ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 5 من 14

دلائل الإعجاز — الجزء الخامس

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 5 من 141,762 كلمة في هذا الجزء

وغداة ريح قد كشفت وقرة إذ أصبحت بيد الشمال زمامها ذاك أنه ليس هاهنا شيء يزعم أنه شبهه باليد حتى يكون لفظ اليد مستعارا له وكذلك ليس فيه شيء يتوهم أن يكون قد شبهه بالزمام وإنما المعنى على أنه شبه الشمال في تصريفها الغداة على طبيعتها بالإنسان يكون زمام البعير في يده فهو يصرفه على إرادته ولما أراد ذلك جعل للشمال يدا وعلى الغداة زماما وقد شرحت هذا قبل شرحا شافيا وليس هذا الضرب من الاستعارة بدون الضرب الأول من إيجاب وصف الفصاحة للكلام لا

بل هو أقوى منه في اقتضائها والمحاسن التي تظهر به والصور التي تحدث للمعاني بسببه آنق وأعجب وإن أردت أن تزداد علما بالذي ذكرت لك من أمره فانظر إلى قوله الرجز سقته كف الليل أكؤس الكرى وذلك أنه ليس يخفى على عاقل أنه لم يرد أن يشبه شيئا بالكف ولا أراد ذلك في الأكؤس ولكن لما كان يقال سكر الكرى وسكر النوم واستعار للكرى الأكؤس كما استعار الآخر الكأس في قوله البسيط وقد سقى القوم كأس النعسة السهر ثم إنه لما كان الكرى يكون في

الليل جعل الليل ساقيا ولما جعله ساقيا جعل له كفا إذ كان الساقي يناول الكأس بالكف ومن اللطيف النادر في ذلك ما تراه في آخر هذه الأبيات وهي للحكم بن قنبر الطويل

ولولا اعتصامي بالمنى كلما بدا لي اليأس منها لم يقم بالهوى صبري ولولا انتظاري كل يوم جدا غد لراح بنعشي الدافنون إلى قبري وقد رابني وهن المنى وانقباضها وبسط جديد اليأس كفيه في صدري ليس المعنى على أنه استعار لفظ الكفين لشيء ولكن على أنه أراد أن يصف اليأس بأنه قد غلب على نفسه وتمكن في صدره ولما أراد ذلك وصفه بما يصفون به الرجل بفضل القدرة على الشيء وبأنه متمكن منه وأنه يفعل فيه كل ما يريد كقولهم قد بسط يديه في المال ينفقه

وصنع فيه ما يشاء وقد بسط العامل يده في الناحية وفي ظلم الناس فليس لك إلا أن تقول إنه لما أراد ذلك جعل لليأس كفين واستعارهما له فأما أن توقع الاستعارة فيه على اللفظ فمما لا تخفى استحالته على عاقل والقول في المجاز هو القول في الاستعارة لأنه ليس هو بشيء غيرها وإنما الفرق أن المجاز أعم من حيث إن كل استعارة مجاز وليس كل مجاز استعارة وإذا نظرنا من المجاز فيما لا يطلق عليه أنه استعارة ازداد خطأ القوم قبحا وشناعة وذلك أنه يلزم

على قياس قولهم أن يكون إنما قوله تعالى هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا أفصح من أصله الذي هو قولنا والنهار لتبصروا أنتم فيه أو مبصرا أنتم فيه من أجل أنه حدث في حروف مبصر بأن جعل الفعل للنهار على سعة الكلام وصف لم يكن وكذلك يلزم أن يكون السبب في أن كان قول الشاعر الرجز فنام ليلي وتجلى همي أفصح من قولنا فنمت في ليلي أن كسب هذا المجاز لفظ الليل مذاقة لم تكن لهما وهذا مما ينبغي للعاقل أن يستحي

منه وأن يأنف من أن يهمل النظر إهمالا يؤديه إلى مثله ونسأل الله تعالى العصمة والتوفيق وإذا قد عرفت ما لزمهم في الاستعارة والمجاز فالذي يلزمهم في الإيجاز أعجب وذلك أنه يلزمهم إن كان اللفظ فصيحا لأمر يرجع إليه نفسه دون معناه أن يكون كذلك موجزا

لأمر يرجع إلى نفسه وذلك من المحال الذي يضحك منه لأنه لا معنى للإيجاز إلا أن يدل بالقليل من اللفظ على الكثير من المعنى وإذ لم تجعله وصفا للفظ من أجل معناه أبطلت معناه أعني أبطلت معنى الإيجاز ثم إن هاهنا معنى شريفا قد كان ينبغي أن نكون قد ذكرناه في أثناء ما مضى من كلامنا وهو أن العاقل إذا نظر علم علم ضرورة أنه لا سبيل له إلى أن يكثر معاني الألفاظ أو يقللها لأن المعاني المودعة في الألفاظ لا تتغير على الجملة عما

أراده واضع اللغة وإذا ثبت ظهر منه أنه لا معنى لقولنا كثرة المعنى مع قلة اللفظ غير أن المتكلم يتوصل بدلالة المعنى على المعنى إلى فوائد لو أنه أراد الدلالة عليها باللفظ لاحتاج إلى لفظ كثير واعلم أن القول الفاسد والرأي المدخول إذا كان صدوره عن قوم لهم نباهة وصيت وعلو منزلة في أنواع من العلوم غير العلم الذي قالوا ذلك القول فيه ثم وقع في الألسن فتداولته ونشرته وفشا وظهر وكثر الناقلون له والمشيدون بذكره وصار ترك النظر فيه سنة والتقليد دينا ورأيت الذين

هم أهل ذلك العلم وخاصته والممارسون له والذين هم خلقاء أن يعرفوا وجه الغلط والخطأ فيه لو أنهم نظروا فيه كالأجانب الذين ليسوا من أهله في قبوله والعمل به والركون إليه ووجدتهم قد أعطوه مقادتهم وألانوا له جانبهم أو أوهمهم النظر إلى منتماه ومنتسبه ثم اشتهاره وانتشاره وإطباق الجمع بعد الجمع عليه أن الضن به أصوب والمحاماة عليه أولى ولربما بل كلما ظنوا أنه لم يشع ولم يتسع ولم يروه خلف عن سلف وأخر عن أول إلا لأن له أصلا صحيحا وأنه أخذ من معدن

صدق واشتق من نبعة كريمة وأنه لو كان مدخولا لظهر الدخل الذي فيه على تقادم الزمان وكرور الأيام وكم من خطأ ظاهر ورأي فاسد حظي بهذا السبب عند الناس حتى بوؤوه في أخص موضع من قلوبهم ومنحوه المحبة الصادقة من نفوسهم وعطفوا عليه عطف الأم على واحدها وكم من داء دوي قد استحكم بهذه العلة حتى أعيا علاجه وحتى بعل به الطبيب ولولا سلطان هذا الذي وصفت على الناس ون له أخذة تمنع القلوب عن التدبر وتقطع عنها دواعي التفكر لما كان لهذا الذي ذهب

إليه القوم في أمر اللفظ هذا التمكن وهذه القوة

ولا كان يرسخ في النفوس هذا الرسوخ وتتشعب عروقه هذا التشعب مع الذي بان من تهافته وسقوطه وفحش الغلط فيه وأنك لا ترى في أديمه من أين نظرت وكيف صرفت وقلبت مصحا ولا تراه باطلا فيه شوب من الحق وزيفا فيه شيء من الفضة ولكن ترى الغش بحتا والغلط صرفا ونسأل الله التوفيق وكيف لا يكون في إسار الأخذة ومحولا بينه وبين الفكرة من يسلم أن الفصاحة لا تكون في أفراد الكلمات وأنها إنما تكون فيها إذا ضم بعضها إلى بعض ثم لا يعلم أن

ذلك يقتضي أن تكون وصفا لها من أجل معانيها لا من أجل أنفسها ومن حيث هي ألفاظ ونطق لسان ذاك لأنه ليس من عاقل يفتح عين قلبه إلا وهو يعلم ضرورة أن المعنى في ضم بعضها إلى بعض تعليق بعضها ببعض وجعل بعضها بسبب من بعض لا أن ينطق ببعضها في إثر بعض من غير أن يكون فيما بينها تعلق ويعلم كذلك ضرورة إذا فكر أن التعلق يكون فيما بين معانيها لا فيما بينها أنفسها ألا ترى أنا لو جهدنا كل الجهد أن نتصور تعلقا

فيما بين لفظين لا معنى تحتهما لم نتصور ومن أجل ذلك انقسمت الكلم قسمين مؤتلف وهو الاسم مع الاسم والفعل مع الاسم وغير مؤتلف وهو ما عدا ذلك كالفعل مع الفعل والحرف مع الحرف ولو كان التعلق يكون بين الألفاظ لكان ينبغي أن لا يختلف حالها في الائتلاف وأن لا يكون في الدنيا كلمتان إلا ويصح أن يأتلفا لأنه لا تنافي بينهما من حيث هي ألفاظ وإذا كان كل واحد منهم قد أعطى يده بأن الفصاحة لا تكون في الكلم أفرادا وأنها إنما تكون إذا

ضم بعضها إلى بعض وكان يكون المراد بضم بعضها إلى بعض تعليق معانيها بعضها ببعض لا كون بعضها في النطق على أثر بعض وكان واجبا إذا علم ذلك أن يعلم أن الفصاحة تجب لها من أجل معانيها لا من أجل أنفسها لأنه محال أن يكون سبب ظهور الفصاحة فيها تعلق معانيها بعضها ببعض ثم تكون الفصاحة وصفا يجب لها لأنفسها لا لمعانيها وإذا كان العلم بهذا ضرورة ثم رأيتهم لا يعلمونه فليس إلا أن اعتزامهم على التقليد قد حال بينهم بين الفكرة وعرض لهم منه

شبه الأخذة واعلم أنك إذا نظرت وجدت مثلهم مثل من يرى خيال الشيء فيحسبه الشيء وذاك أنهم قد اعتمدوا في كل أمرهم على النسق الذي يرونه في الألفاظ وجعلوا لا يحفلون بغيره ولا يعولون في الفصاحة والبلاغة على شيء سواه حتى انتهوا إلى أن زعموا أن من عمد إلى شعر فصيح فقرأه ونطق بألفاظه على النسق الذي وضعها الشاعر عليه كان قد أتى بمثل ما أتى به الشاعر في فصاحته وبلاغته إلا أنهم زعموا أنه يكون في إتيانه به محتذيا لا مبتدئا ونحن إذا تأملنا

وجدنا الذي يكون في الألفاظ من تقديم شيء منها على شيء

إنما يقع في النفس أنه نسق إذا اعتبرنا ما توخي من معاني النحو في معانيها فأما مع ترك اعتبار ذلك فلا يقع ولا يتصور بحال أفلا ترى أنك لو فرضت في قوله قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل أن لا يكون نبك جوابا للأمر ولا يكون معدى بمن إلى ذكرى ولا يكون ذكرى مضافة إلى حبيب ولا يكون منزل معطوفا بالواو على حبيب لخرج ما ترى فيه من التقديم والتأخير عن أن يكون نسقا ذاك لأنه إنما يكون تقديم الشيء على الشيء نسقا وترتيبا إذا

كان التقديم قد كان لموجب أوجب أن يقدم هذا ويؤخر ذاك فأما أن يكون مع عدم الموجب نسقا فمحال لأنه لو كان يكون تقديم اللفظ على اللفظ من غير أن يكون له موجب نسقا لكان ينبغي أن يكون توالي الألفاظ في النطق على أي وجه كان نسقا حتى إنك لو قلت نبك قفا حبيب ذكرى من لم تكن قد أعدمته النسق والنظم وإنما أعدمته الوزن فقط وقد تقدم هذا فيما مضى ولكنا أعدناه هاهنا لأن الذي أخذنا فيه من إسلام القوم أنفسهم إلى التقليد اقتضى

إعادته واعلم أن الاحتذاء عند الشعراء وأهل العلم بالشعر وتقديره وتمييزه أن يبتدئىء الشاعر في معنى له وغرض أسلوبا والأسلوب الضرب من النظم والطريقة فيه فيعمد شاعر آخر إلى ذلك الأسلوب فيجيء به في شعره فيشبه بمن يقطع من أديمه نعلا على مثال نعل قد قطعها صاحبها فيقال قد احتذى على مثاله وذلك مثل أن الفرزدق قال الطويل أترجو ربيع أن تجيء صغارها بخير وقد أعيا ربيعا كبارها

واحتذاه البعيث فقال الطويل أترجو كليب أن يجيء حديثها بخير وقد أعيا كليبا قديمها وقالوا إن الفرزدق لما سمع هذا البيت قال من الوافر إذا ما قلت قافية شرودا تنحلها ابن حمراء العجان ومثل ذلك أن البعيث قال في هذه القصيدة الطويل كليب لئام الناس قد يعلمونه وأنت إذا عدت كليب لئيمها وقال البحتري الطويل بنو هاشم في كل شرق ومغرب كرام بني الدنيا وأنت كريمها وحكى العسكري في صنعة الشعر أن ابن الرومي قال قال لي البحتري قول أبي نواس الطويل ولم أدر من

هم غير ما شهدت لهم بشرقي ساباط الديار البسابس مأخوذ من قول أبي خراش الهذلي الطويل

ولم أدر من ألقى عليه رداءه سوى أنه قد سل من ماجد محض قال فقلت قد اختلف المعنى فقال أما ترى حذو الكلام حذوا واحدا وهذا الذي كتبت من حلي الأخذ في الحذو ومما هو في حد الخفي قول البحتري الطويل ولن ينقل الحساد مجدك بعدما تمكن رضوى واطمأن متالع وقول أبي تمام الكامل ولقد جهدتم أن تزيلوا عزه فإذا أبان قد رسا ويلملم قد احتذى كل واحد منهما على قول الفرزدق الكامل فادفع بكفك إن أردت بناءنا ثهلان ذا الهضبات هل يتحلحل وجملة الأمر

أنهم لا يجعلون الشاعر محتذيا إلا بما يجعلونه به آخذا ومسترقا قال ذو الرمة الوافر وشعر قد أرقت له غريب أجنبه المساند والمحالا فبت أقيمه وأقد منه قوافي لا أريد لها مثالا قال يقول لا أحذوها على شيء سمعته فأما أن يجعل إنشاد الشعر وقراءته احتذاء فمما لا يعلمونه كيف