ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 13 من 14

دلائل الإعجاز — الجزء الخامس

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 13 من 141,760 كلمة في هذا الجزء

نماذج تحليلية لأهمية النظم

أعلم أنك لن ترى عجبا أعجب من الذي عليه الناس في أمر النظم وذلك أنه ما من أحد له أدنى معرفة إلا وهو يعلم أن هاهنا نظما أحسن من نظم ثم تراهم إذا أنت أردت أن تبصرهم ذلك تسدر أعينهم وتضل عنهم أفهامهم وسبب ذلك أنهم أول شيء عدموا العلم به نفسه من حيث حسبوه شيئا غير توخي معاني النحو وجعلوه يكون في الألفاظ دون المعاني فأنت تلقى الجهد حتى تميلهم عن رأيهم لأنك تعالج مرضا مزمنا وداء متمكنا ثم إذا أنت قدتهم بالخزائم إلى

الاعتراف بأن لا معنى له غير توخي معاني النحو عرض لهم من بعد خاطر يدهشهم حتى يكادوا يعودون إلى رأس أمرهم وذلك

أنهم يروننا ندعي المزية والحسن لنظم كلام من غير أن يكون فيه من معاني النحو شيء يتصور أن يتفاضل الناس في العلم به ويروننا لا نستطيع أن نضع اليد من معاني النحو ووجوهه على شيء نزعم أن من شأن هذا أن يوجب المزية لكل كلام يكون فيه بل يروننا ندعي المزية لكل ما ندعيها له من معاني النحو ووجوهه وفروقه في موضع دون موضع وفي كلام دون كلام وفي الأقل دون الأكثر وفي الواحد من الألف فإذا رأوا الأمر كذلك دخلتهم الشبهة وقالوا كيف يصير

المعروف مجهولا ومن أين يتصور أن يكون للشيء في كلام مزية عليه في كلام آخر بعد أن تكون حقيقته فيهما حقيقة واحدة فإذا رأوا التنكير يكون فيما لا يحصى من المواضع ثم لا يقتضي فضلا ولا يوجب مزية اتهمونا في دعوانا من ادعيناه لتنكير الحياة في قوله تعالى ولكم في القصاص حياة من أن له حسنا ومزية وأن فيه بلاغة عجيبة وظنوه وهما منا وتخيلا ولسنا نستطيع في كشف الشبهة في هذا عنهم وتصوير الذي هو الحق عندهم ما استطعناه في نفس النظم لأنا ملكنا

في ذلك أن نضطرهم إلى أن يعلموا صحة ما نقول وليس الأمر في هذا كذلك فليس الداء فيه بالهين ولا هو بحيث إذا رمت العلاج منه وجدت الإمكان فيه مع كل أحد مسعفا والسعي منجحا لأن المزايا التي تحتاج أن تعلمهم مكانها وتصور لهم شأنها أمور خفية ومعان روحانية أنت لا تستطيع أن تنبه السامع لها وتحدث له علما بها حتى يكون مهيأ لإدراكها وتكون فيه طبيعة قابلة لها ويكون له ذوق وقريحة يجد لهما في نفسه إحساسا بأن من شأن هذه الوجوه والفروق أن

تعرض فيها المزية على الجملة وممن إذا تصفح الكلام وتدبر الشعر فرق بين موقع شيء منها وشيء وممن إذا أنشدته قوله السريع لي منك ما للناس كلهم نظر وتسليم على الطرق وقول البحتري الكامل وسأستقل لك الدموع صبابة ولو أن دجلة لي عليك دموع وقوله الطويل رأت مكنات الشيب فابتسمت لها وقالت نجوم لو طلعن بأسعد وقول أبي نواس البسيط ركب تساقوا على الأكوار بينهم كأس الكرى فانتشى المسقي والساقي كأن أعناقهم والنوم واضعها على المناكب لم تعمد بأعناق وقوله الكامل يا صاحبي عصيت مصطبحا

وغدوت لللذات مطرحا فتزودا مني محادثة حذر العصا لم يبق لي مرحا وقول إسماعيل بن يسار السريع حتى إذا الصبح بدا ضوؤه وغابت الجوزاء والمرزم خرجت والوطء خفي كما ينساب من مكمنه الأرقم أنق لها وأخذته أريحية عندها وعرف لطف موقع الحذف والتنكير في قوله نظر وتسليم على الطرق وما في قول البحتري لي عليك دموع من شبه السحر وأن ذلك من أجل تقديم لي على عليك ثم تنكير الدموع وعرف كذلك شرف قوله وقالت نجوم لو طلعن بأسعد وعلو طبقته ودقة صنيعته والبلاء والداء

العياء أن هذا الإحساس قليل في الناس حتى إنه ليكون أن يقع للرجل الشيء من هذه الفروق والوجوه في شعر يقوله أو رسالة يكتبها الموقع الحسن ثم لا يعلم أنه قد أحسن فأما الجهل بمكان الإساءة فلا تعدمه فلست تملك إذا من أمرك شيئا حتى تظفر بمن له طبع إذا قدحته ورى وقلب إذا أريته رأى فأما وصاحبك من لا يرى ما تريه ولا يهتدي للذي تهديه فأنت رام معه في غير مرمى ومعن نفسك في غير جدوى وكما لا تقيم الشعر في نفس من

لا ذوق له كذلك لا تفهم هذا الشأن من لم يؤت الآية التي بها يفهم إلا أنه إنما يكون البلاء إذا ظن العادم لها

أنه أوتيها وأنه ممن يكمل للحكم ويصح منه القضاء فجعل يقول القول لو علم غيه لاستحيا منه فأما الذين يحس بالنقص من نفسه ويعلم أنه قد علم علما قد أوتيه من سواه فأنت منه في راحة وهو رجل عاقل قد حماه عقله أن يعدو طوره وأن يتكلف ما ليس بأهل به وإذا كانت العلوم التي لها أصول معروفة وقوانين مضبوطة قد اشترك الناس في العلم بها واتفقوا على أن البناء عليها إذا أخطأ فيه المخطىء ثم أعجب برأيه لم يستطع رده عن هواه وصرفه عن

الرأي الذي رآه إلا بعد الجهد وإلا بعد أن يكون حصيفا عاقلا ثبتا إذا نبه انتبه وإذا قيل إن عليك بقية من النظر وقف وأصغى وخشي أن يكون قد غر فاحتاط باستماع ما يقال له وأنف من أن يلج من غير بينة ويتطيل بغير حجة وكان من هذا وصفه يعز ويقل فكيف بأن ترد الناس عن رأيهم في هذا الشأن وأصلك الذي تردهم إليه وتعول في محاجتهم عليه استشهاد القرائح وسبر النفوس وفليها وما يعرض فيها من الأريحية عندما تسمع وكان ذلك الذي يفتح لك

سمعهم ويكشف الغطاء عن أعينهم ويصرف إليك أوجههم وهم لا يضعون أنفسهم موضع من يرى الرأي ويفتي ويقضي إلا وعندهم أنهم ممن صفت قريحته وصح ذوقه وتمت أداته فإذا قلت لهم إنكم قد أتيتم من أنفسكم ردوا عليك مثله وقالوا لا بل قرائحنا اصح ونظرنا أصدق وحسنا أذكى وإنما الآفة فيكم لأنكم خيلتم إلى نفسكم أمورا لا حاصل لها وأوهمكم الهوى والميل أن توجبوا لأحد النظمين المتساويين فضلا على الآخر من غير أن يكون ذلك الفضل معقولا فتبقى في أيديهم حسيرا لا تملك غير التعجب

فليس الكلام إذا بمغن عنك ولا القول بنافع ولا الحجة مسموعة حتى تجد من فيه عون لك على نفسه ومن أتى عليك أبى ذاك طبعه فرده إليك وفتح سمعه لك ورفع الحجاب بينك وبينه وأخذ به إلى حيث أنت وصرف ناظره إلى الجهة التي إليها أومأت فاستبدل بالنفار أنسا واراك من بعد الإباء قبولا ولم يكن الأمر على هذه الجملة إلا لأنه

ليس في أصناف العلوم الخفية والأمور الغامضة الدقيقة أعجب طريقا في الخفاء من هذا وإنك لتتعب في الشيء نفسك وتكد فيه فكرك وتجهد فيه كل جهدك حتى إذا قلت قد قتلته علما وأحكمته فهما كنت الذي لا يزال يتراءى لك فيه شبهة ويعرض فيه شك كما قال أبو نواس الطويل ألا لا أرى مثل امترائي في رسم تغص به عيني ويلفظه وهمي أتت صور الأشياء بيني وبينه فظني كلا ظن وعلمي كلا علم وإنك لتنظر في البيت دهرا طويلا وتفسره ولا ترى أن فيه شيئا

لم تعلمه ثم يبدو لك فيه أمر خفي لم تكن قد علمته مثال ذلك بيت المتنبي الكامل عجبا له حفظ العنان بأنمل ما حفظها الأشياء من عاداتها مضى الدهر الطويل ونحن نقرؤه فلا ننكر منه شيئا ولا يقع لنا أن فيه خطأ ثم بان بأخرة أنه قد أخطأ وذلك أنه كان ينبغي أن يقول ما حفظ الأشياء من عاداتها فيضيف المصدر إلى المفعول فلا يذكر الفاعل ذاك لأن المعنى على أنه ينفي الحفظ عن أنامله جملة وأنه يزعم أنه لا يكون منها أصلا وإضافته الحفظ

إلى ضميرها في قوله ما حفظها الأشياء يقتضي أن يكون قد أثبت لها حفظا ونظير هذا أنك تقول ليس الخروج في مثل هذا الوقت من عادتي ولا تقول ليس خروجي في مثل هذا الوقت من عادتي وكذلك تقول ليس ذم الناس من شأني ولا تقول ليس ذمي الناس من شأني لأن ذلك يوجب إثبات الذم ووجوده منك ولا يصح قياس المصدر في هذا على الفعل

أعني لا ينبغي أن يظن أنه كما يجوز أن يقال ما من عادتها أن تحفظ الأشياءكذلك ينبغي أن يجوز ما من عادتها حفظها الأشياء ذاك أن إضافة المصدر إلى الفاعل يقتضي وجوده وأنه قد كان منه يبين ذلك أنك تقول أمرت زيدا بأن يخرج غدا ولا تقول أمرته بخروجه غدا ومما فيه خطأ هو في الخفاء قوله البسيط ولا تشك إلى خلق فتشمته شكوى الجريح إلى الغربان والرخم وذلك أنك إذا قلت لا تضجر ضجر زيد كنت قد جعلت زيدا يضجر ضربا من الضجر مثل

أن تجعله يفرط فيه أو يسرع إليه هذا هو موجب العرف ثم إن لم تعتبر خصوص وصف فلا أقل من أن تجعل الضجر على الجملة من عادته وأن تجعله قد كان منه وإذا كان كذلك اقتضى قوله شكوى الجريح إلى الغربان والرخم أن يكون هاهنا جريح قد عرف من حاله أن يكون له شكوى إلى الغربان والرخم وذلك محال وإنما العبارة الصحيحة في هذا أن يقال لا تشك إلى خلق فإنك إن فعلت كان مثل ذلك مثل أن تصور في وهمك أن بعيرا دبرا كشف

عن جرحه ثم شكاه إلى الغربان والرخم ومن ذلك أنك ترى من العلماء من قد تأول في الشيء تأويلا وقضى فيه بأمر فتعتقده اتباعا ولا ترتاب أنه على ما قضى وتأول وتبقى على ذلك الاعتقاد الزمان الطويل ثم يلوح لك ما تعلم به أن الأمر على خلاف ما قدر ومثال ذلك أن أبا القاسم الآمدي ذكر بيت البحتري البسيط فصاغ ما صاغ من تبر ومن ورق وحاك ما حاك من وشي وديباج ثم قال صوغ الغيث وحوكه للنبات ليس باستعارة بل هو حقيقة

ولذلك لا يقال هو صائغ ولا كأنه صائغ وكذلك لا يقال هو حائك وكأنه حائك قال على أن لفظ حائك في غاية الركاكة إذا أخرج على ما أخرجه أبو تمام في قوله الطويل إذا الغيث غادى نسجه خلت أنه خلت حقب حرس له وهو حائك قال وهذا قبيح جدا والذي قاله البحتري فحاك ما حاك حسن مستعمل والسبب في هذا الذي قاله إنه ذهب إلى أن غرض أبي تمام أن يقصد ب خلت إلى الحوك وأنه أراد أن يقول خلت الغيث حائكا وذلك سهو منه

لأنه لم يقصد ب خلت إلى لك وإنما قصد أن يقول إنه يظهر في غداة يوم من حوك الغيث ونسجه بالذي ترى العيون من بدائع الأنوار وغرائب الأزهار ما يتوهم منه أن الغيث كان في فعل ذلك وفي نسجه وحوكه حقبا من الدهر فالحيلولة واقعة على كون زمان الحوك حقبا لا على كون ما فعله الغيث حوكا فاعرفه ومما يدخل في ذلك ما حكي عن الصاحب من أنه قال كان الأستاذ أبو الفضل يختار من شعر ابن الرومي وينقط عليه قال فدفع إلي القصيدة التي

أولها الطويل أتحت ضلوعي جمرة تتوقد وقال تأملها فتأملتها فكان قد ترك خير بيت فيها وهو بجهل كجهل السيف والسيف منتضى وحلم كحلم السيف والسيف مغمد فقلت لم ترك الأستاذ هذا البيت فقال لعل القلم تجاوزه قال ثم رآني من بعد فاعتذر بعذر كان شرا من تركه قال إنما تركته لأنه أعاد السيف أربع مرات

قال الصاحب لو لم يعد أربع مرات فقال بجهل كجهل السيف وهو منتضى وحلم كحلم السيف وهو مغمد لفسد البيت والأمر كما قال الصاحب والسبب في ذلك أنك إذا حدثت عن اسم مضاف ثم أردت أن تذكر المضاف إليه فإن البلاغة تقتضي أن تذكره باسمه الظاهر ولا تضمره وتفسير هذا أن الذي هو الحسن الجميل أن تقول جاءني غلام زيد وزيد ويقبح أن تقول جاءني غلام زيد وهو ومن الشاهد في ذلك قول دعبل البسيط أضياف عمران في خصب وفي سعة وفي حباء غير ممنوع