ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 3 من 14

دلائل الإعجاز — الجزء الخامس

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 3 من 141,791 كلمة في هذا الجزء

الأجناس إذا كانت في الكلام أن تكون له بها مزية توجب له الفصاحة أم لا ترون ذلك فإن قالوا لا نرى ذلك لم يكلموا وإن قالوا نرى للكلام إذا كانت فيه مزية توجب له الفصاحة قيل لهم فأخبرونا عن تلك المزية أتكون في اللفظ أم في المعنى فإن قالوا في اللفظ دخلوا في الجهالة من حيث يلزم من ذلك أن تكون الكناية والاستعارة والتمثيل أوصافا للفظ لأنه لا يتصور أن تكون مزيتها في اللفظ حتى تكون أوصافا له وذلك محال من حيث يعلم كل عاقل

أنه لا يكنى باللفظ عن اللفظ وأنه إنما يكنى بالمعنى عن المعنى وكذلك يعلم أنه لا يستعار اللفظ مجردا عن المعنى ولكن يستعار المعنى ثم اللفظ يكون تبع المعنى على ما قدمنا الشرح فيه ويعلم كذلك أنه محال أن يضرب المثل باللفظ وأن يكون قد ضرب لفظ أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى مثلا لتردده في أمر البيعة وإن قالوا هي في المعنى قيل لهم فهو

ما أردناكم عليه فدعوا الشك عنكم وانتبهوا من رقدتكم فإنه علم ضروري قد أدى التقسيم إليه وكل علم كان كذلك فإنه يجب القطع على كل سؤال يسأل فيه بأنه خطأ وأن السائل ملبوس عليه ثم إن الذي يعرف به وجه دخول الغلط عليهم في قولهم إنه لو كان الكلام يكون فصيحا من أجل مزية تكون في معناه لوجب أن يكون تفسيره فصيحا مثله هو أنك إذا نظرت إلى كلامهم هذا وجدتهم كأنهم قالوا إنه لو كان الكلام إذا كان فيه كناية أو استعارة أو تمثيل

كان لذلك فصيحا لوجب أن يكون إذا لم توجد فيه هذه المعاني فصيحا أيضا ذاك لأن تفسير الكناية أن نتركها ونصرح بالمكنى عنه فنقول إن المعنى في قولهم هو كثير رماد القدر أنه كثير القرى وكذلك الحكم في الاستعارة فإن تفسيرها أن نتركها ونصرح بالتشبيه فنقول في رأيت أسدا إن المعنى رأيت رجلا يساوي الأسد في الشجاعة وكذلك الأمر في التمثيل لأن تفسيره أن نذكر المتمثل له فنقول في قوله أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى إن المعنى أنه قال أراك تتردد في أمر البيعة فتقول

تارة أفعل وتارة لا أفعل كمن يريد الذهاب في وجه فتريه نفسه تارة أن الصواب في أن يذهب وأخرى أنه في أن لا يذهب فيقدم رجلا ويؤخر أخرى وهذا خروج عن المعقول لأنه بمنزلة أن تقول لرجل قد نصب لوصف علة إن كان هذا الوصف يجب لهذه العلة فينبغي أن يجب مع عدمها ثم إن الذي استهواهم هو أنهم نظروا إلى تفسير ألفاظ اللغة بعضها ببعض فلما رأوا اللفظ إذا فسر بلفظ

مثل أن يقال في الشرجب إنه الطويل لم يجز أن يكون في المفسر من حيث المعنى مزية لا تكون في التفسير ظنوا أن سبيل ما نحن فيه ذلك السبيل وذلك غلط منهم لأنهم إنما كان للمفسر فيما نحن فيه الفضل والمزية على التفسير من حيث كانت الدلالة في المفسر دلالة معنى وفي التفسير دلالة لفظ على معنى وكان من المركوز في الطباع والراسخ في غرائز العقول أنه متى أريد الدلالة على معنى فترك أن يصرح به ويذكر باللفظ الذي هو له في اللغة وعمد إلى

معنى آخر فأشير به إليه وجعل دليلا عليه كان للكلام بذلك حسن ومزية لا يكونان إذا لم يصنع ذلك وذكر بلفظه صريحا ولا يكون هذا الذي ذكرت أنه سبب فضل المفسر على التفسير من كون الدلالة في المفسر دلالة معنى على معنى وفي التفسير معنى معلوم يعرفه السامع وهو غير معنى لفظ التفسير في نفسه وحقيقته كما ترى من أن الذي هو معنى اللفظ في قولهم هو كثير رماد القدر غير الذي هو معنى اللفظ في قولهم هو كثير القرى ولو لم يكن كذلك لم

يتصور أن يكون هاهنا دلالة معنى على معنى وإذ قد عرفت هذه الجملة فقد حصل لنا منها أن المفسر يكون له دلالتان دلالة اللفظ على المعنى ودلالة المعنى الذي دل اللفظ عليه على معنى لفظ آخر ولا يكون للتفسير إلا دلالة واحدة وهي دلالة اللفظ وهذا الفرق هو سبب أن كان للمفسر الفضل والمزية على التفسير ومحال أن يكون هذا قضية المفسر في ألفاظ اللغة ذاك لأن معنى المفسر يكون مجهولا عند السامع ومحال أن يكون للمجهول دلالة ثم إن معنى المفسر يكون هو معنى

التفسير بعينه ومحال إذا كان المعنى واحدا أن يكون للمفسر فضل على التفسير لأن الفضل كان في مسألتنا بأن دل لفظ المفسر على معنى ثم دل معناه على معنى آخر وذلك لا يكون مع كون المعنى واحدا ولا يتصور بيان هذا أنه محال أن يقال إن معنى الشرجب الذي هو المفسر يكون دليلا على معنى تفسيره الذي هو الطويل على وزان قولنا إن معنى كثير رماد القدر يدل على معنى تفسيره الذي هو كثير القرى لأمرين أحدهما أنك لا تفسر الشرجب حتى يكون معناه مجهولا

عند السامع ومحال أن يكون للمجهول دلالة والثاني أن المعنى في تفسيرنا الشرجب بالطويل أن نعلم السامع أن معناه هو معنى الطويل بعينه وإذا كان كذلك كان محالا أن يقال إن معناه يدل على معنى الطويل والذي يعقل أن يقال إن معناه هو معنى الطويل فاعرف ذلك وانظر إلى لعب الغفلة بالقوم وإلى ما رأوا في منامهم من الأحلام الكاذبة ولو أنهم تركوا الاستنامة إلى التقليد والأخذ

بالهوينا وترك النظر وأشعروا قلوبهم أن هاهنا كلاما ينبغي أن يصغى إليه لعلموا ولعاد إعجابهم بأنفسهم في سؤالهم هذا وفي سائر أقوالهم عجبا منها ومن تطويح الظنون بها وإذ قد بان سقوط ما اعترض به القوم وفحش غلطهم فينبغي أن تعلم أن ليست المزايا التي تجدها لهذه الأجناس على الكلام المتروك على ظاهره والمبالغة التي تحسها في أنفس المعاني التي يقصد المتكلم بخبره إليها ولكنها في طريق إثباته لها وتقريره إياها وأنك إذا سمعتهم يقولون إن من شأن هذه الأجناس أن تكسب المعاني مزية وفضلا

وتوجب لها شرفا ونبلا وأن تفخمها في نفوس السامعين لا يعنون أنفس المعاني التي يقصد المتكلم بخبره إليها كالقرى والشجاعة والتردد في الرأي وإنما يعنون إثباتها لما تثبت له ويخبر بها عنه فإذا جعلوا للكناية مزية على التصريح لم يجعلوا تلك المزية في المعنى المكنى عنه ولكن في إثباته للذي ثبت له وذلك أنا نعلم أن المعاني التي يقصد الخبر بها لا تتغير في أنفسها بأن يكنى عنها بمعان سواها ويترك أن تذكر الألفاظ التي هي لها في اللغة ومن هذا الذي يشك أن معنى

طول القامة وكثرة القرى لا يتغيران بأن يكنى عنهما بطول النجاد وكثرة رماد القدر وتقدير التغيير فيهما يؤدي إلى أن لا تكون الكناية عنهما ولكن عن غيرهما وقد ذكرت هذا في صدر الكتاب وذكرت أن السبب في أن كان يكون للإثبات إذا كان من طريق الكناية مزية لا تكون إذا كان من طريق التصريح أنك إذا كنيت عن كثرة القرى بكثرة رماد القدر كنت قد أثبت كثرة القرى بإثبات شاهدها ودليلها وما هو علم على وجودها وذلك لا محالة يكون أبلغ من إثباتها بنفسها وذلك

لأنه يكون سبيلها حينئذ سبيل الدعوى تكون مع شاهد وذكرت أن السبب في أن كانت الاستعارة أبلغ من الحقيقة أنك إذا ادعيت للرجل أنه أسد بالحقيقة كان ذلك أبلغ وأشد في تسويته بالأسد في الشجاعة وذاك لأنه أن يكون من الأسود ثم لا تكون له شجاعة الأسود وكذلك الحكم في التمثيل فإذا قلت أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى كان أبلغ في إثبات التردد له من أن تقول أنت كمن يقدم رجلا ويؤخر أخرى واعلم أنه قد يهجس في نفس الإنسان شيء يظن من أجله أنه

ينبغي أن يكون الحكم في المزية التي تحدث بالاستعارة أنها تحدث في المثبت دون الإثبات وذلك أن تقول إنا إذا نظرنا إلى الاستعارة وجدناها إنما كانت أبلغ من أجل أنها تدل على قوة الشبه وأنه قد تناهى إلى أن صار المشبه لا يتميز عن المشبه به في المعنى الذي من أجله شبه به وإذا كان كذلك كانت المزية الحادثة بها حادثة في الشبه وإذا كانت حادثة في الشبه كانت في المثبت دون الإثبات والجواب عن ذلك أن يقال إن الاستعارة لعمري تقتضي قوة الشبه وكونه

بحيث لا يتميز المشبه عن المشبه به ولكن ليس ذاك سبب المزية وذلك لأنه لو كان ذاك سبب المزية لكان ينبغي إذا جئت به صريحا فقلت رأيت رجلا مساويا للأسد في الشجاعة وبحيث لولا صورته لظننت أنك رأيت أسدا وما شاكل ذلك من ضروب المبالغة أن تجد لكلامك المزية التي تجدها لقولك أسدا وليس يخفى على عاقل أن ذلك لا يكون فإن قال قائل إن المزية من أجل أن المساواة تعلم في رأيت أسدا من طريق المعنى وفي رأيت رجلا مساويا للأسد من طريق اللفظ

قيل قد قلنا فيما تقدم إنه محال أن يتغير حال المعنى في نفسه بأن يكنى عنه بمعنى آخر وأنه لا يتصور أن يتغير معنى طول القامة بأن يكنى عنه بطول النجاد ومعنى كثرة القرى بأن يكنى عنه بكثرة الرماد وكما أن ذلك لا يتصور فكذلك لا يتصور أن يتغير معنى مساواة الرجل الأسد في الشجاعة بأن يكنى عن ذلك ويدل عليه بأن تجعله أسدا فأنت الآن إذا نظرت إلى قوله البسيط فأسبلت لؤلؤا من نرجس وسقت وردا وعضت على العناب بالبرد فرأيته قد أفادك أن

الدمع كان لا يحرم من شبه اللؤلؤ والعين من شبه النرجس شيئا فلا تحسبن أن الحسن الذي تراه والأريحية التي تجدها عنده أنه أفادك ذلك فسحب وذاك أنك تستطيع أن تجيء به صريحا فتقول فأسبلت دمعا كأنه اللؤلؤ عينه من عين كأنها النرجس حقيقة ثم لا ترى من ذلك الحسن شيئا ولكن اعلم أن سبب أن راقك وأدخل الأريحية عليك أنه أفادك في إثبات شدة الشبه مزية وأوجدك فيه خاصة قد غرز في طبع الإنسان أن يرتاح لها ويجد في نفسه هزة عندها وهكذا حكم

نظائره كقول أبي نواس السريع يبكي فيذري الدر عن نرجس ويلطم الورد بعناب وقول المتنبي الوافر بدت قمرا ومالت خوط بان وفاحت عنبرا ورنت غزالا وأعلم أن من شأن الاستعارة أنك كلما زدت إرادتك التشبيه إخفاء ازدادت الاستعارة حسنا حتى إنك تراها أغرب ما تكون إذا كان الكلام قد ألف تأليفا إن أردت أن تفصح فيه بالتشبيه خرجت إلى شيء تعافه النفس ويلفظه السمع ومثال ذلك قول ابن المعتز مجزوء الرمل أثمرت أغصان راحته بجنان الحسن عنابا ألا ترى أنك لو حملت نفسك على أن

تظهر التشبيه وتفصح به احتجت إلى أن تقول أثمرت أصابع يده التي هي كالأغصان لطالبي الحسن شبيه العناب من أطرافها المخضوبة وهذا ما تخفى غثاثته ومن أجل ذلك كان موقع العناب في هذا البيت أحسن منه في قوله وعضت على العناب بالبرد وذاك لأن إظهار التشبيه فيه لا يقبح هذا القبح المفرط لأنك لو قلت وعضت على

أطراف أصابع كالعناب بثغر كالبرد كان شيئا يتكلم بمثله وإن كان مرذولا وهذا موضع لا يتبين سره إلا من كان ملتهب الطبع حاد القريحة وفي الاستعارة علم كثير ولطائف معان ودقائق فروق وسنقول فيها إن شاء الله في موضع آخر واعلم أنا أخذنا في الجواب عن قولهم إنه لو كان الكلام يكون فصيحا من أجل مزية تكون في معناه لكان ينبغي أن يكون تفسيره فصيحا مثله قلنا إن الكلام الفصيح ينقسم قسمين قسم تعزى المزية فيه إلى اللفظ وقسم تعزى فيه إلى النظم وقد ذكرنا

في القسم الأول من الحجج ما لا يبقى معه لعاقل إذا هو تأملها شك في بطلان ما تعلقوا به من أنه يلزمنا في قولنا إن الكلام يكون فصيحا من أجل مزية تكون في معناه أن يكون تفسير الكلام الفصيح فصيحا مثله وأنه تهوس منهم وتقحم في المحالات وأما القسم الذي تعزى فيه المزية إلى النظم فإنهم إن ظنوا أن سؤالهم الذي اغتروا به يتجه لهم فيه كان أمرهم أعجب وكان جهلهم في ذلك أغرب وذلك أن النظم كما بيناه هو توخي معاني النحو وأحكامه وفروقه