ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 11 من 14

دلائل الإعجاز — الجزء الخامس

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 11 من 141,636 كلمة في هذا الجزء

زيد ليس بعالم أن يكون قد دل هذا على وجود العلم وهذا على عدمه وإذا قال الموحد العالم محدث وقال الملحد هو قديم أن يكون قد دل الموحد على حدوثه والملحد على قدمه وذلك ما لا يقوله عاقل

تقرير لذلك بعبارة أخرى لا يتصور أن تفتقر المعاني المدلول عليها بالجمل المؤلفة إلى دليل يدل عليها زائد على اللفظ كيف وقد أجمع العقلاء على أن العلم بمقاصد الناس في محاوراتهم علم ضرورة ومن ذهب مذهبا يقتضي أن لا يكون الخبر معنى في نفس المتكلم ولكن يكون وصفا للفظ من أجل دلالته على وجود المعنى من الشيء أو فيه أو انتفاء وجوده عنه كان قد نقض منه الأصل الذي قدمناه من حيث يكون قد جعل المعنى المدلول عليه باللفظ لا يعرف إلا بدليل سوى اللفظ

ذاك لأنا لا نعرف وجود المعنى المثبت وانتفاء المنفي باللفظ ولكنا نعلمه بدليل يقوم لنا زائد على اللفظ وما من عاقل إلا وهو يعلم ببديهة النظر أن المعلوم بغير اللفظ لا يكون مدلول اللفظ طريقة أخرى الدلالة على الشيء هي لا محالة إعلامك السامع إياه وليس بدليل ما أنت لا تعلم به مدلولا عليه وإذا كان كذلك وكان مما يعلم ببدائه المعقول أن الناس إنما يكلم بعضهم بعضا ليعرف السامع غرض المتكلم ومقوده فينبغي أن ينظر إلى مقصود المخبر من خبره وما هو أهو أن

يعلم السامع وجود المخبر من المخبر عنه أم أن يعلمه إثبات المعنى المخبر به للمخبر عنه فإن قيل إن المقصود إعلامه السامع وجود المعنى من المخبر عنه فإذا قال ضرب زيد كان مقصوده أن يعلم السامع وجود الضرب من زيد وليس الإثبات إلا إعلامه السامع وجود المعنى قيل له فالكافر إذا أثبت مع الله تعالى عما يقول الظالمون إلها آخر يكون قاصدا أن يعلم نعوذ بالله تعالى أن مع الله تعالى إلها آخر تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وكفى بهذا فضيحة وجملة الأمر أنه

ينبغي أن يقال لهم أتشكون في أنه لا بد من أن يكون لخبر المخبر معنى يعلمه السامع علما لا يكون معه شك ويكون ذلك معنى اللفظ وحقيقته فإذا قالوا لا نشك قيل لهم فما ذلك المعنى فإن قالوا هو وجود المعنى المخبر به من المخبر عنه أو فيه إذا كان الخبر إثباتا وانتفاؤه عنه إذا كان نفيا لم يمكنهم أن يقولوا ذلك إلا من بعد أن يكابروا فيدعوا أنهم إذا سمعوا الرجل يقول خرج زيد علموا علما لا شك معه وجود الخروج من زيد وكيف

يدعون ذلك وهو يقتضي أن يكون الخبر على وفق المخبر عنه أبدا وأن لا يجوز فيه أن يقع على خلاف المخبر عنه وأن يكون العقلاء قد غلطوا حين جعلوا من خاص وصفه أنه يحتمل الصدق والكذب وأن يكون الذي قالوه في أخبار الآحاد

وأخبار التواتر من أن العلم يقع بالتواتر دون الآحاد سهوا منهم ويقتضي الغنى عن المعجزة لأنه إنما احتيج إليها ليحصل العلم بكون الخبر على وفق المخبر عنه فإذا كان لا يكون إلا على وفق المخبر عنه لم تقع الحاجة إلى دليل يدل على كونه كذلك فاعرفه واعلم أنه إنما لزمهم ما قلناه من أن يكون الخبر على وفق المخبر عنه أبدا من حيث إنه إذا كان معنى الخبر عندهم إذا كان إثباتا أنه لفظ موضوع ليدل على وجود المعنى المخبر به من المخبر عنه أو

فيه وجب أن يكون كذلك أبدا وأن لا يصح أن يقال ضرب زيد إلا إذا كان الضرب قد وجد من زيد وكذلك يجب في النفي أن لا يصح أن يقال ما ضرب زيد إلا إذا كان الضرب لم يوجد منه لأن تجويز أن يقال ضرب زيد من غير أن يكون قد كان منه ضرب وأن يقال ما ضرب زيد وقد كان منه ضرب يوجب على أصلهم إخلاء اللفظ من معناه الذي وضع ليدل عليه وذلك ما لا يشك في فساده ولا يلزمنا على أصلنا لأن

معنى اللفظ عندنا هو الحكم بوجود المخبر به من المخبر عنه أو فيه إذا كان الخبر إثباتا والحكم بعدمه إذا كان نفيا واللفظ عندنا لا ينفك من ذلك ولا يخلو منه وذلك لأن قولنا ضرب وما ضرب يدل من قول الكاذب على نفس ما يدل عليه من قول الصادق لأنا إن لم نقل ذلك لم يخل من أن يزعم أن الكاذب يخلي اللفظ من المعنى أو يزعم أنه يجعل للفظ معنى غير ما وضع لهوكلاهما باطل ومعلوم أنه لا يزال يدور في كلام العقلاء في

وصف الكاذب أنه يثبت ما ليس بثابت وينفي ما ليس بمنتف والقول بما قالوه يؤدي إلى أن يكون العقلاء قد قالوا المحال من حيث يجب على أصلهم أن يكونوا قد قالوا إن الكاذب يدل على وجود ما ليس بموجود وعلى عدم ما ليس بمعدوم وكفى بهذا تهافتا وخطلا ودخولا في اللغو من القول وإذا اعتبرنا أصلنا كان تفسيره أن الكاذب يحكم بالوجود فيما ليس بموجود وبالعدم فيما ليس بمعدوم وهو أسد كلام وأحسنه والدليل على أن اللفظ من قول الكاذب يدل على نفس ما يدل

عليه من قول الصادق إنهم جعلوا خاص وصف الخبر أنه يحتمل الصدق والكذب فلولا أن حقيقته فيهما حقيقة واحدة لما كان لحدهم هذا معنى ولا يجوز أن يقال إن الكاذب يأتي بالعبارة على خلاف المعبر عنه لأن ذلك إنما يقال فيمن أراد شيئا ثم أتى بلفظ لا يصلح للذي أراد ولا يمكننا أن نزعم في الكاذب أنه أراد أمرا ثم أتى بعبارة لا تصلح لما أراد

ومما ينبغي أن يحصل في هذا الباب أنهم قد أصلوا في المفعول وكل ما زاد على جزءي الجملة أن يكون زيادة في الفائدة وقد يخيل إلى من ينظر إلى ظاهر هذا من كلامهم أنهم أرادوا بذلك أنك تضم بما تزيده على جزءي الجملة فائدة أخرى وينبني عليه أن ينقطع عن الجملة حتى يتصور أن يكون فائدة على حدة وهو ما لا يعقل إذ لا يتصور في زيد من قولك ضربت زيدا أن يكون شيئا برأسه حتى يكون بتعديتك ضربت إليه قد ضممت فائدة إلى أخرى

وإذا كان ذلك وجب أن يعلم أن الحقيقة في هذا أن الكلام يخرج بذكر المفعول إلى معنى غير الذي كان وأن وزان الفعل قد عدي إلى مفعول معه وقد أطلق فلم يقصد به إلى مفعول دون مفعول وزان الاسم المخصص بالصفة مع الاسم المتروك على شياعه كقولك جاءني رجل ظريف مع قولك جاءني رجل في أنك لست في ذلك كمن يضم معنى إلى معنى وفائدة إلى فائدة ولكن كمن يريد هاهنا شيئا وهناك شيئا آخر فإذا قلت ضربت زيدا كان المعنى غيره إذا قلت ضربت

ولم تزد زيدا وهكذا يكون الأمر أبدا كلما زدت شيئا وجدت المعنى قد صار غير الذي كان ومن أجل ذلك صلح المجازاة بالفعل الواحد إذا أتى به مطلقا في الشرط ومعدى إلى شيء في الجزاء كقوله تعالى إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وقوله عز وجل وإذا بطشتم بطشتم جبارين مع العلم بأن الشرط ينبغي أن يكون غير الجزاء من حيث كان الشرط سببا والجزاء مسببا وأنه محال أن يكون الشيء سببا لنفسه فلولا أن المعنى في أحسنتم الثانية غير المعنى في الأولى وأنها في حكم فعل

ثان لما ساغ ذلك كما لا يسوغ أن تقول إن قمت قمت وإن خرجت خرجت ومثله من الكلام قوله المرء بأصغريه إن قال قال ببيان وإن صال صال بجنان ويجري ذلك في الفعلين قد عديا جميعاإلا أن الثاني منهما قد تعدى إلى شيء زائد على ما تعدى إليه الأول ومثاله قولك إن أتاك زيد أتاك لحاجة وهو أصل كبير والأدلة على ذلك كثيرة ومن أولاها بأن يحفظ أنك ترى البيت قد استحسنه الناس وقضوا لقائله بالفضل فيه وبأنه الذي غاص على معناه بفكره وأنه أبو

عذره ثم لا ترى الحسن وتلك الغرابة كانا إلا لما بناه على الجملة دون نفس الجملة ومثال ذلك قول الفرزدق الطويل وما حملت أم امرىء في ضلوعها أعق من الجاني عليها هجائيا فلولا أن معنى الجملة يصير بالبناء عليها شيئا غير الذي كان ويتغير في ذاته لكان محالا أن يكون البيت بحيث تراه من الحسن والمزية وأن يكون معناه خاصا بالفرزدق وأن يقضي له بالسبق إليه إذ ليس في الجملة التي بني عليها ما يوجب شيئا من ذلك فاعرفه والنكتة التي يجب

أن تراعى في هذا أنه لا تتبين لك صورة المعنى الذي هو معنى الفرزدق إلا عند آخر حرف من البيت حتى إن قطعت عنه قوله هجائيا بل الياء التي هي ضمير الفرزدق لم يكن الذي تعقله منه مما أراده الفرزدق بسبيل لأن غرضه تهويل أمر هجائه والتحذير منه وأن من عرض أمه له كان قد عرضها لأعظم ما يكون من الشر وكذلك حكم نظائره من الشعر فإذا نظرت إلى قول القطامي البسيط فهن ينبذن من قول يصبن به مواقع الماء من ذي الغلة الصادي وجدتك

لا تحصل على معنى يصح أن يقال إنه غرض الشاعر ومعناه إلا عند قوله ذي الغلة ويزيدك استبصارا فيما قلناه أن تنظر فيما كان من الشعر جملا قد عطف بعضها على بعض بالواو كقوله الكامل النشر مسك والوجوه دنانير وأطراف الأكف عنم وذلك أنك ترى الذي تعقله من قوله النشر مسك لا يصير بانضمام قوله والوجوه دنانير إليه شيئا غير الذي كان بل تراه باقيا على حاله كذلك ترى ما تعقل من قوله والوجوه دنانير لا يلحقه تغير بانضمام قوله وأطراف الأكف عنم إليه وإذ

قد عرفت ما قررناه من أن من شأن الجملة أن يصير معناها بالبناء عليها شيئا غير الذي كان وأنه يتغير في ذاته فاعلم أن ما كان من الشعر مثل بيت بشار الطويل كأن مثار النقع فوق رؤوسنا وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه وقول امرىء القيس الطويل كأن قلوب الطير رطبا ويابسا لدى وكرها العناب والحشف البالي وقول زياد الطويل وإنا وما تلقي لنا إن هجوتنا لكالبحر مهما يلق في البحر يغرق كان له مزية على قول الفرزدق فيما ذكرنا لأنك تجد في صدر بيت الفرزدق جملة

تؤدي معنى وإن لم يكن معنى يصح أن يقال إنه معنى فلان ولا تجد في صدر هذه الأبيات ما يصح أن يعد جملة تؤدي معنى فضلا عن أن تؤدي معنى يقال إنه معنى فلان ذاك لأن قوله كأن مثار النقع إلى وأسيافنا جزء واحد وليل تهاوى كواكبه بجملته الجزء الذي ما لم تأت به لم تكن قد أتيت بكلام وهكذا سبيل البيتين الأخيرين فقوله كأن قلوب الطير رطبا ويابسا لدى وكرها جزء وقوله العناب والحشف البالي الجزء الثاني وقوله وإنا وما تلقي لنا إن هجوتنا

جزء وقوله لكالبحر الجزء الثاني وقوله مهما تلق في البحر يغرق وإن كان جملة مستأنفة ليس لها في الظاهر تعلق بقوله لكالبحر فإنها لما كانت مبينة لحال هذا التشبيه صارت كأنها متعلقة بهذا التشبيه وجرى مجرى أن تقول لكالبحر في أنه لا يلقى فيه شيء إلا غرق