قال الله تعالى: "جزاء بما كانوا يعملون". رشدنا إلى سبيلها وكصرنا وجه ظلها، وجعل غاية إحسانه إلينا وامتنانه علينا حقاً من حقوقنا قبله، وديناً لازماً له، وشكرنا على ما أعطانا من الطاعة التي رزقنا قواها، وأثابنا بفضله على تفضله.
وهذا كرم لا تهتدي إليه العقول، ولا يمكن أن تكيفه الألباب. ومن عرف ربه ومقدار رضاه وسخطه هانت عنده اللذات الذاهية والحطام الفاني، فكيف وقد أتى من وعيده ما تقشعر لسماعه الأجساد، وتذوب له النفوس، وأورد علينا من عذابه ما لم ينته إليه أمل فأين المذهب عن طاعة هذا الملك الكريم، وما الرغبة في لذة ذاهية لا تذهب الندامة عنها، ولا تفنى التباعة منها، ولا يزول الخزي عن راكبها، وإلى كم هذا التمادي وقد أسمعنا المتادى، وكأن قد حدا بنا الحادي إلى دار القرار، فإما
إلى جنة وإما إلى نار، ألا إن التثبط في هذا المكان لهو الضلال المبين، وفي ذلك أقول:
أعارتك دنيا مسترد معارها
غضارة عيش سوف يذوي اخضرارها
وهل يتمنى المحكم الرأي عيشة
وقد حان من دهم المنايا مزارها
وكيف تلذ العين هجعة ساعة
وقد طال فيما عاينته اعتبارها
وكيف تقر النفس في دار ثقلة
قد استيقنت أن ليس فيها قرارها
وأتى له في الأرض خاطر فكرة
ولم تدر بعد الموت أين محارها
أليس لها في السعي للفوز شاغل
أما في توفيها العذاب ازدجارها
فخابت نفوس قادها لهو ساعة
إلى حر نار ليس يطفي أوارها
لها سائق حاد حثيث مبادر
إلى غير ما أضحى إليه مدارها
تراد لأمر وهي تطلب غيره
وتقصد وجهاً في سواه سفارها
أمسرعة فيما يسوء قيامها
وقد أيقنت أ، العذاب قصارها
تعطل مفروضاً وتعني بفضلة
لقد شفها طغيانها واغترارها
إلى ما لها منه البلاء سكونها
وعما لها منه النجاح نفارها
وتعرض عن رب دعاها لرشدها
وتتبع دنيا جد عنها مرارها
فيأيها المغرور بادر برجعة
فلله دار ليس تخمد نارها
ولا تتخير فانياً دون خالد
دليل على محض العقول اختيارها
أتعلم أن الحق فيما تركته
وتسلك سبلاً ليس يخفى عوارها
وتترك بيضاء المناهج ضلة
لبهماء يؤذي الرجل فيها عثارها
تسر بلهو معقب بندامة
إذا ما انقضى لا ينقص مستثارها
وتفنى الليالي والمسرات كلها
وتبقى تباعات الذنوب وعارها
فهل أنت يا مغبون مستيقظ فقد
تبين من سر الخطوب استتارها
فعجل إلى رضوان ربك واجتنب
نواهيه إذ قد تجلي منارها
يجد مرور الدهر عنك بلاعب
وتغرى بدنيا ساء فيك سرارها
فكم أمة قد غرها الدهر قبلنا
وهاتيك منها مقفرات ديارها
تذكر على ما قد مضى واعتبر به
فإن المذكي للعقول اعتبارها
تحامى ذرها كل باغ وطالب
وكان ضماناً في الأعادي انتصارها
توافت ببطن الأرض وانشت شملها
وعاد إلى ذي ملكه استعارها
وكم راقد في غفلة عن منية
مشمرة في القصد وهو سعارها
ومظلمة قد نالها متسلط
مدلي بأيد عند ذي العرش ثارها
أراك إذا حاولت دنياك ساعياً
على أنها باد إليك أزوارها
وفي طاعة الرحمن يقعدك الونى
وتبدي أناة لا يصح اعتذارها
تحاذر إخواناً ستفنى وتنقضي
وتنسى التي فرض عليك حذارها
كأني أرى منك التبرم ظاهراً
مبيناً إذا الأقدار حل اضطرارها
هناك يقول المرء من لي بأعصر
مضت كان ملكاً في يدي خيارها
تنبه ليوم قد أظلك ورده
عصيب يوافي النفس فيها احتضارها
تبرأ فيه منك كل مخالط
وإن من الآمال فيه انهيارها
فأودعت في ظلماء ضنك مقرها
يلوح عليها للعيون إغبرارها
تنادي فلا تدري المنادي مفرداً
وقد حط عن وجه الحياة خمارها
تنادي إلى يوم شديد مفزع
وساعة حشر ليس يخفى اشتهارها
إذا حشرت فيه الوحوش وجمعت
صحائفنا وإنثال فينا انتثارها
وزينت الجنات فيه وأزلفت
وأذكى من نار الجحيم استعارها
وكورت الشمس المنيرة بالضحى
وأسرع من زهر النجوم إنكدارها
لقد جل أمر كان منه انتظامها
وقد حل أمر كان منه انتثارها
وسيرت الأجبال والأرض بدلت
وقد عطلت من مالكيها عشارها
فإما لدار ليس يفنى نعيمها
وإما لدار لا يفك إسارها
بحضرة جبار رفيق معاقب
فتحصى المعاصي كبرها وصغارها
ويندم يوم البعث جاني صغارها
وتهلك أهليها هناك كبارها
ستغبط أجساد وتحيا نفوسها
إذا ما ستوى إسرارها وجهارها
إذا حفهم عفو الإله وفضله
وأسكنهم داراً حلالاً عقارها
سيلحقهم أهل الفسوق إذا استوى
بجلبة سبق طرفها وحمارها
يفر بنو الدنيا بدنياهم التي
يظن على أهل الحظوظ اقتصارها
هي الأم خير البر فيها عقوقها
وليس بغير البذل يحمى ذمارها
فما نال منها الحظ إلا مهينها
وما الهلك إلا قربها واعتمارها
تهافت فيها طامع بعد طامع
وقد بان للب الذكي اختبارها
تطامن لغمر الحادثات ولا تكن
لها ذا اعتمار يجتنبك غمارها
وإياك أن تغتر منها بما ترى
فقد صح في العقل الجلي عيارها
رأيت ملوك الأرض يبغون هدة
ولذة نفس يستطاب اجترارها
وخلوا طريق القصد في مبتغاتهم
لمتبعه الصفار جم صغارها
وإن التي يبغون نهج بقية
مكين لطلاب الخلاص اختصارها
هل العز إلا همة صح صونها
إذا صان همات الرجال انكسارها
وهل رايح إلا امرؤ متوكل
قنوع غني النفس باد وقارها
ويلقى ولاة الملك خوفاً وفكرة
تضيق بها ذرعاً ويفنى اصطبارها
عياناً ترى هذا ولكن سكرة
أحاطت بنا ما إن يفيق خمارها
قد برهن الباني على الأرض سقفها
وفي علمه معمورها وقفارها
ومن يمسك الأجرام والأرض أمره
بلا عمد يبني عليه قرارها
ومن قدر التدبير فيها بحكمة
فصح لديها ليلها ونهارها
ومن فتق الأمواه في صفح وجهها
فمنها يغذي حبها وثمارها
ومن صير الألوان في نور نبتها
فأشرق فيها وردها وبهارها
فمنهن مخضر يروق بصيصه
ومنهن ما يغشى اللحاظ احمرارها
ومن حفر الأنهار دون تكلف
فصار من الصم الصلاب انفجارها
ومن رتب الشمس المنير أبيضاضها
غدوا ويبدو بالعشي اصفرارها
ومن خلق الأفلاك فامند جريها
وأحكمها حتى استقام مدارها
ومن إن ألمت بالعقول رزية
فلس إلى حي سواه افتقارها
تجد كل هذا راجع نحو خالق
له ملكها منقادة وائتمارها
أبان لنا الآيات في أنبيائه
فأمكن بعد العجز فيها اقتداها
فأنطق أفواهاً بألفاظ حكمة
وما حلها إثغارها وأتغارها
وأبرز من صم الحجارة ناقة
وأسمعهم في الحين منها حوارها
ليوقن أقوام وتكفر عصبة
أتاها بأسباب الهلاك قدارها
بوشق لموسى البحر دون تكلف
وبان من الأمواج فيه انحسارها
وسلم من نار الأونوق خليله
فلم يؤذه إحراقها واعترارها
ونجى من الطوفان نوحاً وقد هدت
به أمة أبدى الفسوق شرارها
ومكن داوداً بأيد وابنه
فتعسيرها ملقى له وبدارها
وذلل جبار البلاد لأمره
وعلم من طير السماء حوارها
وفضل بالقرآن أمة أحمد
ومكن في أقصى البلاد مغارها
وشق له بدر السماء وخصه
بآيات حق لا يخل معارها
وأنقذنا من كفر أربابنا به
وكان على قطب الهلاك منارها
فما بالنا لا نترك الجل ويحنا
لنسلم من نار ترامى شرارها
أنتهى الكتاب
طوق الحمامة ( المخطوط )
المقدمة | تقسيم الرسالة | الكلام في ماهية الحب | علامات الحب | من أحب في النوم | من أحب بالوصف | من أحب من نظرة واحدة | من لا يحب إلا مع المطاولة | من أحب صفة لم يستحسن بعدها غيرها مما يخالفها | التعريض بالقول | الإشارة بالعين | المراسلة | السفير | طي السر | الإذاعة | الطاعة | المخالفة | العاذل | المساعد من الإخوان | الرقيب | الوشي | الوصل | الهجر | الوفاء | الغدر | البين | القنوع
| الضنى | السلو | الموت | قبح المعصية | فضل التعفف
NewPP limit report Parsed by mw‐web.eqiad.main‐f9854c69d‐nlgw4 Cached time: 20260917215029 Cache expiry: 2592000 Reduced expiry: false Complications: [vary‐revision‐sha1] CPU time usage: 0.103 seconds Real time usage: 0.128 seconds Preprocessor visited node count: 42/1000000 Revision size: 21859/2097152 bytes Post‐expand include size: 32115/2097152 bytes Template argument size: 0/2097152 bytes Highest expansion depth: 3/100 Expensive parser function count: 0/500 Unstrip recursion depth: 0/20 Unstrip post‐expand size: 5486/5000000 bytes Lua time usage: 0.029/10.000 seconds Lua memory usage: 1560840/52428800 bytes Number of Wikibase entities loaded: 0/500
Transclusion expansion time report (%,ms,calls,template) 100.00% 101.372 1 -total 62.41% 63.270 1 قالب:ترويسة 32.64% 33.089 2 قالب:أبيات 2.75% 2.791 1 قالب:طوق_الحمامة 1.50% 1.517 1 قالب:ص
Render ID cc4a4b9f-b2e1-11f1-9024-1b88ecb6feed
Saved in parser cache with key arwikisource:pcache:4930:|#|:idhash:canonical and timestamp 20260917215029 and revision id 478377. Rendering was triggered because: page_view