ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 23 من 29

طوق الحمامة

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 23 من 291,070 كلمة في هذا الجزء

الكن، وإني لو نلت منها أقل وصل وأنست لي بعض الأنس لخولطت طرباً أو لمت فرحاً، ولكن هذا النفار الذي صبرني وأسلاني.

وهذا الوجه من أسباب السلو صاحبه في كلا الوجهين معذور وغير ملوم؛ إذ لم يقع تثبت يوجب الوفاء، ولا عهد يقتضي المحافظة، ولا سلف ذمام، ولا فرط تصادف يلام على تضييعه ونسيانه.

ومنها جفاء يكون من المحبوب، فإذا أفرط فيه وأسرف وصادف من المحب نفساً لها بعض الأنفة والعزة تسلى، وإذا كان الجفاء يسيراً منقطعاً أو دائماً أو كبيراً منقطعاً أحتمل وأغضى عليه، حتى إذا كثر ودام فلا بقاء عليه. ولا يلام الناس لمن يحب في مثل هذا.

ومنها الغدر، وهو الذي لا يحتمله أحد، ولا يغضى عليه كريم، وه المسلاة حقاً. ولا يلام السالي عنه على أي وجه كان ناسياً أو متصبراً، بل اللائمة لاحقة لمن صبر عليه. ولا أن القلوب بيد مقلبها لا إله إلا هو ولا يكلف المرء صرف قلبه ولا إحاطة استحسانه، ولا ذاك لقلت إن المتصبر في سلوه مع الغدر يكاد أن يستحق الملامة والتعنيف. ولا أدعى إلى السلو عند الحر النفس وذوي الحفيظة والسرى السجايا من الغدر، فما يصبر عليه إلا دنيء المروءة خسيس الهمة ساقط الأنفة،

وفي ذلك أقول قطعة، منها:

هواك فلست أقربه غرور

وأنت لكل من يأتي سرير

وما إن تصبرين على حبيب

فحولك منهم عدد كثير

فلو كنت الأمير لما تعاطى

لقاءك خوف جمعهم الأمير

رأيتك كالأماني ما على من

يلم بها ولو كثروا غرور

ولا عنها لمن يأتي دفاع

ولو حشد الأنام لهم نفير

ثم سبب ثامن، وهو لا من المحب ولا من المحبوب، ولكنه من الله تعالى، وهو اليأس. وفروعه ثلاثة: إما موت، وإما بين لا يرجى معه أوبة، وإما عارض يدخل على المتحابين بعلة المحب التي من أجلها وثق المحبوب فيغيرها.

وكل هذه الوجوه من أسباب السلو والتصبر، وعلى المحب الناسي في هذا الوجه المنقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة من الغضاضة والذم واستحقاق اسم اللوم والغدر غير قليل، وإن لليأس لعملاً في النفوس عجيباً. وثلجاً لحر الأكباد كبيراً. وكل هذه الوجوه المذكورة أولاً وآخراً فالتأني فيها واجب، والتربص على أهلها حسن، فيما يمكن فيه التأني ويصح لديه التربص، فإذا انقطعت الأطماع وانحسمت الآمال فحينئذ يقوم العذر.

وللشعراء فن من الشعر يذمون فيه الباكي على الدمن، تويثنون على المثابر على اللذات. وهذا يدخل في باب السلو. ولقد أكثر الحسن بن هانئ في هذا الباب وافتخر به، وهو كثيراً ما يصف نفسه بالغدر الصريح في أشعاره، تحكماً بلسانه واقتداراً على القول، وفي مثل هذا أقول شعراً، منه:

خل هذا وبادر الدهر وأرحل

في رياض الربى مطي القفار

واحدها بالبديع من نغمات

المود كيما تحث بالمزمار

إن خيراً من الوقوف علىالدار

وقوف البنان بالأوتار

وبدأ النرجس البديع كصب

حائر الطرف مائلاً كالمدار

لونه لون عاشق مستهام

وهو لا شك هائم بالبهار

ومعاذ الله أن يكون نسيان مادرس لنا طبعاً، ومعصبة الله بشرب الراح لنا خلقاً، وكساد الهمة لنا صفة، ولكن حسبنا قول الله تعالى، ومن أصدق من الله قيلاً في الشعراء: "ألم تر أنهم في كل واد يهيمون. وأنهم يقولون ما لا يفعلون". فهذه شهادة الله العزيز الجبار لهم، ولكن شذوذ القائل للشعر عن مرتبة الشعر خطأ. وكان سبب هذه الأبيات أن حفني العامرية، إحدى كرائم المظفر عبد الملك ابن أبي عامر، كلفتني صنعتها فأحببتها، وكنت أجلها، ولها فيها صنعة في طريقة النشيد والبسيط رائقة جدا.

ولقد أنشدتها بعض إخواني من أهل الأدب فقال سروراً بها: يجب أن توضع هذه في جملة عجائب الدنيا.

فجميع فصول هذا الباب كما ترى ثمانية: منها ثلاثة هي من المحب، اثنان منها يذم السالي فيهما على كل وجه، وهما الملل والاستبدال، وواحد منها يذم السالي فيه ولا يذم المتصبر، وهو الحياء كما قدمنا. وأربعة من المحبوب، منها واحد يذم الناي فيه ولا يذم المتصبر، وهو الهجر الدائم. وثلاثة لا يذم السالي فيها على أي وجه كان ناسياً أو متصبراً، وهي النفار والجفاء والغدر. ووجه ثامن وهو من قبل الله عز وجل، وهو اليأس إما بموت أو بين أو آفة تزمن. في هذه معذور.

وعني أخبرك أني جبلت على طبيعتين لا يهنئني معهما عيش أبداً، وإني لأبرم بحياتي باجتماعهما وأود التثبت من نفسي أحياناً لأفقدها أنا بسببه من النكد من أجلهما، وهما: وفاء لا يشوبه تلون قد استوت فيه الحضرة والعيب، والباطن والظاهر، تولده الألفة التي لم تعزف بها نفسي عما دربته، ولا تتطلع إلى عدم من صحبته، وعزة نفس لاتقر على الضيم، مهتمة لأقل ما يرد عليها من تغير المعارف مؤثرة للموت عليه. فكل واحدة من هاتين السجيتين تدعو إلى نفسها وإني لأجفى فأحتمل، وأستعمل الأناة الطويلة، والتلوم

الذي لا يكاد يطيقه أحد، فإذا أفرط الأمر وحميت نفسي تصبرت، وفي القلب ما فيه وفي ذلك أقول قطعة، منها:

لي حلتان أذاقاني الأسى جرعاً

ونغصا عيشي واستهلكا جلدي

كلتاهما تطبينى نحو جبلتها

كالصيد ينشب بين الذئب والأسد

وفاء صدق فما فارقت ذا مقة

فزال حزني عليه آخر الأبد

وعزة لا يحل الضيم ساحتها

صرامة فيه بالأموال والولد

ومما يشبه ما نحن فيه، وإن كان أيس منه، أن رجلاً من إخواني كنت أحللته من نفسي محلها، وأسقطت المؤونة بيني وبينه، وأعددته ذخراً وكتراً، وكان كثير السمع من كل قائل، فدب ذو النميمة بيني وبينه، فحاكوا له وأنجح سعيهم عنده، فانقبض عما كنت أعهده. فتربصت عليه مدة في مثلها أوب الغائب، ورضي العاتب، فلم يزدد إلا انقباضاً فتركته وحاله.

طوق الحمامة ( المخطوط )

المقدمة | تقسيم الرسالة | الكلام في ماهية الحب | علامات الحب | من أحب في النوم | من أحب بالوصف | من أحب من نظرة واحدة | من لا يحب إلا مع المطاولة | من أحب صفة لم يستحسن بعدها غيرها مما يخالفها | التعريض بالقول | الإشارة بالعين | المراسلة | السفير | طي السر | الإذاعة | الطاعة | المخالفة | العاذل | المساعد من الإخوان | الرقيب | الوشي | الوصل | الهجر | الوفاء | الغدر | البين | القنوع

| الضنى | السلو | الموت | قبح المعصية | فضل التعفف

NewPP limit report Parsed by mw‐web.eqiad.main‐bb4c6c8c4‐rbvnl Cached time: 20260917201342 Cache expiry: 2592000 Reduced expiry: false Complications: [vary‐revision‐sha1] CPU time usage: 0.060 seconds Real time usage: 0.077 seconds Preprocessor visited node count: 134/1000000 Revision size: 26077/2097152 bytes Post‐expand include size: 19947/2097152 bytes Template argument size: 0/2097152 bytes Highest expansion depth: 3/100 Expensive parser function count: 0/500 Unstrip recursion depth: 0/20 Unstrip post‐expand size: 33501/5000000 bytes Lua time usage: 0.018/10.000 seconds Lua memory usage: 2389856/52428800 bytes Number of Wikibase entities loaded: 0/500

Transclusion expansion time report (%,ms,calls,template) 100.00% 62.982 1 -total 58.33% 36.737 1 قالب:ترويسة 36.29% 22.857 15 قالب:أبيات 2.58% 1.624 1 قالب:طوق_الحمامة 1.38% 0.867 2 قالب:ص

Render ID 470c6f4e-b2d4-11f1-9cfe-1fc4caa86e00

Saved in parser cache with key arwikisource:pcache:5016:|#|:idhash:canonical and timestamp 20260917201342 and revision id 478385. Rendering was triggered because: page_view