن القلب كأن القتال فيها ذمام مع قول البحتري الطويل لقد كان ذاك الجأش جأش مسالم على أن ذاك الزي زي محارب وقول أبي تمام الكامل الصبح مشهور بغير دلائل من غيره ابتغيت ولا أعلام

مع قول المتنبي الوافر وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل

وقول أبي تمام الوافر وفي شرف الحديث دليل صدق لمختبر على الشرف القديم مع قول المتنبي البسيط أفعاله نسب لو لم يقل معها جدي الخصيب عرفنا العرق بالغصن وقول البحتري الكامل وأحب آفاق البلاد إلى الفتى أرض ينال بها كريم المطلب مع قول المتنبي الطويل وكل امرىء يولي الجميل محبب وكل مكان ينبت العز طيب وقول المتنبي الطويل يقر له بالفضل من لا يوده ويقضي له بالسعد من لا ينجم مع قول البحتري الكامل لا أدعي لأبي العلاء فضيلة حتى يسلمها إليه عداه وقول خالد