وغداة ريح قد كشفت وقرة إذ أصبحت بيد الشمال زمامها ذاك أنه ليس هاهنا شيء يزعم أنه شبهه باليد حتى يكون لفظ اليد مستعارا له وكذلك ليس فيه شيء يتوهم أن يكون قد شبهه بالزمام وإنما المعنى على أنه شبه الشمال في تصريفها الغداة على طبيعتها بالإنسان يكون زمام البعير في يده فهو يصرفه على إرادته ولما أراد ذلك جعل للشمال يدا وعلى الغداة زماما وقد شرحت هذا قبل شرحا شافيا وليس هذا الضرب من الاستعارة بدون الضرب الأول من إيجاب وصف الفصاحة للكلام لا
بل هو أقوى منه في اقتضائها والمحاسن التي تظهر به والصور التي تحدث للمعاني بسببه آنق وأعجب وإن أردت أن تزداد علما بالذي ذكرت لك من أمره فانظر إلى قوله الرجز سقته كف الليل أكؤس الكرى وذلك أنه ليس يخفى على عاقل أنه لم يرد أن يشبه شيئا بالكف ولا أراد ذلك في الأكؤس ولكن لما كان يقال سكر الكرى وسكر النوم واستعار للكرى الأكؤس كما استعار الآخر الكأس في قوله البسيط وقد سقى القوم كأس النعسة السهر ثم إنه لما كان الكرى يكون في
الليل جعل الليل ساقيا ولما جعله ساقيا جعل له كفا إذ كان الساقي يناول الكأس بالكف ومن اللطيف النادر في ذلك ما تراه في آخر هذه الأبيات وهي للحكم بن قنبر الطويل
ولولا اعتصامي بالمنى كلما بدا لي اليأس منها لم يقم بالهوى صبري ولولا انتظاري كل يوم جدا غد لراح بنعشي الدافنون إلى قبري وقد رابني وهن المنى وانقباضها وبسط جديد اليأس كفيه في صدري ليس المعنى على أنه استعار لفظ الكفين لشيء ولكن على أنه أراد أن يصف اليأس بأنه قد غلب على نفسه وتمكن في صدره ولما أراد ذلك وصفه بما يصفون به الرجل بفضل القدرة على الشيء وبأنه متمكن منه وأنه يفعل فيه كل ما يريد كقولهم قد بسط يديه في المال ينفقه
وصنع فيه ما يشاء وقد بسط العامل يده في الناحية وفي ظلم الناس فليس لك إلا أن تقول إنه لما أراد ذلك جعل لليأس كفين واستعارهما له فأما أن توقع الاستعارة فيه على اللفظ فمما لا تخفى استحالته على عاقل والقول في المجاز هو القول في الاستعارة لأنه ليس هو بشيء غيرها وإنما الفرق أن المجاز أعم من حيث إن كل استعارة مجاز وليس كل مجاز استعارة وإذا نظرنا من المجاز فيما لا يطلق عليه أنه استعارة ازداد خطأ القوم قبحا وشناعة وذلك أنه يلزم
على قياس قولهم أن يكون إنما قوله تعالى هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا أفصح من أصله الذي هو قولنا والنهار لتبصروا أنتم فيه أو مبصرا أنتم فيه من أجل أنه حدث في حروف مبصر بأن جعل الفعل للنهار على سعة الكلام وصف لم يكن وكذلك يلزم أن يكون السبب في أن كان قول الشاعر الرجز فنام ليلي وتجلى همي أفصح من قولنا فنمت في ليلي أن كسب هذا المجاز لفظ الليل مذاقة لم تكن لهما وهذا مما ينبغي للعاقل أن يستحي
منه وأن يأنف من أن يهمل النظر إهمالا يؤديه إلى مثله ونسأل الله تعالى العصمة والتوفيق وإذا قد عرفت ما لزمهم في الاستعارة والمجاز فالذي يلزمهم في الإيجاز أعجب وذلك أنه يلزمهم إن كان اللفظ فصيحا لأمر يرجع إليه نفسه دون معناه أن يكون كذلك موجزا
لأمر يرجع إلى نفسه وذلك من المحال الذي يضحك منه لأنه لا معنى للإيجاز إلا أن يدل بالقليل من اللفظ على الكثير من المعنى وإذ لم تجعله وصفا للفظ من أجل معناه أبطلت معناه أعني أبطلت معنى الإيجاز ثم إن هاهنا معنى شريفا قد كان ينبغي أن نكون قد ذكرناه في أثناء ما مضى من كلامنا وهو أن العاقل إذا نظر علم علم ضرورة أنه لا سبيل له إلى أن يكثر معاني الألفاظ أو يقللها لأن المعاني المودعة في الألفاظ لا تتغير على الجملة عما
أراده واضع اللغة وإذا ثبت ظهر منه أنه لا معنى لقولنا كثرة المعنى مع قلة اللفظ غير أن المتكلم يتوصل بدلالة المعنى على المعنى إلى فوائد لو أنه أراد الدلالة عليها باللفظ لاحتاج إلى لفظ كثير واعلم أن القول الفاسد والرأي المدخول إذا كان صدوره عن قوم لهم نباهة وصيت وعلو منزلة في أنواع من العلوم غير العلم الذي قالوا ذلك القول فيه ثم وقع في الألسن فتداولته ونشرته وفشا وظهر وكثر الناقلون له والمشيدون بذكره وصار ترك النظر فيه سنة والتقليد دينا ورأيت الذين
هم أهل ذلك العلم وخاصته والممارسون له والذين هم خلقاء أن يعرفوا وجه الغلط والخطأ فيه لو أنهم نظروا فيه كالأجانب الذين ليسوا من أهله في قبوله والعمل به والركون إليه ووجدتهم قد أعطوه مقادتهم وألانوا له جانبهم أو أوهمهم النظر إلى منتماه ومنتسبه ثم اشتهاره وانتشاره وإطباق الجمع بعد الجمع عليه أن الضن به أصوب والمحاماة عليه أولى ولربما بل كلما ظنوا أنه لم يشع ولم يتسع ولم يروه خلف عن سلف وأخر عن أول إلا لأن له أصلا صحيحا وأنه أخذ من معدن
صدق واشتق من نبعة كريمة وأنه لو كان مدخولا لظهر الدخل الذي فيه على تقادم الزمان وكرور الأيام وكم من خطأ ظاهر ورأي فاسد حظي بهذا السبب عند الناس حتى بوؤوه في أخص موضع من قلوبهم ومنحوه المحبة الصادقة من نفوسهم وعطفوا عليه عطف الأم على واحدها وكم من داء دوي قد استحكم بهذه العلة حتى أعيا علاجه وحتى بعل به الطبيب ولولا سلطان هذا الذي وصفت على الناس ون له أخذة تمنع القلوب عن التدبر وتقطع عنها دواعي التفكر لما كان لهذا الذي ذهب
إليه القوم في أمر اللفظ هذا التمكن وهذه القوة
ولا كان يرسخ في النفوس هذا الرسوخ وتتشعب عروقه هذا التشعب مع الذي بان من تهافته وسقوطه وفحش الغلط فيه وأنك لا ترى في أديمه من أين نظرت وكيف صرفت وقلبت مصحا ولا تراه باطلا فيه شوب من الحق وزيفا فيه شيء من الفضة ولكن ترى الغش بحتا والغلط صرفا ونسأل الله التوفيق وكيف لا يكون في إسار الأخذة ومحولا بينه وبين الفكرة من يسلم أن الفصاحة لا تكون في أفراد الكلمات وأنها إنما تكون فيها إذا ضم بعضها إلى بعض ثم لا يعلم أن
ذلك يقتضي أن تكون وصفا لها من أجل معانيها لا من أجل أنفسها ومن حيث هي ألفاظ ونطق لسان ذاك لأنه ليس من عاقل يفتح عين قلبه إلا وهو يعلم ضرورة أن المعنى في ضم بعضها إلى بعض تعليق بعضها ببعض وجعل بعضها بسبب من بعض لا أن ينطق ببعضها في إثر بعض من غير أن يكون فيما بينها تعلق ويعلم كذلك ضرورة إذا فكر أن التعلق يكون فيما بين معانيها لا فيما بينها أنفسها ألا ترى أنا لو جهدنا كل الجهد أن نتصور تعلقا
فيما بين لفظين لا معنى تحتهما لم نتصور ومن أجل ذلك انقسمت الكلم قسمين مؤتلف وهو الاسم مع الاسم والفعل مع الاسم وغير مؤتلف وهو ما عدا ذلك كالفعل مع الفعل والحرف مع الحرف ولو كان التعلق يكون بين الألفاظ لكان ينبغي أن لا يختلف حالها في الائتلاف وأن لا يكون في الدنيا كلمتان إلا ويصح أن يأتلفا لأنه لا تنافي بينهما من حيث هي ألفاظ وإذا كان كل واحد منهم قد أعطى يده بأن الفصاحة لا تكون في الكلم أفرادا وأنها إنما تكون إذا
ضم بعضها إلى بعض وكان يكون المراد بضم بعضها إلى بعض تعليق معانيها بعضها ببعض لا كون بعضها في النطق على أثر بعض وكان واجبا إذا علم ذلك أن يعلم أن الفصاحة تجب لها من أجل معانيها لا من أجل أنفسها لأنه محال أن يكون سبب ظهور الفصاحة فيها تعلق معانيها بعضها ببعض ثم تكون الفصاحة وصفا يجب لها لأنفسها لا لمعانيها وإذا كان العلم بهذا ضرورة ثم رأيتهم لا يعلمونه فليس إلا أن اعتزامهم على التقليد قد حال بينهم بين الفكرة وعرض لهم منه
شبه الأخذة واعلم أنك إذا نظرت وجدت مثلهم مثل من يرى خيال الشيء فيحسبه الشيء وذاك أنهم قد اعتمدوا في كل أمرهم على النسق الذي يرونه في الألفاظ وجعلوا لا يحفلون بغيره ولا يعولون في الفصاحة والبلاغة على شيء سواه حتى انتهوا إلى أن زعموا أن من عمد إلى شعر فصيح فقرأه ونطق بألفاظه على النسق الذي وضعها الشاعر عليه كان قد أتى بمثل ما أتى به الشاعر في فصاحته وبلاغته إلا أنهم زعموا أنه يكون في إتيانه به محتذيا لا مبتدئا ونحن إذا تأملنا
وجدنا الذي يكون في الألفاظ من تقديم شيء منها على شيء
إنما يقع في النفس أنه نسق إذا اعتبرنا ما توخي من معاني النحو في معانيها فأما مع ترك اعتبار ذلك فلا يقع ولا يتصور بحال أفلا ترى أنك لو فرضت في قوله قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل أن لا يكون نبك جوابا للأمر ولا يكون معدى بمن إلى ذكرى ولا يكون ذكرى مضافة إلى حبيب ولا يكون منزل معطوفا بالواو على حبيب لخرج ما ترى فيه من التقديم والتأخير عن أن يكون نسقا ذاك لأنه إنما يكون تقديم الشيء على الشيء نسقا وترتيبا إذا
كان التقديم قد كان لموجب أوجب أن يقدم هذا ويؤخر ذاك فأما أن يكون مع عدم الموجب نسقا فمحال لأنه لو كان يكون تقديم اللفظ على اللفظ من غير أن يكون له موجب نسقا لكان ينبغي أن يكون توالي الألفاظ في النطق على أي وجه كان نسقا حتى إنك لو قلت نبك قفا حبيب ذكرى من لم تكن قد أعدمته النسق والنظم وإنما أعدمته الوزن فقط وقد تقدم هذا فيما مضى ولكنا أعدناه هاهنا لأن الذي أخذنا فيه من إسلام القوم أنفسهم إلى التقليد اقتضى
إعادته واعلم أن الاحتذاء عند الشعراء وأهل العلم بالشعر وتقديره وتمييزه أن يبتدئىء الشاعر في معنى له وغرض أسلوبا والأسلوب الضرب من النظم والطريقة فيه فيعمد شاعر آخر إلى ذلك الأسلوب فيجيء به في شعره فيشبه بمن يقطع من أديمه نعلا على مثال نعل قد قطعها صاحبها فيقال قد احتذى على مثاله وذلك مثل أن الفرزدق قال الطويل أترجو ربيع أن تجيء صغارها بخير وقد أعيا ربيعا كبارها
واحتذاه البعيث فقال الطويل أترجو كليب أن يجيء حديثها بخير وقد أعيا كليبا قديمها وقالوا إن الفرزدق لما سمع هذا البيت قال من الوافر إذا ما قلت قافية شرودا تنحلها ابن حمراء العجان ومثل ذلك أن البعيث قال في هذه القصيدة الطويل كليب لئام الناس قد يعلمونه وأنت إذا عدت كليب لئيمها وقال البحتري الطويل بنو هاشم في كل شرق ومغرب كرام بني الدنيا وأنت كريمها وحكى العسكري في صنعة الشعر أن ابن الرومي قال قال لي البحتري قول أبي نواس الطويل ولم أدر من
هم غير ما شهدت لهم بشرقي ساباط الديار البسابس مأخوذ من قول أبي خراش الهذلي الطويل
ولم أدر من ألقى عليه رداءه سوى أنه قد سل من ماجد محض قال فقلت قد اختلف المعنى فقال أما ترى حذو الكلام حذوا واحدا وهذا الذي كتبت من حلي الأخذ في الحذو ومما هو في حد الخفي قول البحتري الطويل ولن ينقل الحساد مجدك بعدما تمكن رضوى واطمأن متالع وقول أبي تمام الكامل ولقد جهدتم أن تزيلوا عزه فإذا أبان قد رسا ويلملم قد احتذى كل واحد منهما على قول الفرزدق الكامل فادفع بكفك إن أردت بناءنا ثهلان ذا الهضبات هل يتحلحل وجملة الأمر
أنهم لا يجعلون الشاعر محتذيا إلا بما يجعلونه به آخذا ومسترقا قال ذو الرمة الوافر وشعر قد أرقت له غريب أجنبه المساند والمحالا فبت أقيمه وأقد منه قوافي لا أريد لها مثالا قال يقول لا أحذوها على شيء سمعته فأما أن يجعل إنشاد الشعر وقراءته احتذاء فمما لا يعلمونه كيف